الجمعة، 29 يونيو، 2012

في غرناطة ذات يوم




استيقظت فجراً ونظرت من نافذة الفندق وأخذت الخيالات تلعب برأسي:

        ألا من مؤذن ينادي الله أكبر،

        ألا من مئذنة تظهر بين النواقيس

في هذه الديار كان الفجر في يوم ما فجراً، ولكنه اليوم ساعة عودة السكارى والثمالى.

"ابك كالنساء ملكاً لم تحفظه كالرجال" قالتها امرأة لابنها أبي عبد الله ولا أظنها كانت شماتة، بل قالتها من الحزن واللوعة والأسى.

       لم أترك الخيالات طويلاً تعبث بي فقمت إلى سجادتي وأديت صلاة الفجر، وخرجت من الغرفة مبتعداً عن النافذة.

هانحن في غرناطة بعد أن زرنا برشلونة التي كانت يوماً عاصمة لدولة مستقلة هي قشتالة التي يطلق عليها الإسبان (كاتلونيا) إنهم يفخرون بالفن القوطي والفن الروماني واليوناني أما الفن الإسلامي فلا يذكرونه بالاسم بل استبدلوا ذلك بلفظة "المور" وكما تقول الموسوعة المجانية ويكيبيديا أنهم "الموريسكيون أو الموريسكوس بالقشتالية هم الأندلسيون المسلمون الذين تم تعميدهم قسرًا بمقتضى مرسوم ملكي الكاثوليك المؤرّخ في 14 فبراير 1502(6 شعبان 907 هـ). كان عددهم كبيرا في أرغون السفلي (مقاطعة تيروال حاليا) وفي جنوب مملكة بلنسية وفي غرناطة بينما كانت أعدادهم أقل في بقية مملكة قشتالة وذلك حسب المعلومات التي بلغتنا من سجلات الضرائب. وهي مأساة إنسانية اهتم بها الباحث المؤرخ الدكتور عبد الجليل التميمي وله كتابات كثيرة في هذا المجال. وهي قضية كان من المفترض على إسبانيا الحالية أن تعتذر منها للعالم الإسلامي وتبحث عن طرق لتعويض من بقي منهم حتى اليوم.

وكان اسم الفندق الذي نزلت فيه في غرناطة (الحمراء) وهو اسم القصر الذي كان يسكنه آخر ملوك بني الأحمر أبو عبد الله. وقد بني هذا الفندق قبل تسعين سنة، وعلى جدرانه نقوش منقولة من قصر الحمراء وفيما يأتي بعض هذه النقوش:

-       لا غالب إلاّ الله

-       الحمد لله على نعمه

      أما النقوش في قصر الحمراء الذي يعد تحفة عمرانية بني في زمن بني الأحمر الذين جاؤوا بعد الموحدين ويقول عنه أحد المواقع السياحية:" تعود بداية تشييد قصر الحمراء إلى القرن السابع الهجري، الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، وترجع بعض أجزائه إلى القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي. هذا المعلم الأندلسي الشهير جمع بين التحصينات الدفاعية،
الممثلة في أسواره وأبراجه الخارجية وبين روعة القاعات والصحون والعقود المقرنصة،
وأشغال الجص الفريدة، والقباب المرصعة بالمقرنصات، وهندسة البساتين"([i])

        وفيما يلي بعض ما كتب على الجدران ممن لا يتسع وقته أو مزاجه لحفظها فقد دونتها في تلك الزيارة وهي:

-       وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ (النحل آية 53)

-       النصر  والتمكين والفتح المبين لمولانا أبي الحجاج أمير المسلمين نصره الله

-       الحمد لله على نعمة الإسلام

-       نحييك حين تصبح أ تمسي تعود المنى والسعد والأنس

-       قليل الكلام يخرج بسلام

-       من حسن كلامه وجب إكرامه

-       أقبل على صلاتك ولا تكن من الغافلين

-       جوارح كنت القلب لا شك بينها وفي القلب تبدو قوة الروح

-       العزة لله ، والقدرة لله، والملك لله

-       هو القبة العلياء ونحن بناؤها ولكن

      وفيما أنا أبحث عن بعض النقوش عثرت على هذا الخبر في أحد المنتديات وهو يعرض رئيس المجلس الأعلى للأبحاث العلمية رفائيل رودريجو ومديرة ‏تراث قصر الحمراء وجنة العريف في مدينة غرناطة الإسبانية ماريا ديل مار بييافرانكا بالعاصمة مدريد الجزء ‏الأول من الدراسة التي تحمل عنوان "نقوش قصر الحمراء".‏ووجد في موقع آخر أن الباحثين الإسبان قاموا بترجمة وفهرسة نحو عشرة آلاف مفردة عربية نقشت على جدران القصر.  

      واحتوى القصر  كثيراً من الإبداعات العربية المسلمة في العمارة والزخرفة وبناء الحدائق والتقنية في إيصال المياه، كما أن حياتهم الاجتماعية والسياسية  تمثلت في القصر من حيث وجود قاعات للسفراء وقاعات للحكم، وأجنحة خاصة بالنساء، ولما كانوا في ترف ففي إحدى القاعات يوجد مكان مخصص للعازفين بحيث يعزفون ولا يرون من بالقاعة وكأن ذلك عوضاً عن وجود المسجلات.

        وتضمنت الرحلة إلى الأندلس زيارة قرطبة وأهم ما في قرطبة مسجدها الكبير الذي كاد الإسبان أن يدمروه حقداً منهم على كل أثر إسلامي لولا أن أحد الملوك بنى داخل المسجد كنيسة فكانت سبباً في بقاء المسجد وقد أبدع المسلمون في بنائه من الناحية الجمالية والتقنية حتى إن صوت الإمام يُسمع خارج المسجد لاستخدام المسلمين لتقنيات الصوتيات التي استخدمها الرومان في مسارحهم، كما أبدع المسلمون في طريقة دخول الضوء بطريقة أفقية فجاء النصارى وفتحوا فتحات في السقف فأفسدوا ما فعله المسلمون.

        وأخذنا الدليل الإسباني وكنت مع مجموعة من طلاب جامعة الملك عبد العزيز قسم التاريخ إلى الحي الإسلامي وأوضح لنا كيف كانت شوارع المسلمين نظيفة وكيف كانت تضاء كما بين أن المسلمين كانوا لا يظهرون البذخ في المظهر الخارجي لبيوتهم وإنما يركزون على الداخل حتى لا يكون الخارج مثيراً لأحقاد الفقراء. وقد يكون التفسير صحيحاً وقد لا يكون.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق