السبت، 23 يونيو 2012

الإسلام والنهضة


 تقديم: أحياناً يطلب منّى أن أكتب على عجل موضوع ما، فكان منها هذا الموضوع، ولكني وجدت فيه اقتباسات قيمة فأحببت أن أتحفكم به.







النهضة في القرآن الكريم

      من الناس من يقرأ القرآن الكريم فلا يفهم نصوصه الاّ فهما ظاهرياً فيكون هذا الفهم متعثراً. ولكن الله عز وجل يهب من يشاء من عباده عقلاً واعيا وفهما عميقا وإدراكاً . ومن هؤلاء الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى (1307 -1358)(1889-1940م) وقد أمضى الشيخ عبد الحميد من عمره أكثر من عشرين سنة يفسر آيات الكتاب الحكيم ، ثم ينشر بعض هذه الدروس في مجلة الشهاب الجزائرية.

     وكان الشيخ ابن باديس رحمه الله يعيش تحت الاحتلال الجزائري الذي يحارب العلماء المسلمين ويراقبهم بدقة ، ولكن الشيح استطاع بفطنته وذكائه أن يفلت من هذه المراقبة ويتحدث في موضوعات لاترضى عنه إدارة الاحتلال ، ومن هذه الموضوعات الاسلام والنهضة.

     وتأتي أهمية الحديث عن النهضة ان الاستعمار وأعوانه من المستشرقين وتلاميذهم كانوا يروجون أن الاسلام هو سبب تأخر الأمة الاسلامية ، لذلك توقف ابن باديس عند بعض الآيات القرآنية الكريمة ليستنبط دعوة القرآن الكريم للنهضة . ومن هذه الآيات قول الله عز  وجل{أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتحذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين ، فاتقوا الله وأطيعون}

   وتحدث الشيخ عن هذه الآية قائلاً:" والآية على كل حال بناء عظيم يدل على عظمتهم وقوتهم وما زالت عظمة البناء تدل على عظمة الباني ، ولم ينكر عليهم نبيّهم نفس البناء الذي هو مظهر القوة ، وإنما انكر عليهم الغاية المقصودة لهم من ذلك البناء الشامخ فمحط الإنكار قوله{تعبثون} ولا شك أن كل بناء شامح لايكون لغاية شريفة محمودة فهو عبث ولهو باطل.

     وكان لابن باديس وقفة أخرى مع كلمة {مصانع} يقول فيها: "والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو ان المصانع جمع مصنع من الصنع كالمعامل من العمل، وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران. وهل كثير على أمة توصف بما وصفت فيه في الآية أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؟ بلى وإن المصانع لأول لازم من لوازم العمران واول نتيجة من نتائجه."

         وليست المصانع للفخر بها ولكن لا بد لها من اهداف فهي أحيانا تشيّدعلى القسوة كما يقول بن باديس" والقسوة لا تحمد في مبدأ ولا عاية" وقال عن المصانع في أوروبا :" وأي عاقل يرتاب في أن المصانع اليوم هي أدوات عذاب لا رحمة ووسائل تدمير لا تعمير ، فهل يحمد ها على عمومها ...ومن محامد المصانع ان تشاد لنفع البشر ورحمتهم ، ومن لوازم ذلك أن تراعى فيها حقوق العامل على أساس أنه إنسان لاآلة."

العرب كان لهم نهضة:

    ولا شك أن الذي يقرأ آيات القرآن الكريم بتمعن وتدبر يجد أن القرآن الكريم ذكر بعض الشعوب العربية في الجزيرة العربية وماكانوا عليه من حضارة ورقي وعمران ، وكل ذلك لشحذ الهمم للبناء والتعمير . وكذلك نجد القرآن الكريم يوجه الأنظار الى السير في الأرض والبحث عن تاريخ الأمم السابقة. ومن الحديث عن الأمم السابقة قول الله عز وجل:{ إرَمَ ذاتِ العِماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد} فقال ابن باديس :" ومدنية هذه اوصافها لا تشيدها الاّ أمة لا نظير لها في القوة وآثار الحضارة 000 ولو ائتمرت الأمم الاسلامية بأمر القرآن الكريم لنشأ فيها رواد يرودون الجزيرة ويجوبون مجاهلها ، ولو فعلوا لأمكن أن يعثروا على آثار هذه المدنية أرض عاد وهي معروفة ويجمعون بين الرؤية البصرية والرؤية والرؤية العلمية، وبين العلم والاتعاظ."

      صور من نهضة الأمة الإسلامية:

        ولقد فهمت الأمة الاسلامية كتاب ربها فأخذت بأسباب العمران والصناعة والقوة،  فانظر الىالأمةالاسلامية حين وقفت جيوشها على أبواب الصين لم ترجع حتى حصلت على أسرارصناعة الورق الذي كان فتحا عظيما في مجال نشر العلم والمعرفة . وتعلم المسلمون ممن سبقهم من الأمم الصناعات المختلفة حتي كانت لهم بصماتهم التي لا ينساها التاريخ .فهذه قرطبة وما فيها من عظمة الفن المعماري الاسلامي وكذلك أثبت المسلمون تفوقهم في علم الصوتيات فقد كان صوت الامام يصل من المحراب حتى آخر صف في المسجد الذي يتسع لأكثر من عشرين الف مصلٍ .  

    وتذكر الباحثة الألمانية زيغرد هونكة عن نهضة المسلمين في مجال الصحة والطب والمستشفيات أموراً عجيبة فحين كانت أوروبا كلها ليس فيها حمامات عامة او مستشفيات كان في مدينة واحدة من مدن المسلمين عشرات الحمامات العامة. كما عرف المسلمون البحوث العلمية في مجال الكيمياء والفيزياء والصيدلة التيى كانوا يطلقون عليها علم الأقربازين .

     ومن مظاهر نهضة المسلمين تفوقهم في صناعة القماش حتى اشتهر من أنواع الأقمشة عند المسلمين الحرير الدمشقي ، والقماش الموصلي الذي أصبح اسمه في العصر الحاضر الموسلين ونسينا أن أصله من بلد اسلامي في شمال العراق.وتفوق المسلمون في أدوات الملاحة البحريه فصنعوا الاسطرلاب وغيره من أدوات الملاحة ، وحتى الرتبة العسكرية البحرية الأدميرال هي في الأصل كلمة عربية هي امير البحر.

جذور النهضة:

    ولو أردنا ان نبحث عن جذور نهضة المسلمين لوجدناها في القرآن الكريم الذي حرر العقل المسلم وأمره بالتفكير . وقد وضع الأستاذ الأديب عباس محمود العقاد رحمه الله تعالى كتاباً بعنوان (التفكير فريضة اسلامية) . ولو رجعنا الى القرآن الكريم لوجدنا أن كلمة العقل بصيغها المختلفة: عقلوه ، يعقلون ، يعقلها، نعقل، يعقلون، ..الخ قد وردت أكثر من خمسين مرة . وجاءتكلمة فكر بصيغها المختلفة ( فكّر ، تتفكروا ، يتفكرون ، يتفكروا..الخ) قد وردت أكثر من خمس عشرة مرة . وكذلك كلمة انظروا وكلمة يروا بمعنى الروية العقلية أو الوجدانية قد وردت كثيراً . وقد أورد الشيخ عبد الحميد بن باديس تفسيراً للآية الكريمة{ قل إنّما أعظكم بِواحدةٍ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثمّ تتفكروا} :" فبالتفكير في آيات الله السمعية والبصرية وآياته الكونية ، وبناء الأقوال والأعمال والأحكام على الفكر تنهض الأمم فتستثمر ما في السموات وما في الأرض ، وتشيد صروح المدنية والعمران." ويرى ابن باديس أهمية الفكر في قوله:" الفكر هذه هي القوة التي كان بها الانسان سيد العالم ، وسيطر على عناصر المادة وأنواع الأحياء . وهذه الآية جديرة بأن تدعى أية النهوض الانساني ، ومعنى القيام هنا هو النهوض من جميع وجوهه لا القيام على الأرجل... ولو كان هذا مراداً وفهمته العرب منه لما سادوا المعمورة . وأما قوله { لله} فإن النهضة اذا كانت لغير الله كما هي نهضةالغرب المعاصرة لا تخلو من ضرر يعود على النوع الانساني من وجهات شتى وان نفعت قوما من بعض الوجوه.

            المراجع

1-ابن باديس ، عبد الحميد .عبد الحميد بن باديس حياته وآثاره (الجزائر :1968)

2-السباعي، مصطفى . من روائع حضارتنا. ( دمشق :1964)

3- هونكة، زيغرد .شمس العرب تسطع على الغرب .ترجمةفاروق بيضون وكمال الدسوقي ومراجعة مارون عيسى الخوري (بيروت :1979)الطبعة الثالثة.  




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق