الثلاثاء، 19 يونيو، 2012

اللحيدان والمتهم في مجلس القضاء


                                      بسم الله الرحمن الرحيم

                          

      عرض الكتب فن له رواده والمتخصصون فيه، وقد قرأت ذات مرة أن الذي يتعرض لعرض كتاب معين عليه أن يكون متخصصاً في موضوع  الكتاب المعروض وأن يكون مستواه العلمي يوازي إن لم يتفوق على المؤلف. وها أنا أمام كتاب في مجال لا أحسنه، ولكنه في الواقع موضوع يهم كل باحث في الدراسات الإسلامية ويهم كل من يتعاطى شؤون القضاء عامة. ولمّا كان القضاء من أعظم ما تفخر به هذه الأمة فإن الكتابة في هذا المجال أمر له شأنه ولا ينبغي أن يتصدى له إلاّ من امتلك أدوات البحث. ويدل على عظمة القضاء تلك الرسالة التي بعثها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري.
ونحن أمام كتاب قيم في هذا المجال كتبه رجل عمل في مجال القضاء وبذل غاية الجهد قبل أن يدون صفحاته فهو قد تردد كثيراً ثم استخار الله عز وجل وانشرحت نفسه لتدوينه وهو مطمئن إلى أن ما كتبه قد بذل فيه غاية الجهد. هذا الكتاب هو ( حال المتهم في مجلس القضاء) للشيخ الدكتور صالح بن سعد اللحيدان،  المستشار القضائي لمعالي وزير العدل وأمين البحث العلمي في الوزارة.
يتكون الكتاب من تسع وثلاثين ومائة صفحة يبدأها بالمقدمة التي يوضح فيها المؤلف أسباب قيامه بتأليف هذا الكتاب والخطوات التي مر بها تأليف الكتاب. أما فصول الكتاب فهي: المراد بالقضاء ، وحالتا القاضي والمتهم ، وبراءة الذمة بدرء الحد بالشبهة، وبراءة الذمة بالعفو،ـ وبراءة الذمة بنقص الشهادة والشهود ونقص الشروط، وبراءة الذمة بنقض أو نقص الإقرار، وبراءة الذمة بجهالة الدم، ثم الخاتمة والمراجع.
وأبدأ بالمقدمة حيث يقول المؤلف حفظه الله- " ولا قضية إلاّ وفيها متهم يُبَرّأ أو لا يُبَرّأ ، فالتهمة تهمة صدقت أو كذبت ولا يكون الاتهام إلاّ لسابق حصول شيء يدان به الفاعل بعد معرفته ويخلى سبيل المتهم مع التقدير والاعتذار." ويبين المؤلف في هذه المقدمة الموجزة أن القضاء " أمره صعب لأنه الحاكم ولأنه ناظر التهمة المطروحة والقضية المراد الفصل فيها ، فالمتهم والقاضي في مجلس القضاء سواء بسواء سيقف الاثنان أو المجموعة أمام الحَكَمِ العَدْل. أما المتهم فله من الحقوق في الإسلام الشيء الكثير ومنها ما قاله الشيخ اللحيدان" فله حرية التعبير عمّا في نفسه مما يريد قوله ، وله مطلق مراده من البينات الواضحات وهو هنا في مجلس القضاء وإن كان ضعيفاً فهو القوي حتى يأخذ ما له ويعطي ما عليه ويسير على مبدأ محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
ومن خلال مطالعتي للكتاب وجدت أن المؤلف جزاه الله خيراً قد أنصف المتهم والقاضي والشي من معدنه لا يستغرب فما أعظم هذا الدين حين أعطى المتهم من الحقوق وحفظ الكرامة الشيء الكثير ويقول في ذلك الشيخ اللحيدان:" فالمتهم ليس إلاّ متهماً لا غير وهو في هذا يدرأ حده بالشبهة أبداً ما لم يقم الدليل القاطع الحق على أنه مدان ، والوقوف نحو المتهم هنا يكون ذلك الوقوف العادل الكريم وشعور المتهم أمام الحكام أنه مُكرّمٌ حسّاً ومعنى يعطيه نطق الحق في الغالب لأنه يدرك حينئذ أنه لن يجار عليه ،فليقل ما يريد قوله ويعترف أو يقر ويعود فينكر وكأنّ شيئاً لم يحصل وناظر القضية تجاه المتهم فقط ليس منه إلا ما ظهر
وتناول الشيخ موضوع الإقرار وفصّل القول فيه ومن ذلك الأسباب التي لا تجعل الإقرار مقبولاً كأن يكون المتهم فاقداً لعقله لسبب ما ويقول في ذلك :" وقد لاحظت الشريعة أن من أقر فاقداً لعقله لأي سبب كنوم أو إغفاء أو شرب دواء قوي التأثير على الأعصاب ومناطق الإحساس أو شرب خمراً أو فقد عقله بسبب جنون حدث له أو صدمة نفسية حاصلة فإن لإقراره لا يعتبر إقراراً شرعياً يؤاخذ به عليه لأنه في حال قد رفع عنه التكليف بسببه، فلم يعد يملك لنفسه شيئاً."
     تناولت في السطور السابقة بعض ما جاء في كتاب الشيخ صالح اللحيدان حول حال المتهم في مجلس القضاء وأكمل اليوم بالحديث عن جوانب أخرى من هذا الكتاب القيم الذي يهم كل من يمارس القضاء أو له علاقة بهذا الجانب المهم من الشريعة الإسلامية.
لقد ذكر الشيخ اللحيدان في بداية كتابه وفي الصفحة 28 وما بعدها حالات المتهم وأنها لا تخرج عن ثلاث هي :
 1- إما أن يكون بريئاً ليس من أهل تلك التهمة.
 2- أو فاجراً من أهلها.
 3- أو مجهول الحال لا يعرف الوالي والحاكم حاله.
ويقول الشيخ بعد ذلك : فالأصل براءة الذمة حتى في حال كون المتهم معروفاً بالسوابق، وإنني أجبر به القاضي أن يكون متفتحاً وواعياً ويجعل له حظاً من الاطلاع الجيد على علم النفس والتربية فيما يوافق الشرع ، وإنني لأخالف جداً الحاصل اليوم من كثير من القضاة مما يصدر من حكم ذال على ضعف الخلفية العلمية إنما هو له الحفظ فقط وهذا يجعلنا نتمزق من حال كهذه." ويزيد الشيخ الأمر إيضاحاً بقوله :" وحال القاضي يجب أن تكون إزاء حال المتهم عظم النباهة الحاضرة ودفع الظن الخاطئ ما أمكنه إلى ذلك السبل فإن من يغلب على ظاهرة الفجور قد لا يكون محل التهمة أصلاً فكيف يكون محل حصول ما اتهم به ، قلت والصواب هنا النظر الطويل والمدارسة وطلب الرأي عند أهله والاستقصاء وورع البحث وتقوى الظن.." ثم ذكر الشيخ بعض القصص الواقعية التي تبين فيها أن المتهم كان بريئاً رغم أن ظاهره كان يوشي به.
والكتاب في مجمله يستحق القراءة وإعادة القراءة ، وكلما قرأت صفحة وجدت أن هذه العبارة أو تلك تستحق أن تذكر في هذا العرض. وقد ناقش الشيخ مسألة درأ الحدود بالشبهات وجاء على ذكر ما أورده ابن حزم في ( المحلى) وأن الروايات القائلة بهذا ليست قوية فناقشه الشيخ بحكمة وهدوء بأن كثرة الأقوال الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم وعن التابعين تقوي بعضها بعضاً حتى يقول :" وكثرة هذه الآثار عن مثل هؤلاء معتبرة عظيمة في ميزان تقرير الأحكام ولا كلام." ويبرر الأمر أن القاضي محاسب أمام الله حيث يقول:" وهذه الوسيلة تجعل للحاكم باباً يتقي به غضب الله فحين النظر وحين إصدار الأحكام فلا عجلة ولا ملل ولا نفور ولا تنفير. وهذه الوسيلة يشهد لها غيرها كثير من الوسائل التي تجعل المتهم في حال براءة فيُكرَم ولا يُعتدى  عليه ما دام في حال هو فيها محل نظر دون الإدانة بما اقترفت يداه على الظن سواء بسواء."
ولعل من الفصول المهمة في الكتاب الفصل المعنون ( براءة الذمة بجهالة الدم) وهو فصل عظيم قد أعد له المؤلف جزاه الله خيراً عدته من القراءة الواسعة المستفيضة ذلك أن المتهم في هذه الحالة كما يقول الشيخ ( قاب قوسين أو أدنى من الموت المحقق الذي لا شك فيه ويقول في الحاشية " المتهم بسبب الدم يعيش حالة نكد كبير، وهم مستديم .." ويؤكد المؤلف على دور القاضي بأنه ليس أمامه "سوى البينة ليس غيرها ولا محيد عنها فيحكم ناظر القضية بنفسه أو مع غيره حسب البينة أو البينات لا يقبل سوى ذلك ، وحال الدم ليس أمرها كأي حال تحصل بين الناس فيكون الحكم ثم التنفيذ ثم صمت للأبد بل وراء ذلك ما وراءه من الهم والضيق في حال ثبوت الدم فكيف والحال تهمة تقوى أو تضعف"
لفت نظري عبارة أن المتهم إذا ثبتت براءته يخلى سبيله مع التقدير والاعتذار وكم كنت أود لو أن الشيخ الفاضل بيّن كيف يتم ذلك، فماذا ورد في الشرع الحنيف في مثل هذه الحالات؟ ويقال في الفكر المعاصر رد الاعتبار أو رد الشرف حين تكون التهمة باطلة أو كيدية كما يحدث في بعض الأحيان.
الكتاب جدير بالقراءة والدراسة فجزى الله المؤلف خير الجزاء وزاده توفيقاً .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق