مشروع الدكتور مازن مطبقاني في ضوء الدواليبي وأبو خليل قراءة في التكامل والتميز بقلم الدكتور محمد سعيد أركي
تمهيد
في عام 2001، صدر
كتاب "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر" للدكتور مازن بن صلاح مطبقاني.
-حفظه الله تعالى - لم يكن هذا الكتاب مجرد إضافة إلى المكتبة العربية، بل كان
بمثابة خريطة معركة، أو كما يمكن تسميته: كتيب استخباراتي مكشوف لمن يريد أن يفهم
كيف يعمل العدو الفكري للأمة الإسلامية في عقر داره.
مطبقاني لم يكتب هذا
الكتاب من برج أكاديمي بعيد، بل عاش التجربة بنفسه. سافر إلى أمريكا، وعاش في
جامعة برنستون، وحضر المحاضرات، وقابل الأساتذة، وتنفس أجواء الاستشراق عن قرب.
هذا المزج بين المشاهدة الميدانية والتحليل النقدي هو ما يميز كتابه عن غيره من
الكتابات التي اكتفت بالقراءة عن الغرب دون الاحتكاك به.
لكن مطبقاني لم يكن
وحيداً في هذه المعركة. قبله، كان الدكتور محمد معروف الدواليبي - رحمه الله تعالى
- قد خاض حوارات تاريخية مع الفاتيكان والمجلس الأوروبي، وقدم الإسلام في قالب
قانوني وفكري يفهمه الغرب ويحترمه. وبعده، كان الدكتور شوقي أبو خليل -رحمه الله
تعالى - يقرأ نصوص المستشرقين قراءة ناقدة، ويفنّد شبهاتهم واحدة تلو الأخرى في
سلسلته الشهيرة "في الميزان".
ثلاثة رجال، ثلاثة
عقود، ثلاث أدوات، لكنهم كانوا يخوضون معركة واحدة: معركة تحرير العقل العربي
والإسلامي من سطوة الخطاب الاستشراقي، وتقديم رؤية بديلة واثقة عن الإسلام وتاريخه
وحضارته.
هذه القراءة تحاول
أن تضع المشاريع الثلاثة في الميزان، ليس لترجيح واحد على الآخر، بل لفهم كيف
يتكاملون، وأين يلتقون، وأين يفترقون، وماذا يمكن أن نتعلم من كل منهم في زمن
تتصاعد فيه الهجمات على الإسلام باسم "العلم" و"الموضوعية"
و"حقوق الإنسان".
أولاً: مطبقاني.. المخطط الاستراتيجي والمؤسسي
قبل أن يكون مطبقاني
باحثاً أكاديمياً، كان رجل استخبارات ميدانية بالمعنى الفكري. لم يكتفِ بقراءة كتب
المستشرقين في مكتبته، بل سافر إلى أمريكا وبريطانيا، وعاش في جامعة برنستون لمدة
شهر، وحضر المحاضرات، وقابل الأساتذة، وتنفس أجواءهم، ورأى بعينه كيف تُصنع المعرفة
المشوهة عن الإسلام.
هذا
الاختلاف في المنهج هو ما يميز مطبقاني عن غيره. فهو لم يكن مجرد قارئ ناقد، بل
كان شاهداً على ما يحدث. وفي كتابه "بحوث في الاستشراق الأمريكي
المعاصر"، يقدّم للقارئ العربي ما يشبه "خرائط المعركة": من يمول،
ومن يدير، ومن يقرر، وكيف تُستخدم المعرفة الأكاديمية كسلاح في السياسة الخارجية.
كشف
مطبقاني عن:
·
تمويل الحكومة الأمريكية لمراكز الدراسات الشرق
أوسطية من خلال مراسيم الدفاع الوطني.
·
دعوة الأساتذة لتقديم شهاداتهم للكونغرس والمخابرات
المركزية.
·
استخدام الطلاب العرب والمسلمين كجهاز معلومات.
·
استقطاب الأساتذة العرب المتغربين لتقديم روايات
مشوهة عن الإسلام.
·
المكارثية الجديدة بعد 11 سبتمبر، التي استهدفت كبت
الحرية الأكاديمية وإجبار الأساتذة على تبني وجهة النظر الحكومية.
لكن مطبقاني لم يقف
عند حد الكشف، بل انتهى إلى دعوة صريحة ومنهجية لإنشاء "دراسات
استغرابية" في الجامعات الإسلامية. دعوة تجاوزت فيها مرحلة الدفاع إلى مرحلة
البناء، ومرحلة الرد إلى مرحلة المبادرة.
في إحياء التراث النقدي، حقق مطبقاني كتاب
"نبش الهذيان من تاريخ جرجي زيدان" للشيخ أمين الحلواني، ليؤكد أن نقد
الاستشراق ليس وليد العصر الحديث، بل له جذور ضاربة في التراث الإسلامي. الشيخ
الحلواني، الذي كتب رسالته في الهند عام 1307هـ، كان يصحح أخطاء جرجي زيدان
اللغوية والتاريخية بدقة المحدث، ويفضح اعتماده على مصادر مشبوهة. بإعادة إحياء
هذا الصوت، كان مطبقاني يقول: نحن نملك تراثاً نقدياً غنياً، ولسنا بحاجة إلى استيراد
أدوات النقد من الغرب.
في
تقديم النماذج الإصلاحية، كتب مطبقاني عن
"عبد الحميد بن باديس: العالم الرباني والزعيم السياسي"، مقدماً نموذجاً
عملياً للإصلاح الإسلامي في مواجهة الاستعمار. اعتمد على وثائق الأرشيف الفرنسي
والمقابلات الشخصية، ليقدّم صورة متكاملة عن رجل جمع بين العلم والسياسة والدعوة
والتنظيم. واستخلص دروساً عملية: بناء الإنسان قبل الدولة، التدرج في العمل،
استغلال ثغرات القانون، الجمع بين التربية والصحافة والسياسة.
في
مواجهة التحديات الاجتماعية، كتب "صور من
حياة المرأة في الغرب"، ليُحذّر المرأة المسلمة من الانخداع بالصورة
الإعلامية البراقة، ويُقدّم البديل الإسلامي كحل عملي. اعتمد على قصص صحفية
واقعية، وعلى شهادات نساء غربيات اخترن العودة إلى البيت، وعلى اعترافات مفكرين
غربيين كفوكوياما بأن تحرر المرأة كان سبباً في انهيار النظام الاجتماعي الغربي.
وهكذا،
جمع مطبقاني في مشروعه بين كشف الآلية، وتأصيل التراث النقدي، وتقديم النماذج
الإصلاحية، وتحصين المجتمع، في منظومة متكاملة لم يسبقه إليها أحد.
ثانياً: الدواليبي.. القائد الميداني والحواري
إذا كان مطبقاني هو
المخطط الاستراتيجي الذي يضع خريطة المعركة، فإن الدكتور محمد معروف الدواليبي هو
القائد في الميدان الذي يخوض المعركة فعلاً.
ففي الوقت الذي كان
مطبقاني يكتب عن الاستشراق الأمريكي من جامعة برنستون، كان الدواليبي يجلس مع كبار
رجال الفاتيكان والمجلس الأوروبي ومجلس الكنائس العالمي، يحاورهم بلغة القانون
والفقه، ويقدّم لهم الإسلام كحل متكامل لأزماتهم. لم يقرأ الدواليبي القانون الروماني
فقط، بل درّسه في كلية الحقوق بدمشق. لم يحاور الغرب من خلف جدار، بل عاش في
داخله، وتعلم لغته، وفهم عقليته.
هذا التكوين الفريد
جعل كتاباته مختلفة. ففي كتابه "المرأة في
الإسلام"، لم يبدأ بالآيات القرآنية مباشرة، بل بدأ بعرض أوضاع المرأة
في الحضارات القديمة: الهندية، واليونانية، والرومانية، والجاهلية. ثم عرض
"ثورة الإسلام" على هذا الواقع البائس. هذا المنهج التاريخي المقارن كان
رسالة مبطنة للغرب: نحن لا ندافع عن الإسلام دفاع المتهم، بل نعرضه كحل لأزماتكم.
وفي
كتابه "الدولة والسلطة في الإسلام"، لم
يرد على المستشرقين بالعواطف، بل بالمنطق القانوني. حلّل صحيفة المدينة كأول دستور
مكتوب في تاريخ البشرية، وفنّد ادعاءات ويليام زارتمان ومكسيم رودنسون بأن الإسلام
يفتقر إلى فكرة الدولة، وأثبت أن الدولة الإسلامية ليست ثيوقراطية، وأن مصدر
السلطة فيها هو الأمة عبر البيعة.
أما
في قضية المصارف، فقد كان الدواليبي جريئاً إلى
درجة مدهشة. في مؤتمر باريس عام 1951، اقترح تكييف المعاملات المصرفية على عقود
المضاربة بدلاً من القروض الربوية، متجاوزاً الفتاوى الجامدة التي توقف الحياة.
هذه الجرأة لم تأتِ من فراغ، بل من خبرته كوزير للاقتصاد، ومن إيمانه بأن الشريعة
جاءت لتحقيق مصالح العباد، وليس لمجرد الأحكام النظرية.
والدواليبي،
مثل غيره، كان يمتلك انتماءً قوياً وواعياً للهوية الإسلامية. لم يخاطب الغرب من
موقع الدونية أو الاستجداء، بل من موقع الندية والثقة. كان يرى الإسلام ليس مجرد
دين للعبادات، بل نظاماً متكاملاً للحياة يصلح لكل زمان ومكان. وهذا الاعتزاز هو
ما جعله يرد على المستشرقين في أطروحته للدكتوراه، ويواجههم بالحجة في ندوات
الفاتيكان، ويقدّم الإسلام كحل لأزماتهم.
وهكذا، كان
الدواليبي نموذجاً متألقاً للمفكر المسلم العالمي، الذي جمع بين الفقه والقانون
والدبلوماسية، وقدم الإسلام كحل لأزمات الغرب قبل أن يقدمه دفاعاً عن نفسه.
العلاقة بين مطبقاني والدواليبي هنا
واضحة: مطبقاني يضع الإطار النظري والاستراتيجي، والدواليبي يطبقه عملياً في
الميدان. مطبقاني يكشف كيف يعمل الاستشراق، والدواليبي يخوض حواراً معه وينتصر
عليه. مطبقاني يدعو إلى إنشاء دراسات استغرابية، والدواليبي يقدّم نموذجاً عملياً
للمفكر المسلم العالمي القادر على مخاطبة الغرب بلغته.
ثالثاً: أبو خليل.. المحقق التفنيدي والنصي
إذا كان مطبقاني هو
المخطط الاستراتيجي، والدواليبي هو القائد في الميدان، فإن الدكتور شوقي أبو خليل
هو المحقق الجنائي الذي يفكّك النصوص ويكشف زيفها.
ففي الوقت الذي كان
مطبقاني يكتب عن مؤسسات الاستشراق، والدواليبي يحاور رجاله، كان أبو خليل يجلس مع
نصوصهم، يقرأها قراءة ناقدة، ويفنّد شبهاتها واحدة تلو الأخرى. في سلسلته "في الميزان"، قرأ كتب كارل
بروكلمان وفيليب حتّي وغوستاف لوبون وجرجي زيدان، وبيّن اعتمادهم على مصادر
مشبوهة، وسوء فهمهم للسياقات التاريخية، وإسقاطهم لعيوبهم على الإسلام.
أبو
خليل لم يكن باحثاً مستقلاً فقط، بل كان أكاديمياً مؤسسياً أيضاً. كان محاضراً في
جامعة دمشق، ومحاضراً في جمعية الفتح الإسلامي، ورئيساً لشعبة التاريخ والحضارة.
هذا الموقع الأكاديمي منحه منبراً لنشر أفكاره، وأتاح له فرصة التفاعل مع الأجيال
الشابة من الباحثين والطلاب.
لكن أبرز ما يميز
مشروع أبو خليل هو نظريته في "الإسقاط". عرّف الإسقاط بأنه إلصاق عيوب
الآخر به، أو تفسير سلوك الآخر بناءً على دوافع ومفاهيم نابعة من الذات المُسقِطة.
وقد استعرض في كتابه "الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين" عشرين
إسقاطاً شائعاً، من ادعاء أن الإسلام بدعة نصرانية، إلى أنه انتشر بالسيف، إلى أنه
عدو العلم والمرأة، إلى أنه دين للعرب فقط. وفنّدها جميعاً بالأدلة العقلية
والتاريخية واللغوية.
ولم يقتصر نقد أبو
خليل على المستشرقين الغربيين، بل امتد إلى المفكرين العرب الذين تأثروا بالخطاب
الاستشراقي، وأبرزهم جرجي زيدان. كشف كيف اعتمد زيدان على مصادر غير موثوقة، وكيف
مزج الخيال بالواقع، وكيف تعمّد تشويه صورة النبي والصحابة والخلفاء والقادة
الفاتحين. والأهم، كشف كيف استُثمرت روايات زيدان من قبل الحركة الطورانية التركية
لتكريس العداء تجاه العرب.
إلى جانب مشروعه
النقدي، كان لأبو خليل مشروع إصلاحي داخلي واضح. في كتابه "من ضيّع
القرآن؟"، طرح إشكالية مركزية: الأمة لم تتراجع بسبب هجمات خارجية فقط، بل
لأنها ضيّعت القرآن، ليس ضياعاً مادياً بل ضياع عمل وتفعيل ومرجعية. نقد الجمود
الفقهي، والتصوف المفرط، والتقليد الأعمى، ودعا إلى إصلاح قائم على العودة إلى
القرآن والاجتهاد.
وأبو
خليل، مثل أخويه، كان انتماؤه للهوية الإسلامية هو المحرك الأساسي لمشروعه النقدي.
هو لم يكتب ليفنّد شبهات المستشرقين من منطلق أكاديمي بارد، بل من منطلق غيرة على
الإسلام وتاريخه ونبيه. هذه الغيرة هي التي جعلته يتحمل عناء قراءة مئات الصفحات
من كتب بروكلمان وحتّي ولوبون، ليستخرج أخطاءهم واحدة تلو الأخرى. وهي التي جعلته
يكتب بكل هذه الحدة والجرأة، لأنه كان يرى في تشويهاتهم اعتداءً على هويته وهوية
أمته.
وهكذا،
كان أبو خليل المحقق الناقد الذي فكّك نصوص المستشرقين، وكشف تحيزاتها، وأسس
لنظرية نقدية متكاملة، مع مشروع إصلاحي داخلي لا يقل أهمية عن نقده للغرب.
العلاقة بين مطبقاني وأبو خليل واضحة أيضاً:
مطبقاني يكشف الآلية المؤسسية للاستشراق، وأبو خليل يكشف الآلية النصيّة. مطبقاني
يفضح المخططات الكبرى، وأبو خليل يفضح الأخطاء الجزئية. مطبقاني يدعو إلى مشروع
استغرابي، وأبو خليل يقدّم أداة تفنيدية حادة.
رابعاً: كشف التعمد في التشويه: القاسم المشترك الأعمق
من
أبرز ما يجمع المفكرين الثلاثة، بعد انتمائهم القوي للهوية الإسلامية، هو كشفهم أن
تشويه الاستشراق للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لم يكن مجرد أخطاء علمية أو
سوء فهم، بل كان متعمداً وممنهجاً ومرتبطاً بأسباب متعددة.
الدواليبي: كشف التحيز من خلال المقارنة القانونية والتاريخية فهو لم يقل أن
المستشرقين كانوا يخطئون فقط، بل كشف أن أخطاءهم كانت متكررة ومنسجمة مع رواية
معادية للإسلام. في أطروحته للدكتوراه، بيّن كيف أن المستشرقين كانوا يقدّمون
الفقه الإسلامي كقانون جامد غير قابل للتطور، متجاهلين مبدأ الاجتهاد الذي هو روح
الفقه الإسلامي. وهذا التجاهل لم يكن صدفة، بل كان مقصوداً لإثبات أن الإسلام لا
يصلح للحياة الحديثة.
وفي
كتابه "الدولة والسلطة في الإسلام"، كشف كيف أن المستشرقين مثل ويليام
زارتمان ومكسيم رودنسون كانوا يتعمّدون نفي وجود فكرة الدولة في الإسلام، أو وصفها
بأنها "ثيوقراطية"، مع أن الأدلة التاريخية (كصحيفة المدينة) تثبت عكس
ذلك. هذا التشويه كان يهدف إلى نزع الشرعية السياسية عن الإسلام، وإثبات أنه لا
يصلح للحكم.
الدواليبي
أيضاً كشف الأسباب السياسية وراء هذا التشويه، مشيراً إلى أن الكثير من المستشرقين
كانوا يخدمون المشروع الاستعماري، وكانت كتاباتهم تُستخدم لتبرير الاحتلال
والسيطرة على الشعوب الإسلامية.
أبو خليل: كشف التحيز من خلال تفنيد النصوص
فكان
الأكثر تفصيلاً في كشف تعمد التشويه. في سلسلته "في الميزان"، لم يكتفِ
بعرض أخطاء المستشرقين، بل كشف كيف كانت هذه الأخطاء ممنهجة وموجهة نحو تشويه
الإسلام.
·
بروكلمان مثلاً، وصف الغزو الفرنسي للجزائر بأنه
"فتح"، بينما وصف جهاد الأمير عبد القادر بأنه "تعصب ديني".
هذا الانزياح والانحياز المصطلحي لم يكن صدفة، بل كان انحيازاً صريحاً للرواية
الاستعمارية.
·
فيليب حتي اتهم الإسلام بأنه "دين مضطرب"
وأن الفتوحات الإسلامية كانت "غزوات تخريبية"، مع أنه كان يعرف الحقائق
التاريخية جيداً. أبو خليل كشف أن حتّي كان يكتب من منطلق تحيز قومي (لبناني
مسيحي) وأيديولوجي (غربي)، وكان يتعمّد تجاهل المصادر الإسلامية الأصيلة والاعتماد
على مصادر مشبوهة.
· غوستاف
لوبون ادّعى أن الإسلام انتشر بالسيف، وأنه دين عنيف، مع أن الأدلة التاريخية تثبت
أن الإسلام كان أكثر تسامحاً من المسيحية في العصور الوسطى. أبو خليل كشف أن لوبون
كان يكتب تحت تأثير النزعة الاستعمارية والعقلية الأوروبية العنصرية.
أبو
خليل أيضاً كشف الأسباب النفسية وراء هذا التشويه، من خلال نظريته في
"الإسقاط"، حيث بيّن أن المستشرقين كانوا يسقطون عيوب مجتمعاتهم
(كالعنف، والتعصب، والاستغلال) على الإسلام، في محاولة لتبرئة أنفسهم وإلقاء اللوم
على الآخر.
مطبقاني: كشف التحيز من خلال تحليل المؤسسات
فقد
أضاف بُعداً جديداً لم يكن حاضراً في مشروعي الدواليبي وأبو خليل: كشف الآلية
المؤسسية وراء تشويه الاستشراق. في كتابه "بحوث في
الاستشراق الأمريكي المعاصر"، كشف أن تشويه الاستشراق لم يكن مجرد أخطاء
فردية، بل كان مخططاً له ومنظماً عبر مؤسسات أكاديمية وحكومية.
مطبقاني
أيضاً كشف الأسباب السياسية والاقتصادية وراء هذا التشويه، مشيراً إلى أن
الاستشراق كان يُستخدم كأداة للهيمنة والسيطرة، وأن تشويه الإسلام كان يهدف إلى
تبرير العدوان على العالم الإسلامي ونهب ثرواته.
الأسباب
المختلفة وراء التعمد في التشويه
من
خلال مشاريعهم الثلاثة، يمكننا استخلاص الأسباب المختلفة التي دفعت المستشرقين إلى
تشويه التاريخ الإسلامي عن قصد:
.1 الأسباب الدينية: استمرار الروح
الصليبية في الغرب، والنظرة العدائية للإسلام كدين منافس للمسيحية. هذا ظهر واضحاً
في كتابات بروكلمان وفيليب حتي، وفي ادعاءاتهم بأن الإسلام "بدعة
نصرانية" أو "مقتبس من اليهودية".
.2 الأسباب السياسية:
خدمة المشروع الاستعماري، وتبرير احتلال الشعوب الإسلامية. المستشرقون كانوا
يقدّمون الإسلام كدين متخلف لا يصلح للحكم، لتبرير السيطرة الغربية على البلاد
الإسلامية.
.3الأسباب النفسية:
الإسقاط النفسي، حيث يسقط الغربيون عيوبهم على الإسلام. هذا ما كشفته نظرية أبو
خليل في "الإسقاط".
.4الأسباب الاقتصادية:
تبرير نهب ثروات العالم الإسلامي. الاستشراق كان يُستخدم لتقديم صورة عن الشعوب
الإسلامية بأنهم "غير قادرين على إدارة أنفسهم"، مما يبرر السيطرة
الغربية على مواردهم.
.5الأسباب المؤسسية:
تمويل مراكز الدراسات الشرقية من قبل الحكومات الغربية، مما يوجّه البحث العلمي
لخدمة أهداف سياسية.
لماذا
كان هذا الكشف مهماً؟
كشف
المفكرون الثلاثة أن تشويه الاستشراق كان متعمداً، وهذا الكشف كان مهماً لعدة
أسباب:
.1 تحرير العقل العربي:
عندما يدرك القارئ العربي أن ما يقرؤه عن الإسلام في المصادر الغربية ليس
"علماً موضوعياً" بل هو تشويه متعمد، يتحرر من عقدة الدونية ويستعيد
ثقته في تراثه.
.2 فضح ادعاءات الحياد:
المستشرقون كانوا يدّعون الحياد العلمي والموضوعية، لكن كشف تعمد تشويههم فضح هذه
الادعاءات.
.3 تأسيس رواية بديلة:
عندما يثبت المفكرون أن الرواية الغربية عن الإسلام مشوهة، يفتحون الباب لتقديم
رواية إسلامية بديلة، تستند إلى المصادر الأصيلة والمنهج العلمي.
.4تحصين الأمة:
عندما يعرف المسلمون أن هناك من يتعمد تشويه تاريخهم ودينهم، يصبحون أكثر وعياً
وأكثر قدرة على مواجهة هذه الحملات.
خامساً: التدرج الزمني.. تراكم المعرفة واستمرار المشروع
لا يمكن فهم المشاريع
الثلاثة بمعزل عن سياقها الزمني، فالفارق الزمني بينها لم يكن مجرد فارق سنوات، بل
كان فارقاً في مراحل تطور الوعي الإسلامي المعاصر، وفي توفر الأدوات المعرفية، وفي
طبيعة التحديات التي واجهتها الأمة. لكن هناك فارقاً آخر أكثر أهمية: استمرارية
المشروع.
الدواليبي كان الرائد والمؤسس.
بدأ مشروعه في أربعينيات القرن العشرين، وخاض حواراته مع الفاتيكان والمجلس
الأوروبي في الخمسينيات والستينيات، واستمر في الكتابة حتى وفاته عام 2004. مشروعه
اكتمل بانتهاء حياته، لكنه ترك إرثاً ضخماً يحتاج إلى من يكمله.
أبو خليل جاء في مرحلة النضج النقدي. كتب معظم أعماله في
السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، واستمر في العطاء حتى وفاته عام 2010.
مشروعه أيضاً اكتمل بانتهاء حياته، لكنه ترك سلسلة "في الميزان" كأداة
نقدية متكاملة.
أما مطبقاني، فهو يختلف عنهما. فهو لا يزال حياً، ولا يزال يكتب،
ولا يزال يتابع تطورات الاستشراق وأشكاله الجديدة. مشروعه
لم ينتهِ بعد، بل هو مستمر ومتطور. وهذا يمنح أعماله راهنية خاصة، ويجعل قراءتها
أكثر إثارة، لأنها ليست مجرد وثائق تاريخية، بل هي جزء من معركة حية لا تزال
مستمرة.
هذا
التدرج الزمني لم يكن مجرد تطور تقني في الأدوات، بل كان انعكاساً لتطور الوعي
الإسلامي نفسه. ففي زمن الدواليبي، كانت الأولوية لبناء الجسور وتقديم الإسلام
كحل. وفي زمن أبو خليل، كانت الأولوية لتفنيد التشويهات وتحصين الوعي. وفي زمن
مطبقاني، أصبحت الأولوية لكشف الآليات وتفكيك المؤسسات.
والآن،
مع استمرار مطبقاني في الكتابة، ربما تكون الأولوية الجديدة هي مواجهة الاستشراق
الرقمي والإعلامي والإسلاموفوبيا المصنعة، بأدوات جديدة تتناسب مع العصر الرقمي.
سادساً: الانتماء للهوية الإسلامية
رغم اختلاف مناهجهم
وأدواتهم وزمانهم، فإن المفكرين الثلاثة يشتركون في سمة جوهرية واحدة: الانتماء
القوي والواعي للهوية الإسلامية. وهذا الانتماء ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو مرتكز
منهجي، ومحرك علمي، ومصدر ثقة في مواجهة الغرب.
الدواليبي كان يعتز
بإسلامه اعتزازاً يظهر في كل كتاباته وحواراته. لم يخاطب الغرب من موقع الدونية أو
الاستجداء، بل من موقع الندية والثقة. كان يرى الإسلام ليس مجرد دين للعبادات، بل
نظاماً متكاملاً للحياة يصلح لكل زمان ومكان. وهذا الاعتزاز هو ما جعله يرد على
المستشرقين في أطروحته للدكتوراه، ويواجههم بالحجة في ندوات الفاتيكان، ويقدّم
الإسلام كحل لأزماتهم.
أبو
خليل كان انتماؤه للهوية الإسلامية هو المحرك الأساسي لمشروعه النقدي. هو لم يكتب
ليفنّد شبهات المستشرقين من منطلق أكاديمي بارد، بل من منطلق غيرة على الإسلام
وتاريخه ونبيه. هذه الغيرة هي التي جعلته يتحمل عناء قراءة مئات الصفحات من كتب
بروكلمان وحتّي ولوبون، ليستخرج أخطاءهم واحدة تلو الأخرى. وهي التي جعلته يكتب
بكل هذه الحدة والجرأة، لأنه كان يرى في تشويهاتهم اعتداءً على هويته وهوية أمته.
مطبقاني
كان انتماؤه للهوية الإسلامية هو البوصلة التي وجهت مشروعه بأكمله. هو لم يدرس
الاستشراق من منطلق فضول أكاديمي، بل من منطلق واجب ديني ووطني لفضح أعداء الإسلام
وحماية الأمة من مخططاتهم. هذا الانتماء هو ما جعله يعيش في جامعة برنستون شهراً
كاملاً، ويتنفس أجواء الاستشراق، ويحلل آلياته، ويكتب عنه بكل هذا العمق. وهو ما
جعله يحقق كتاب الحلواني، ويكتب عن ابن باديس، ويحذر المرأة المسلمة من الانخداع
بالصورة الغربية.
هذا
الانتماء القوي للهوية الإسلامية، الذي جمعهم، هو ما جعل مشاريعهم مختلفة عن غيرها
من الكتابات الأكاديمية التي تتعامل مع الإسلام كموضوع دراسة بارد. لقد كانوا
يكتبون من داخل الإسلام، ومن أجله، وليس عنه فقط. وهذا ما أعطى كتاباتهم عمقاً
وشغفاً وتأثيراً.
سابعاً: التقاطع والتكامل.. المشروع الثلاثي
عند
وضع المشاريع الثلاثة في سياق واحد، نجد أنها تشكّل منظومة متكاملة، يمكن تشبيهها
بجيش له ثلاثة أجنحة:
·
مطبقاني هو الاستخبارات والاستراتيجية: يكشف خريطة
العدو، وآلياته، ومؤسساته، ويمدد خطة المواجهة الشاملة.
·
الدواليبي هو الدبلوماسية والقيادة الميدانية: يخوض
الحوار مع العدو، ويقدم البديل، ويبني الجسور، وينتصر بالحجة.
·
أبو خليل هو التحقيق والتفنيد: يفكّك نصوص العدو،
ويكشف زيفها، ويسقط حججها، ويحصّن الداخل من التشويه.
وهذا
التكامل ليس مصادفة. فكل منهم يغطي منطقة متميزة، مع أن كل منهم عمل في الاتجاهات
الثلاثة، لكن بتركيز مختلف:
·
مطبقاني تركيزه الأبرز على الجانب المؤسسي والسياسي،
مع عمل في النصي والحواري.
·
الدواليبي تركيزه الأبرز على الجانب الحواري
والتطبيقي، مع عمل في النصي والمؤسسي.
·
أبو خليل تركيزه الأبرز على الجانب النصي والتفنيدي،
مع عمل في المؤسسي والحواري.
وهذا
التكامل في التركيز هو ما يجعل المشروع الثلاثي أكثر قوة مما لو كان كل منهم يعمل
في معزل عن الآخر. فمطبقاني يضع الخريطة، والدواليبي يخوض المعركة، وأبو خليل يفكك
أسلحة العدو.
وكلهم،
في النهاية، كانوا يخوضون معركة واحدة: معركة تحرير العقل العربي والإسلامي من
سطوة الخطاب الاستشراقي، وتقديم رؤية بديلة واثقة عن الإسلام وتاريخه وحضارته.
خاتمة: مشروع
متكامل لمواجهة الحاضر وبناء المستقبل
في زمن تتجدد فيه
الهجمات على الإسلام بأشكال جديدة: استشراق رقمي، وإسلاموفوبيا مصنعة، وحملات
منظمة في وسائل التواصل الاجتماعي، تبرز الحاجة إلى مشروع فكري متكامل يجمع بين ما
قدّمه هؤلاء المفكرون الثلاثة.
مطبقاني يعلّمنا كيف
نقرأ المؤسسات، وكيف نكشف الآليات الخفية. الدواليبي يعلّمنا كيف نحاور، وكيف
نقدّم الإسلام بلغة العصر. أبو خليل يعلّمنا كيف نقرأ النصوص، وكيف نفكّك
الخطابات، وكيف نصحّح المفاهيم.
وإذا كان مطبقاني
قد كشف لنا كيف يعمل الاستشراق، والدواليبي قد قدّم لنا نموذج المفكر المسلم
العالمي، وأبو خليل قد فكّك لنا النصوص الاستشراقية وفنّد شبهاتها، فإن المسؤولية
اليوم تقع على أجيال جديدة من الباحثين والمفكرين لتكمل هذه المسيرة، وتطوّر هذه
الأدوات، وتوظفها في مواجهة الأشكال الجديدة من الهجوم على الإسلام.
المعركة مع الغرب ليست
معركة سلاح فقط، بل هي معركة معرفة وفهم ورؤية. وأقوى أسلحة هذه المعركة هو العلم
الواعي، والانتماء الفكري الواثق، والعمل المؤسسي المنظم.
وهذه هي الرسالة
الخالدة التي يحثنا عليها هؤلاء المفكرون الثلاثة، كلٌّ من موقعه، وبأدواته،
وبجمهوره، لكنهم جميعاً كانوا يخوضون معركة واحدة.
وختاماً، لا بد من
الإشارة إلى أن الدكتور مازن مطبقاني لا يزال حياً، ولا يزال يكتب، ولا يزال يتابع
تطورات الاستشراق وأشكاله الجديدة. وهذا يعني أن مشروعه لم ينتهِ بعد، بل هو مستمر
ومتطور. ونحن إذ نقرأ أعماله اليوم، إنما نقرأ جزءاً من معركة حية لا تزال مستمرة،
وننتظر المزيد من إسهاماته في مواجهة الاستشراق بكل أشكاله القديمة والجديدة.
والحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تعليقات
إرسال تعليق