التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرة المستشرقين للرسول – الدكتور مازن مطبقاني ثلاثية السديري

 

نظرة المستشرقين للرسول – الدكتور مازن مطبقاني

ثلاثية السديري

 المقدم :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

في بداية هذا اللقاء، نرحب بالدكتور مازن بن صلاح مطبقاني على حضور هذه الثلاثية - ثلاثية الأمير أحمد بن بندر السديري - والحديث حول هذا الموضوع، وهذا العنوان الذي هو حديث الساعة، حديث الندوات والمؤتمرات والصحف وغير ذلك. حديث اليوم سيكون عن نظرة المستشرقين للرسول صلى الله عليه وسلم: ما هي نظرتهم؟ ماذا يقول هؤلاء المستشرقون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وماذا ينظرون إليه صلى الله عليه وسلم؟ ونربط هذا الحديث وهذا الموضوع بما هو حديث الساعة، ألا وهو الفيلم المسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. هل أشد هذه النظرة نظرة المستشرقين، أم هذا الفيلم الذي علمتم ما حدث في العالم الإسلامي من استنكار وشجب لهذا الفيلم؟ أترك الجواب على هذا السؤال، أيهما أشد؟ لضيفنا أيضاً: ما هو الواجب تجاه هذا الأمر؟ ما هو واجبنا تجاه هذا الأمر؟

وخير من يتحدث عن الاستشراق والمستشرقين من كان متخصصاً وباحثاً فيهم، فالدكتور مازن باحث ومستقل، وأستاذ مشارك في الدراسات الاستشراقية. حصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عند المستشرقين من قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة، وعلى الماجستير من قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة الملك عبد العزيز بجدة. حصل على البكالوريوس في الآداب من قسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز أيضاً. له مؤلفات عديدة، منها: (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية - عبد الحميد بن باديس والزعيم السياسي - الاستشراق المعاصر في منظور الإسلام - الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي، دراسة تطبيقية على المستشرق برنارد لويس - أثر المملكة العربية السعودية الرائد في الدراسات الاستشراقية خلال ربع قرن من عام 1980 إلى عام 2005 - رحلاتي إلى أمريكا - رحلاتي إلى مشرق الشمس – رحلاتي إلى بلاد الإنجليز - رحلاتي إلى بلاد المغرب - وتحت الطبع: من يحكم أمريكا؟ دراسة في التماسك الاجتماعي للطبقات العليا.

أما في الترجمة كتاب في أصول التنصير في الخليج العربي، تأليف خ. كونوي زيقلر، وهي رسالة ماجستير أنجزت في جامعة برينستون - صراع الغرب مع الإسلام، استعراض للعداء التقليدي للإسلام في الغرب - حقيقة الدين في عصرنا. - أما في التحقيق: كتاب نبش الهذيان من تاريخ جورجي زيدان. نشاطات أخرى للدكتور مازن كتابة صحفية لمدة ثماني سنوات، عموداً أسبوعياً بصفحة الرأي بجريدة المدينة المنورة، والمشاركة في عديد من المؤتمرات الإسلامية، والقرن الواحد والعشرين، المؤتمر العالمي لدراسات الاستشراق حول دراسات الشرق الأوسط، المؤتمر الدولي حول الاستشراق والدراسات الإسلامية، المؤتمر السنوي الرابع حول الإعلام والتحولات الاجتماعية في العالم العربي، والمؤتمر العالمي الثالث لدراسات الشرق الأوسط في عام 2011 للميلاد. أخيراً، هو عضو في العديد من الهيئات والمؤسسات العلمية، منها رابطة الأدب الإسلامي العالمية، رابطة دراسات الشرق الأوسط بأمريكا، والجمعية السعودية التاريخية.

 وإليكم كلمة الدكتور مازن:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

أشكر لندوة الأمير أحمد السديري هذه الدعوة الكريمة، لإخراجي مما كنت أقوم به هذه الأيام من ترجمة والانشغال بالترجمات، إلى العودة إلى التخصص الذي اخترته، أو الذي اختارني، أو التخصص الذي اخترعته لنفسي، وإن كان التخصص موجوداً، لكن من الذي ينشط في هذا المجال مع القلة؟ أبرزهم الأستاذ الدكتور علي النملة، فجزى الله هذه الندوة خيراً على دعوتي وإعادتي إلى اهتمامي.

أولاً، أقول كلمة عن الاستشراق: فالذين لا يعرفون هذا المجال المعرفي يستحقون كلمة موجزة. فالاستشراق هو الدراسات التي يقوم فيها علماء من الغرب بدراسة الإسلام من جميع جوانبه. وللدكتور أحمد غراب تعريف طويل يوضح فيه بعض من أهداف الاستشراق، ولكن في التعريف ينبغي أن يكون موجزا. وأضفت إلى التعريف أن كل ما ينتج في الغرب من دراسات وبحوث، وكتابات صحفية، وإنتاج أفلام سينمائية وغير ذلك، وتقارير استخباراتية، وندوات ومؤتمرات، كل ذلك يدخل في عالم الاستشراق. وإنما هناك إضافة في هذا التعريف للدكتور السيد محمد الشاهد، فقد بحث في المعاجم الغربية، قواميس اللغة الألمانية والفرنسية وغيرها، فوجد أن كلمة الاستشراق ليست فقط ما نظن أنه اهتمام بالشرق من ناحية لغته ودينه وعاداته وتقاليده واجتماعه وسياسته واتصاله، ولكن الاستشراق جاء من كلمة ليس من الشرق الجغرافي الفلكي، ولكن من الإشراق والنور والهداية والعلم والمعرفة. فالغرب عندما أراد أن ينهض بعد أن كان في سبات طويل وفي تخلف شديد في قرونه الوسطى، تطلع إلى الشرق، تطلع إلى أن يتعلم وينتفع ويتدرب. وكما يقال: الشرق مقابل الظلام والغرب، فحتى في الجامعات السنة الأولى تسمى (orientation)، يعني تدريباً وتفهماً وتعليماً وتنويراً. فالغرب أيضاً أراد من هذا الاستشراق هو أن يتعلم ويتدرب ويتنور ويأخذ العلم من المسلمين.

الأمر الثاني في هذه المقدمة -إن شاء الله موجزة-: الاستشراق يزعمون دائماً أنه انتهى، ويقولون: ما لكم هذا الاستشراق؟ هل صحيح أن الاستشراق انتهى؟ من خبرتي ومتابعتي للاستشراق، أتيت بأخبار من رئيس رابطة دراسات الشرق الأوسط في أوروبا، الرابطة الغربية لدراسة الشرق الأوسط، واسمه رئيس هذه الرابطة غنتر ماير، وهو أستاذ جغرافيا الشرق الأوسط في جامعة مينز بألمانيا، وهو شخص نشيط. في هذه النشرة التي بين يديّ الآن المؤتمرات التي ستعقد قريباً، والوظائف الجامعية المفتوحة، وفرص الدراسة في الجامعات الغربية. أذكر فقط أسماء بعض المؤتمرات لتعرفوا موضوعات المؤتمرات ومدى اهتمام الغرب بنا: المؤتمر العالمي عن القاهرة المملوكية، معبر السفارات، وورشة عمل للدراسات العليا: مصر في الربيع العربي، تطلعات من الدراسات الاقتصادية والديمقراطية، كلية الاقتصاد سبتمبر 2012 في هذا الشهر. وورشة عمل: إعادة النظر في مسألة التأليف في الآداب الإسلامية، جامعة بيروت، كرسي الدراسات الإسلامية، وعندما أقول بيروت لا أدخل رجال الجامعة الأمريكية، لكن بيروت تُعد من الإسلام. الربيع العربي وجهود الاتحاد الأوروبي في نشر الديمقراطية بين النوايا والاستجابات، اجتماعات البحر المتوسط الرابع عشر، جامعة مرسين في تركيا، وغيرها من المؤتمرات. وهناك وظائف ومنح لطلاب العالم الإسلامي، الجامعات التي تقدم دراسات عن الإسلام والمسلمين لا حصر لها في الغرب. وفي الأيام الأخيرة اتصل بي طالب من جامعة الملك فهد للبترول قسم الدراسات الإسلامية، مطلوب منه أو مفروض عليه أن يذهب إلى أمريكا، وأمريكا بالذات لدراسة أصول الفقه، فتعجبت من كيف يجبر على دراسة أصول الفقه في أمريكا؟ إذا كانت الجامعة تريد منه أن يعرف ما يدرّسون عن أصول الفقه، فهذا لا بأس، أما أن يدرس أصول الفقه فأمرهم مستغرب، لأنه معروف عند العلماء أنه لا يؤخذ العلم الشرعي إلا ممن يوثق بدينه.

هذا عن الاستشراق، ما زال قائماً وقوياً ومستمراً.

 الدراسات الاستشراقية كما قلت تشمل جميع مجالات العلوم الإسلامية، جميع مجالات حياة الإسلام والمسلمين. هناك -قبل أن أتحدث عن الاستشراق وسيرة الاهتمام بالقرآن الكريم- أول اهتمام عند الغربيين أن يعرفوا هذا الكتاب الذي يجمع الأمة الإسلامية، هذا الكتاب أعظم كتاب نزل على النبي وعلى البشرية، فهم يهتمون به: دراسة القرآن، ترجمة القرآن، معاني القرآن، القضايا التي تحدث فيها القرآن. حتى أذكر مرة في جامعة جورج تاون، رئيسة مركز الدراسات العربية المعاصرة واسمها باربروس، لها كتاب (المرأة في القرآن والسنة والتقاليد).

الأمر المهم الآن هو شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين، لا شك أن الاهتمام بالنبي صلى الله عليه وسلم نال مكانة كبيرة، وهناك عشرات الكتب التي ترصد سرداً لما صدر في الغرب من كتابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقبل أن أتحدث في هذا، أذكر أن العقاد في كتابه (الشيوعية) تحدث عن كارل ماركس، وقال: إن أي مبدع أو مذهب أو دين يرتبط بصاحبه، قريش كانت تعرف الرسول صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين، وكانت شخصيته في القمة في كل المجالات. ولما درس الشيوعية ودرس شخصية ماركس، وأنه شخص استغلالي، شخص دنيء، شخص حقير، قال: كيف يمكن أن تكون الشيوعية مذهباً جيداً وهذه سيرة صاحبها؟ فبالمقابل، يعني هل يمكن أن يكون في الدنيا أعظم من هذا الدين، وصاحبه هو الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أمر عجيب!

ولذلك اهتموا بدراسة النبي صلى الله عليه وسلم وكتبوا فيه كثيراً، ومنذ بداية اهتمام الاستشراق في القرن الحادي عشر الميلادي والثاني عشر والقرون الوسطى الأوروبية، ظهرت كتابات غربية تنتقد ما كتبوه. ومن أبرز هؤلاء كتابان: نورمان دانيال، ظهر في الستينيات، (الإسلام والغرب: صناعة الصورة)، وكتاب لريتشارد صدر. لما ينظر الإنسان في هذين الكتابين يتعجب كيف ملأ الغربيون مئات آلاف الصفحات طعناً في النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لا يفلون ولا يملون. وحتى إلى يومنا هذا، من آخر المستشرقين البارزين عند الغربيين برنارد لويس، الذي أعددت رسالتي الدكتوراه حوله، وهنري لامانس، الأب اليسوعي البلجيكي الذي عاش في بيروت، حتى أنه كان في هذه الكتابات من أسوأ من كتب، كما يقول عنه مستشرق آخر هو مكسيم رودنسون. وقد كان هنري لامانز هذا ممتلئاً بالاحتقار الرهيب للإسلام، ولمجده الزائف، ولرسوله الفاسق -حاشاه صلى الله عليه وسلم- الداعر وعربي الصحراء. فهذا المستشرق أمضى حياته كلها في الطعن بالرسول صلى الله عليه وسلم.

والمستشرق الآخر الذي ذكرته، برنارد لويس، الذي يزعمون أنه بدأ حياته موضوعياً وكتب كتابة موضوعية. أذكر أنني قابلت أستاذاً من جامعة النجاح، وقلت له: ماذا تدرّسون في مادة التاريخ؟ قال عندنا كتاب برنارد لويس (العرب في التاريخ)، فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها لا تعمى الأبصار. ثم ظهر لي أن هذا الأستاذ شيوعي يساري منحرف.

فبرنارد لويس في هذا الكتاب، أذكر نقطة واحدة: عندما تحدث عن الموادعة، أو كتابة دستور المدينة كما يسمى، أو الصحيفة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم حين مقدمه بين المسلمين، من الأنصار والمهاجرين، وكل من كان يسكن المدينة. وكانت هناك صحيفة أخرى بينه وبين يهود، وفي السيرة تقول: وادع النبي صلى الله عليه وسلم يهود. و(وادع) في اللغة العربية فاعل، يعني أمر يقتضي أن يكون بين اثنين. لكن برنارد لويس في كتاب (العار في التاريخ) الذي كتب في سنة 1957، يقول: "ويبدو -وهذه من أساليب المستشرقين التشكيك- ويبدو أن هذا الأمر أو الاتفاق، ومعظم اسمه الاتفاق، كان من طرف واحد"، يعني أجبر اليهود على أن يدخلوا في هذا الاتفاق أو في هذا الأمر. فأكاذيبهم كثيرة.

الجوانب التي تناولوا فيها السيرة النبوية الشريفة: شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، أحداث السيرة في العهد المكي والعهد المدني، تفسير أحداث السيرة. والكتابات كثيرة، قبل قليل كنت أطلع على كتاب لباحث من السودان كتب عن ثلاثة مستشرقين، وفي كلية الدعوة في المدينة في قسم الاستشراق كانت هناك رسائل عن المستشرقين وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. وأذكر أيضاً أن الدكتور أكرم ضياء العمري في الجامعة الإسلامية أشرف على طالب أفريقي في الكتابة عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في كتاب إميل درمنحهام الفرنسي حياة محمد صلى الله عليه وسلم. الحديث عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عند المستشرقين طويلة جداً، والكتب كثيرة، من أبرز من كتب: مونتغمري وات، برنارد لويس، فيل هاوزن، وغيرهم كثير، ومارجليوث. الكتابات كثيرة، والخطورة ليست في الكتابات والرد عليها كتاباً كتاباً، كما يقول الأستاذ محمد قطب: لا ينبغي أن نشغل أنفسنا في كل صغيرة وكبيرة فيما كتبه المستشرقون، لأننا لن ننتهي. يعني عندما تنظر أن هناك ستين ألف كتاب أو ستمائة ألف كتاب، وثلاثين ألف مجلة، والمطابع لا تكاد تنتهي، شاهدتم أن هذه فقط مؤتمرات لعدة أشهر عن الإسلام والمسلمين، عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً كثيرة جداً لا تكاد تتوقف.

في مؤتمر في برشلونة، أحد العرب من الجيل الثالث الذين يعيشون في أوروبا، أظن اسمه رضوان، قدم بحثاً عن الإسلام والسياسة، ودرّس في هذا الموضوع علي عبد الرازق، ومصطفى جلال العظم، وفرج فودة، وشخص آخر، ونصر حامد أبو زيد، وحتى كاد يبكي ويتأسف على موت نصر حامد أبو زيد تلك السنة 2011. في آخر مؤتمر في برشلونة الذي يشرف عليه غانتر ماير وطارق إسماعيل والأمير الحسن من الأردن، وهي مؤسسة من المؤسسات التي سأخصها بكلمة إن شاء الله. المهم، هذا الباحث تحدث أنه ليس في القرآن الكريم أي اهتمام بالسياسة، وكل ما ورد في القرآن عن السياسة كلمة (دولة) أو (دُولة) كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم، وأما غير ذلك فلا يوجد كلام في السياسة. فكنت أحضر، فقلت له أشم رائحة الاستشراق، أنت كمن يغطي الشمس بالغربال؟! ماذا تقول عن القرآن الكريم الذي تناول قصة موسى وفرعون في 76 موضعاً، في معظمها في السياقات السياسية؟ ماذا تقول عن القرآن الكريم الذي فيه أن الله عز وجل أمر داود عليه السلام بأن يعدل: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالقسط ولا تتبع الهوى)؟ ماذا تقول عن أداء الأمانات والعدل: (إن الله يأمر بالعدل)، (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)؟ كل هذا وأنت لا ترى أن في الإسلام سياسة؟ وماذا تقول عن الدولة الإسلامية التي امتدت قروناً طويلة تحكم الإسلام؟ فسكت. ثم بعد ذلك كنت في محاضرة، قدمت ورقة بعنوان: (القيادة في وقت الأزمات: النموذج الإسلامي أبو بكر الصديق)، فحضر معي ويبدو أنه تأثر، فسألني: ماذا يمكن أن نفيد من سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ فقلت سبحان الله! قبل الجلسة كنت تطعن في الإسلام وتقول لا يوجد سياسة ولا دولة فيه، والآن تريد أن تتعلم عن سيرة أبي بكر الصديق!

 الحديث لا يمكن أن ينتهي عن كل صغيرة وكبيرة في كتابات المستشرقين، يعني ما تركوا صغيرة ولا كبيرة إلا وتناولوها بالدراسة والتهليل. ولكن يهمنا أنهم عندما يدرسوا شخصية النبي صلى الله عليه وسلم يريدون أن يطعنوا في صاحب الرسالة، فإن هم استطاعوا أن يشوهوا هذه الصورة، استطاعوا أن يشوهوا الإسلام كله، وأنّا لهم ذلك. لن يصلوا إليه.

والمصيبة في الاستشراق ليست فيما يكتبونه لبني جلدتهم، وإنما فيما يصلنا عن طريق أبنائنا الذين يدرسون في الخارج. وهذه قضية كبيرة جداً، يعني عندما نرسل عشرات الألوف ونقول إنهم يدرسون هندسة وطباً وصيدلة في الجامعات الأمريكية، هناك مجال لمواد اختيارية، فبعض الطلاب يذهبون إلى المواد التي تتناول مثلاً السيرة أو الإسلام، ويزعمون أن هذه المادة سهلة، فيفاجؤون بأن الأستاذ الذي يدرّس هذه المادة منحرف أخلاقياً، منحرف عقدياً، منحرف فكرياً، شاد ويطعن في الإسلام. والطالب الغريب في الجامعات الغربية يرى أستاذه عتل طويل عريض، صاحب علم غزير، ويتكلم بطلاقة في لغته، بالطبيعة الحال فالطالب يتأثر. يعني لو تركت نكتة صغيرة في نفس الطالب. أذكر أن أستاذاً كبيراً في التاريخ في جامعة الملك سعود درس في بريطانيا، وله رأي، أو واحد من آرائه التي لا يستطيع أن ينشرها في مؤتمرات، قال: ألا ترى أن العقوبة التي أوقعها الرسول صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، بقتل كل من نبتت شعرة عانته -يعني كل من بلغ الحلم- أليس هذا حكماً قاسياً؟ قلت: يا دكتور، هذا أمر غريب، إما إيمان أو لا إيمان، هذا حكم الله عز وجل من فوق سبع سماوات، كيف ترى أنه قاسٍ؟ ولو طبقت هذا الحكم ورجعت إلى كتب القوم، تجد أن أحكامهم أشد قسوة، وهم قد استكبروا الخير عما هم عليه. هذا طالب تأثر بأستاذه، والتأثر من أساتذة غربيين لا أول له ولا آخر. المسألة أن التأثر هذا وصل منهم إلى أن أصبح الباحثون العرب والمسلمون أدوات في أيدي الغربيين. أذكر من هؤلاء أحدهم في جامعة إكستر في بريطانيا، وهي جامعة يتبرع لها الدكتور سلطان القاسمي، كان فيها الدكتور محمد عبد الحي شعبان، وله كتاب اسمه (تفسير جديد للتاريخ الإسلامي). والغربيون عندما يقعون على شخصية من هذا النوع يهتمون به، طبعت كتبه أكثر وكامبردج وربما شيكاغو أو برينستون أو غيره، ودرس في جامعات غربية كثيرة. وكتابه في (تفسير جديد للتاريخ) يقول عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: عندما أرسل الجيوش للفتوحات الإسلامية، يبدو أن أبا بكر الصديق أراد أن يشغل العرب بالحروب والغنائم، لأنها صنعة الحرب، والحرب تهمه ويحبونها. وبدأ يطعن في التاريخ الإسلامي. فينتشر هذا الكتاب في العالم الغربي ثم يترجم إلى العالم العربي، ودرس على يديه مئات الطلاب من العرب والمسلمين، وحتى بعضهم هنا في المملكة يقولون: هذا الأستاذ كان شخصية جميلة رائعة، لكن ما يقولون إنه كان منحرفاً عقدياً، كان محبوباً عند الغربيين.

هذا الفيلم الذي ظهر في الغرب هذه الأيام، ليس هو الأول ولن يكون الأخير، ولا يزالون يقاتلونكم يرضونكم بأفواههم. هم من يفتعل مثل هذه الأفلام، لكنها ليست الشيء الوحيد الذي يفعله الغرب. كما قلت، نحن مصيبتنا في أن أبنائنا لدينا، وأننا نفرض على أبنائنا في العلوم الشرعية واللغة العربية أن يدرسوا في الجامعات الغربية. مئات وعشرات من التنظير الذي يوجد في الإعلام العربي، لو إنسان راجع الأفلام التي تبث في العالم العربي من أفلام مصرية أو غير مصرية، وما فيها من طعن في الإسلام. حتى أذكر قبل سنتين أو ثلاثة كنت في ضيف لقاء مع الدكتور فهد السنيدي: (محاربة الإسلام تحت شعار محاربة الإرهاب). فيعني الخطورة ليست فقط من المستشرقين، ولكن من تلاميذهم.

أما كيف نواجه الغرب، فهي قضية كبيرة. أنا اطلعت هناك مئات الآلاف من المطبوعات والمؤتمرات والندوات والقنوات التلفزيونية والبرامج التي تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة سيرته وحياته، هذا جميل ومطلوب. لكن المطلوب قبل ذلك: كيف نتمثل هذه السيرة في حياتنا؟ كيف نقيم العدل في بلادنا؟ كيف نقيم الإنصاف؟ كيف نكون الرحماء فيما بيننا، كما وصفنا الله عز وجل؟ هذا هو الدرس العظيم الذي يمكن أن يجعل العالم يدرك عظمة هذا النبي صلى الله عليه وسلم. عندما ننظر إلى كيف انتشر الإسلام في جنوب شرق آسيا مع التجار المسلمين والدعاة المسلمين، لم يذهب لا جندي ولا جيش ولا غازٍ، وإنما مئات الأفراد الذين جابوا الدنيا، قدموا نموذجاً عظيماً من الرحمة والعدل والصدق في حياتهم، فجذبوا الناس للإسلام. إذا أردنا أن نرد على الفلم رداً حقيقياً، لابد أن نعرف كيف نطبق سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياتنا. أنا لا أعتقد أن أي شيء قبل هذا. نبارك للذين قدموا جهودهم في الكتابات، ولا شك أنها مفيدة.

أذكر أن إحدى الكنائس في أمريكا كانت توزع المجلة اسمها (الحقيقة الصريحة) في الشوارع، لا شك أن هذا مطلوب، لكن مطلوب أيضاً أن نعيش هذه السيرة، أن نعيش كما عاش النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة للبشرية، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فبالتالي يجب أن نكون نحن رحمة للعالمين.

أما ما يحدث من انفعالات، فأنا لا أسمح لنفسي أن أحلل، لكن يعني قد تكون احتقانات داخلية. لا أشك في عواطف الناس، لكن ما فائدة من العنف والتكسير والتدمير والحرب والممتلكات؟ ما الفائدة من هذا؟ الأمر الثاني: نريد أن يعرف العالم الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا ننتج مجموعة منها تعرف اللغات الغربية وتعرف العقلية الغربية، وتقتحم عليهم جامعاتهم؟ عندما تنظر إلى الجامعات الغربية، وعدد الأساتذة العرب والمسلمين فيها، هم لا يختارون عادةً إلا من كانوا منحرفين ضالين فاسقين على شاكلتهم، كلٌ يعمل على شكله. لكن قد يُشذ أن يوجد مسلمون صادقون في الجامعة الغربية، وأنا أعرف واحد اسمه خالد، يذكر أن بعض رؤساء الغربيين يقدمون الإسلام بطريقة صحيحة وسليمة. ذكروا أن أستاذة في جامعة بنسلفانيا، كأنها تخفي إسلامها خوفاً على وظيفتها ومكانتها في الجامعة، وتقول كلاماً جميلاً عن الإسلام. يوجد، لكن ينبغي أن نكثف هذا الجهد. عندما ننظر أن هناك مئات المؤتمرات أو آلافها، والمؤتمر ليس تسلية ولا رفاهية ولا سياحة، إن المؤتمر يحضره كبار العلماء من الغربيين وكبار الأساتذة، وقد رأيت الأساتذة الأوروبيين يحرصون عليها حتى بعد أن يبلغ الواحد منهم السبعين، يذهب ويلتقط بعض الشباب الصغار السن، ويبدأ في بث أفكاره ورؤاه وحتى طموحاته في الميدان العلمي. ثم الأساتذة الذين ما زالوا يعملون، عندما يبلغونه شيء عن إسلام جميل ويتأثر به، سينقله إلى طلابه. فإذاً نحن بحاجة إلى أن نحضر أو أن نثبت وجودنا في هذه المؤتمرات والندوات والجامعات.

ثم ظهرت موجة قبل سنوات وهي إنشاء كراسي الدراسات العربية والإسلامية، هل اخترنا لها أشخاصاً مناسبين؟ يعني عندما يستعمل الإنسان هذه الكراسي، ورحم الله الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي، قال: إنهم لن يسمحوا لنا أن نتدخل في المناهج، وسُنحارب حرباً شعواء. وهذه الكراسي عبارة عن أموال من المسلمين يأخذها من لا يستحقها.

 وأذكر أنني زرت جامعة جورج تاون، وفيها كرسي باسم شخصية كبيرة سعودية، ونظرت في من يقوم بالعمل في هذه الجامعة، ما وجدت مسلماً صادق الإسلام في هذه الجامعة، بل الذي يتولى هذا الكرسي أو هذا المركز نصراني، يسوعي، كاثوليكي، اسمه جون اسبوزيتو كن هل يمكن أن يكون كاثوليكياً معتدلاً في حديثه عن الإسلام؟ يعني كما قال الله عز وجل: (يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ). وقد سألت بعض المسلمين الأمريكان، عندما أراد جون اسبوزيتو أن يكون في رابطة التعليم الإسلامي في أمريكا، فرفضوا أن يقبلوه لأنه غير مسلم، وهو يريد أن يكون هو المتحدث باسم الإسلام.

المهم الرد على هذا الفيلم والرد عن الافتراءات الغربية، أن نكثّف الكتابة العلمية، وأن نترجمها. هل ترجمنا كتاب محمد صالح عرجون في السيرة؟ هل ترجمنا كتاب محمد أبو شهبة؟ هل ترجمنا كتاب مصطفى السباعي رحمه الله الصغير في السيرة: (السيرة دروس وعبر)؟ عندنا مئات الكتب أو آلاف الكتب الرائعة، أو الشفاء للقاضي عياض، وهو كتاب رائع، وغير ذلك. نحن بحاجة إلى أن نوصل هذه الرسالة إلى الجامعات الغربية، أن نقتحم عليهم معاقلهم. وقد قدمت إلى الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام مشروع تدريب عدد من الطلاب العرب والمسلمين، طلاب الماجستير والدكتوراه، على أن يتعلموا كيف يحضروا المؤتمرات، كيف يناقشوا الغربيين، كيف يقدموا الموضوعات بحرية وحساسة. وأكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...