قراءة في كتاب "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر" للدكتور مازن بن صلاح مطبقاني بقلم الدكتور محمد سعيد آركي
يأتي
كتاب "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر" للدكتور مازن مطبقاني ليمثل
نقلة نوعية في مشروعه الفكري، فهو ليس مجرد مجموعة بحوث أكاديمية، بل هو مشروع
استراتيجي متكامل يهدف إلى كشف تحيزات الاستشراق الأمريكي، وتوثيق نشاطاته، وتقديم
رؤية إسلامية لمواجهته، مع دعوة صريحة لإنشاء "دراسات استغرابية" في
الجامعات الإسلامية.
هذه
القراءة التحليلية تسعى إلى كشف الأبعاد الإيجابية للكتاب، وتقديم صورة متكاملة عن
قيمته، مع الإشارة إلى الأسس المنهجية التي بنى عليها الكاتب رؤيته، والدروس التي
يمكن استخلاصها للباحثين والمسؤولين والمثقفين على حد سواء.
بين قاعات الجامعات وسطور الكتب: منهجٌ يجمع بين العين والعقل
من
أبرز إيجابيات الكتاب، التي تتكرر في ثناياه، هو الاعتماد على المشاهدة الميدانية
المباشرة، وليس فقط على القراءة النظرية. فمطبقاني لم يكتفِ بقراءة كتب
المستشرقين، بل سافر إلى أمريكا وبريطانيا، وعاش في جامعة برنستون مدة شهر، وحضر
المحاضرات، وقابل الأساتذة، وتنفس أجواء الاستشراق عن قرب. هذا المزج بين المشاهدة
الحية والتحليل النقدي يُعطي الكتاب مصداقية عالية، ويجعله أكثر من مجرد
"دراسة مكتبية".
يقول
مطبقاني في مقدمة القسم الأول: "الكتابة حول الاستشراق والمستشرقين كثيرة،
ولكنها في الغالب دراسات تاريخية لنشأته وتطوره وموضوعاته وأهدافه، وإن الدراسات
التي تعيش الاستشراق في معاقله محدودة وقليلة. وقد منّ الله على كاتب هذه السطور
بتجربة طريفة ومفيدة أن عاش شهراً تقريباً في مدينة برنستون بالولايات المتحدة
الأمريكية، كنت أقضي فيها معظم نهاري في قسم دراسات الشرق الأدنى في هذه الجامعة
أحضر المحاضرات وأستمع إلى الدروس وأقابل الأساتذة وأطلع على النشاطات، فعرفت بعض
الشيء عن هذا المكان."
هذا
المنهج الميداني يُعدّ إضافة نوعية للأدب النقدي العربي، الذي غالباً ما يكتفي
بالقراءة عن الغرب دون الاحتكاك المباشر به. وقد مكّن هذا الاحتكاك مطبقاني من:
·
ملاحظة التناقضات بين ما يُكتب عن الاستشراق وما
يُمارس فعلياً في قاعاته.
·
التعرف على الوجوه الحقيقية للمستشرقين، وليس فقط على
صورهم في الكتب.
·
فهم الديناميكيات الداخلية للمراكز الاستشراقية، وكيف
تُتخذ القرارات وتُوزع التمويلات.
·
رصد التحولات المنهجية والفكرية لدى المستشرقين عن
كثب، كما فعل مع برنارد لويس عندما لاحظ تغيرات في منهجه بمرور الزمن.
مترجماً ومحققاً ومؤلفاً: ثلاثُ مهارات في كتابٍ واحد
يمتاز
الكتاب بقدرة مطبقاني على الجمع بين ثلاث مهارات في آن واحد، مما يجعله موسوعة
مصغّرة متعددة الأوجه:
·
كمترجم: قدم للقارئ العربي وثائق نادرة باللغة
الإنجليزية، لم تكن متوفرة في المكتبة العربية، مثل تقرير لجنة الدراسات الشرقية
(1973م) ، وتقرير مركز نيكسون عن الصوفية (2004م) ، وسيرة هاري روسكو سنايدر،
وتقرير تعليم البنات في السعودية، وغيرها. هذه الوثائق تُعدّ كنزاً معلوماتياً،
وتُساعد على فهم تاريخ العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي من مصادرها الأولى.
·
كمحقق: علّق على هذه النصوص، ووضّح سياقاتها، وأشار
إلى تحيزاتها، وقدّم قراءات نقدية لها، وأضاف هوامش تفسيرية تُثري المادة المترجمة
وتُوضّح ما قد يكون غامضاً للقارئ العربي.
·
كمؤلف: كتب أقساماً أصيلة من التحليل والنقد، مثل
دراسة منهج برنارد لويس في الفكر السياسي، وتحليل الهجوم على الاستشراق بعد 11
سبتمبر، والمقالات المتنوعة التي تعكس رؤيته الشخصية، ودعوته إلى الاستغراب.
هذا
التعدد في الأدوار يُظهر غنى الكتاب وتنوعه، ويجعله مرجعاً شاملاً، لا مجرد كتابة
أحادية البعد، ويُثبت أن مطبقاني ليس مجرد ناقل، بل هو مفكّر ومنظّر ومناضل فكري
في آن واحد.
كتابٌ لا ينام: مواكبةُ الأحداث وتحديثُ الرؤى (مع الحدث)
يمتاز
الكتاب بالتحديث المستمر للمادة العلمية. فالطبعة الثانية (2026م) لم تكن مجرد
إعادة نشر، بل تضمنت أقساماً جديدة عن الهجوم على الاستشراق بعد 11 سبتمبر، وعن
الصوفية والسياسة الأمريكية، مما يُظهر أن مطبقاني كان متابعاً للأحداث، وليس مجرد
باحث يعيد إنتاج ما كتبه منذ عقود. هذا الحرص على التحديث يُضفي على الكتاب قيمة
راهنة، ويجعله مرجعاً حياً، لا وثيقة تاريخية منقرضة.
الأمانةُ العلميةُ في زمنِ الاجتزاء
يُولي
مطبقاني اهتماماً كبيراً بتوثيق المصادر والمراجع، سواء العربية أو الأجنبية، مما
يُعطي الكتاب طابعاً أكاديمياً رصيناً. ويُشير إلى المصادر التي اعتمد عليها في كل
قسم، ويُقدّم قوائم مراجع في نهاية كل جزء، مما يُسهل على الباحثين الرجوع إلى
المصادر الأصلية والاستفادة منها. هذا التوثيق الدقيق يُظهر أمانة الكاتب العلمية،
ويُعزز مصداقيته.
فضحُ القناع: كيف يكشف الكتابُ وجهَ الاستشراقِ الحقيقي؟
من
أبرز إسهامات الكتاب هو كشف زيف الادعاءات الغربية حول "الحياد
الأكاديمي" في الدراسات الشرق أوسطية. يستعرض مطبقاني أدلة دامغة على أن هذه
الدراسات ليست بحثاً علمياً محايداً، بل هي أداة للهيمنة والسيطرة، تخدم المصالح
الأمريكية والصهيونية.
يستشهد
بإدوارد سعيد الذي أكد أن الاستشراق هو "معرفة من أجل السيطرة"، ويعرض
أدلة على ذلك، منها:
·
تمويل الحكومة الأمريكية لمراكز الدراسات الشرق
أوسطية من خلال مراسيم الدفاع الوطني.
·
دعوة الأساتذة لتقديم شهاداتهم للكونجرس والمخابرات
المركزية.
·
استخدام الطلاب العرب والمسلمين كجُهّاز معلومات.
·
استقطاب الأساتذة العرب المتغربين.
ويقول
مطبقاني في هذا السياق: "لو كانت المعرفة من أجل المعرفة لما ظهر التحيز في
الدراسات العربية الإسلامية في الولايات المتحدة، حيث يؤكد بلانكنشب بأن وجهتي
النظر الأمريكية والصهيونية تتفقان فيما يتعلق بالإسلام." هذا الكشف يُحرر
العقل العربي من وهم "الموضوعية الغربية".
ثانياً: نقد الاستشراق وتحيزاته – "فضحُ القناع: كيف يكشف
الكتابُ وجهَ الاستشراقِ الحقيقي؟"
مع أشهرِ مستشرقٍ في العصر: وقفةٌ مع منهجٍ مشبوه
يُعدّ
نقد مطبقاني لبرنارد لويس من أقوى أجزاء الكتاب، وأكثرها إسهاماً في المكتبة
العربية. فلويس يُعتبر من أخطر المستشرقين المعاصرين، وصاحب نظرية "صدام
الحضارات" التي تبناها صموئيل هنتنغتون، ومستشار البيت الأبيض في الشؤون
الإسلامية. وقد قدّم مطبقاني نقداً منهجياً مفصلاً لكتابات لويس، وكشف عن تناقضاته
وأخطائه، في ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: المشروعية في الفكر السياسي الإسلامي عند لويس
يناقش
مطبقاني كيف تناول لويس مفهوم المشروعية، ويرى أن لويس وقع في خطأ منهجي حين قارن
بين الله والقيصر، وأسقط النظرة الغربية للثيوقراطية على الإسلام، وأخطأ في وصف
الرسول ﷺ بأنه "شيخ الأمة" و"مؤسس إمبراطورية". ويُشير إلى أن
لويس تجاهل مفهوم البيعة والشورى في الإسلام، وأنه فهم السلطة النبوية فهماً
مغلوطاً، إذ جعلها سلطة مطلقة دون أن يدرك أنها كانت سلطة مقيدة بالوحي والشورى.
ويُشير أيضاً إلى أن لويس تجاهل الآيات القرآنية التي تدعو إلى الشورى، والأحاديث
النبوية التي تؤكد على مبدأ المشاركة في الحكم.
المحور الثاني: العلاقات بين الفرد والدولة في الفكر السياسي
الإسلامي
يُشير
مطبقاني إلى أن لويس وقع في خطأ منهجي آخر وهو إسقاط مصطلح "الحقوق"
الغربية على الإسلام، وزعم أن الإسلام لا يعترف بحقوق الفرد. ويُفنّد هذا الزعم
مستشهداً بحق الفرد في اختيار الحاكم (البيعة)، وحق المشاورة، وحق مراقبة رئيس
الدولة، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تُعدّ آليات رقابية متقدمة
على الحاكم، سبقت النظريات الغربية بقرون. ويُشير إلى أن لويس تجاهل قصة عمر بن
الخطاب مع البغلة، وقصة سفيان الثوري مع الخليفة المنصور، كأمثلة على محاسبة
الحكام في التاريخ الإسلامي.
المحور الثالث: لويس والحركات الإسلامية المعاصرة
ينتقد
مطبقاني إصرار لويس على تسمية الحركات الإسلامية بـ"الأصولية"، ويرى أن
هذا المصطلح ينم عن جهل أو تعمّد للتشويه. ويستشهد بجيل كيبل الذي يرى أن هذا
المصطلح "يبسط الظاهرة ويحرفها". ويُشير إلى أن لويس خلط بين الأصولية
الغربية (التي تناهض العلمانية) والحركات الإسلامية (التي تسعى لتطبيق الإسلام)،
وأنه تجاهل أسباب نشوء هذه الحركات كالاستعمار والفساد السياسي. ويُشير أيضاً إلى
تناقض لويس، فهو من جهة يدعو إلى الموضوعية، ومن جهة أخرى يقع في التعصب ضد
الإسلام، خاصة في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي والصحوة الإسلامية.
ويقول
مطبقاني في خاتمة تحليله لمنهج لويس: "إننا بحاجة إلى معرفة الفكر السياسي
الإسلامي من مصادره في الوقت الذي تسعى الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة
الأمريكية تصدير نموذجها وديموقراطيتها القائمة على الانتخابات التي تحددها
المصالح المادية للقائمين على الحملات الانتخابية والشركات التي تمول هذه الحملات.
بينما يقوم الفكر السياسي الإسلامي على تولية الأصلح وفقاً للمعايير
الإسلامية." هذا النقد، رغم حدته، يُعدّ إسهاماً مهماً في تفكيك الخطاب
الاستشراقي، وتقديم رؤية إسلامية بديلة، ويُظهر قدرة مطبقاني على مواجهة أكبر
المستشرقين بسلاح العلم والمعرفة.
الإعلامُ جنديُّ الاستشراق: حين تُستَخدَمُ الصحافةُ سلاحاً
يُشير
مطبقاني إلى ظاهرة خطيرة، وهي الاستشراق الإعلامي، حيث يستخدم الإعلام الغربي
(الصحف، المجلات، التلفزيون، الأفلام) للترويج لأفكار المستشرقين المتحاملين على
الإسلام. ويُقدّم أمثلة عديدة، منها:
·
كتابات دانيال بايبس في صحيفة وول ستريت جورنال، التي
تصف الإسلام بأنه "العدو الجديد" بعد سقوط الشيوعية، وتُحذّر من
"الطوفان الثقافي" للمهاجرين المسلمين.
·
فيلم ستيف إيمرسون "الجهاد في أمريكا"،
الذي يتهم المسلمين بالتخطيط لإنشاء إمبراطورية إسلامية في الولايات المتحدة،
ويُروّج لفكرة "الخطر الإسلامي" الداخلي.
·
مقالات مجلة "ريدرز دايجست" التي تنتقد
تشريعات الإسلام بحجة "تحرير المرأة"، وتستشهد بكتابات فاطمة المرنيسي
وبنازير بوتو لتشويه صورة الإسلام.
·
التعاون بين الإعلام الإسرائيلي والأمريكي، حيث تنقل
الصحف الأمريكية مقالات من "جيروزليم بوست" التي تحذر من "الخطر
الإسلامي"، وتُروّج للروايات الصهيونية.
ويقول
مطبقاني: "إن الاستشراق الإعلامي أكثر خطورة على جمهور القراء من الاستشراق
الأكاديمي الذي لا يقرؤه إلاّ المتخصصون، وإن كانت الخطورة في المادة الأكاديمية
أشد لوصولها إلى أعلى مراكز القرار السياسي في الولايات المتحدة وفي أوروبا."
هذا الكشف يُوعّي القارئ العربي بخطورة الإعلام الغربي، ويُحذّره من الانخداع
بصورته "الموضوعية"، ويُطالبه بتحليل الخطاب الإعلامي بنظرة ناقدة. وقد
لاحظ مطبقاني أن الكتاب المعادين للإسلام يستغلون الصحافة بأنواعها، حتى المتخصصة
في شؤون الاقتصاد والمال، لنشر أفكارهم، مستشهداً بما كتبه دانيال بايبس في صحيفة
وول ستريت جورنال معلقاً على كتاب جون اسبوزيتو "الخطر الإسلامي وهم أم حقيقة".
ما بعدَ الحادي عشر من سبتمبر: مكارثيةٌ جديدةٌ في ثيابٍ أكاديمية
يُقدّم
مطبقاني تحليلاً متكاملاً للهجوم الشرس الذي تعرضت له دراسات الشرق الأوسط بعد
أحداث 11 سبتمبر 2001م، ويُعدّ هذا التحليل من أحدث أجزاء الكتاب وأكثرها راهنية.
ويُشير إلى أن هذا الهجوم لم يكن مجرد نقاش أكاديمي، بل كان حرباً شعواء تستهدف
كبت الحرية الأكاديمية، وإجبار الأساتذة على تبني وجهة النظر الحكومية.
ويُفصّل
مطبقاني أدوات هذا الهجوم:
· موقع "مراقبة
الجامعات" (Campus Watch) الذي أسسه
دانيال بايبس، ودعا الطلاب للتجسس على أساتذتهم وتسجيل محاضراتهم، ونشر تقارير عن
الأساتذة الذين ينتقدون السياسة الأمريكية أو يدافعون عن حقوق الفلسطينيين.
·
موقع "مشروع ديفيد" الذي
يُدرّب الطلاب اليهود على الدفاع عن إسرائيل في الجامعات، ويُروّج للروايات
الصهيونية، ويُعتبر امتداداً للجهد الصهيوني في السيطرة على الخطاب الأكاديمي.
·
تقارير المجلس الأمريكي للأمناء
والقدامى (ACTA)
برئاسة لين تشيني، زوجة نائب الرئيس الأمريكي، التي
تطالب بمراقبة الأساتذة الذين ينتقدون السياسة الأمريكية، وتُعدّ هذه التقارير
جزءاً من حملة منظمة لتقييد الحريات الأكاديمية.
ويُشير
إلى أن هذا الهجوم طال عدداً من الأساتذة البارزين، مثل رشيد خالدي (جامعة
كولومبيا) الذي تولى كرسي إدوارد سعيد، وجوان كول (جامعة ميتشجان) الذي تعرّض
لآلاف الرسائل الإلكترونية المسيئة، بل وصل الأمر إلى منع طارق رمضان من دخول
الولايات المتحدة لإلقاء محاضرات. ويُؤكد مطبقاني أن هذه الحملة هي "مكارثية
جديدة" تهدف إلى ترهيب الأساتذة وإسكات الأصوات الناقدة، وتُشبه حملة
المكارثية في الخمسينيات التي استهدفت اليساريين والشيوعيين. (حملة المكارثية هي موجة قمع سياسي وهستيريا
جماعية شهدتها الولايات المتحدة في خمسينيات القرن العشرين بقيادة السيناتور جوزيف
مكارثي. اتسمت بتوجيه
تهم الخيانة والولاء للشيوعية دون أدلة، مما أدى لتخريب حياة المئات وفقدانهم
لوظائفهم، وأصبحت رمزاً للإرهاب الفكري)
ويستعرض
ردود فعل الأكاديميين الأمريكيين الذين دافعوا عن الحرية الأكاديمية، وكتبوا كتباً
ومقالات تنتقد هذا الهجوم، مثل كتاب "الحرية الأكاديمية بعد الحادي عشر من
سبتمبر" تحرير بشارة دوماني، الذي جمع مقالات لعدد من الأساتذة البارزين.
ويُشير إلى أن هذه الحملة فشلت في تحقيق أهدافها، لأنها واجهت مقاومة قوية من
الأوساط الأكاديمية، وأن المئات من الأساتذة طلبوا إضافة أسمائهم إلى
"القائمة السوداء" التي أنشأها بايبس، تحدياً له ولحملته.
أرشيفٌ حيّ: وثائقُ نادرةٌ تُروي قصّةَ صراعٍ لم ينتهِ
يُقدّم
الكتاب وثائق نادرة عن تاريخ الاستشراق الأمريكي، منها:
·
تقرير لجنة الدراسات الشرقية (1973م): الذي يصور
أوضاع الدراسات الإسلامية في أمريكا وكندا في فترة مهمة، ويُظهر كيف كانت هذه
الدراسات خاضعة للسيطرة الصهيونية والتنصيرية، ويكشف عن أسماء الجامعات والمعاهد
والأساتذة الذين يسيطرون على هذا المجال.
·
سيرة هاري روسكو سنايدر: التي تُظهر كيف كانت أرامكو
تعمل على تشكيل التعليم في السعودية، وكيف كانت تُوظف الباحثين الغربيين لخدمة
أهدافها، وتُقدّم نموذجاً للباحث الغربي الذي ارتبط بالعالم الإسلامي من خلال
العمل مع الشركات الأمريكية.
·
تقرير مركز نيكسون عن الصوفية (2004م): الذي يكشف كيف
يستخدم الغرب الصوفية كأداة في السياسة الخارجية، ويُظهر تفكير صنّاع القرار
الأمريكي في توظيف التراث الإسلامي لخدمة مصالحهم.
·
تقرير عن تعليم البنات في السعودية: الذي يوثق مرحلة
مبكرة من تطور تعليم المرأة في المملكة، ويُظهر دور أرامكو في هذا المجال، ويكشف
عن تطلعات الشركة لوضع المرأة في المملكة.
·
حوار مطبقاني مع برنارد لويس: الذي يُعدّ وثيقة نادرة
عن لقاء مباشر مع أحد أخطر المستشرقين، ويكشف عن جوانب من شخصيته ومنهجه، ويُظهر
قدرة مطبقاني على مواجهته بحوار علمي هادئ.
هذه
الوثائق، التي تترجم لأول مرة، تُعدّ كنزاً معلوماتياً للباحثين والمؤرخين،
وتُساعد على فهم تطور العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي، وتُقدّم مادة خام
للدراسات المستقبلية. وقد أولى مطبقاني عناية خاصة بتوثيق هذه الوثائق والتعليق
عليها، مما يُضفي على الكتاب قيمة تاريخية وأرشيفية فريدة.
بينَ الرحلةِ والتحليلِ ومقالةِ الرأي: كتابٌ لا يُملّ
يمتاز
أسلوب مطبقاني بالوضوح والبساطة، مع العمق التحليلي. فهو يكتب بلغة سهلة، لكنه لا
يخلو من التحليل النقدي العميق. ويمزج بين:
·
السرد الرحلي: وصف زياراته لجامعة برنستون ولندن،
وحواراته مع المستشرقين، ومشاهداته اليومية، مما يُضفي على الكتاب طابعاً حياً
وجذاباً.
·
النقل الوثائقي: ترجمة التقارير والوثائق، مع الحفاظ
على دقتها، وإضافة تعليقات توضيحية.
·
التحليل النقدي: نقد منهج لويس، وتحليل الهجوم على
الاستشراق، وكشف تحيزات المستشرقين.
·
مقالة الرأي: طرح آرائه في مقالات متنوعة، بأسلوب
مباشر ومؤثر.
هذا
التنوع في الأساليب يجعل الكتاب ممتعاً للقارئ العادي، ومفيداً للباحث الأكاديمي،
وملهماً للداعية والمفكر، وعملياً للمسؤول وصانع القرار. وقد حرص مطبقاني على أن
يكون أسلوبه واضحاً ومباشراً، دون تكلف أو تعقيد، مما يجعل الكتاب في متناول شريحة
واسعة من القراء.
القرآنُ والحديثُ شاهدان: عندما يستندُ الناقدُ إلى تراثِ أُمّته
يلجأ
مطبقاني إلى توظيف التراث الإسلامي في سياق نقده للاستشراق، فيستشهد بالقرآن
والحديث النبوي، وقصص التاريخ الإسلامي، لتأكيد مواقفه. مثلاً:
·
يستشهد بحديث "يوشك أن تداعى عليكم الأمم"
لتفسير ظاهرة الاستشراق ودعوة المسلمين إلى اليقظة.
·
يستشهد بقصة عمر بن الخطاب مع البغلة للحديث عن
مسؤولية الحاكم وضرورة محاسبته.
·
يستشهد بقصة سفيان الثوري مع الخليفة المنصور لتأكيد
مكانة العلماء ودورهم في محاسبة الحكام.
·
يستشهد بقوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من
قوة" لتأكيد ضرورة امتلاك القوة العلمية والعسكرية.
·
يستشهد بقصة عمرو بن العاص في وصف الروم لإثبات أن
المسلمين كانوا يدرسون الأمم الأخرى دراسة عميقة.
هذا
التوظيف يُعطي الكتاب طابعاً هويتياً، ويُذكّر القارئ بأن الإسلام يمتلك تراثاً
غنياً في النقد والمواجهة، وأن ما يراه في الغرب من تحديات ليس غريباً عن الإسلام،
بل هو من صميم تعاليمه التي أهملها المسلمون. كما يُظهر أن مطبقاني ليس مجرد ناقل
لأفكار الغرب، بل هو مفكر يستند إلى تراثه في مواجهة التحديات المعاصرة.
ثالثاً: الدعوة والإصلاح – "ليس نقداً فقط، بل مشروعٌ للنهضة"
ليس نقداً فقط، بل مشروعٌ للنهضة: من فضحِ العيوبِ إلى بناءِ
البديل
من
أبرز إسهامات الكتاب، التي تميزه عن غيره من الكتابات النقدية، هي الدعوة الصريحة
والمنهجية لإنشاء "دراسات استغرابية" في الجامعات الإسلامية. فمطبقاني
لا يكتفي بنقد الغرب، بل يدعو إلى دراسة الغرب دراسة عميقة وشاملة، كما يدرس الغرب
الإسلام. ويُقدّم مبررات قوية لهذه الدعوة، منها:
·
الضرورة الشرعية:
استناداً إلى آيات القرآن التي تدعو إلى التعارف بين الشعوب ("وجعلناكم
شعوباً وقبائل لتعارفوا") ، وإلى سنة الرسول ﷺ في دراسة أحوال الأمم الأخرى،
وإلى التراث الإسلامي الغني في علم الملل والنحل الذي أسسه المسلمون لدراسة عقائد
الأمم الأخرى.
· الضرورة
الاستراتيجية: لا يمكن مواجهة الغرب إلا بمعرفته
معرفة دقيقة، وفهم نقاط قوته وضعفه، وأهدافه ووسائله. يقول مطبقاني: "المعركة
الحالية معركة معلومات، وأظنهم يعرفون عنّا --أحيانا- أكثر مما نعرف عن أنفسنا."
·
التحول من "ذات مدروسة" إلى "ذات
دارسة": يجب أن نتحول من كوننا موضوعاً لدراسات الآخرين، إلى كوننا فاعلين
ندرس الآخرين. ويستشهد بقول الشيخ أحمد ديدات: "لعلكم في هذا القسم تلجؤون
إلى الدفاع التبريري فتقولون الاستشراق يتهم الإسلام بكذا وكذا والإسلام برئ من
ذلك... الأولى أن تعرفوا الغرب من الداخل فتحدث المستشرق عمّا تعانيه المجتمعات
الغربية من أزمات طاحنة."
·
أمة الشهادة: لا يمكن للأمة الإسلامية أن تشهد على
الأمم الأخرى وهي لا تعرفها، كما قال تعالى: "لتكونوا شهداء على الناس".
·
المصلحة العملية: رجال الأعمال والدبلوماسيون
والإعلاميون بحاجة إلى فهم عميق للثقافات الأخرى للتعامل معها بفعالية.
هذه
الدعوة تجعل الكتاب إصلاحياً وليس مجرد نقدياً، فهو يُقدّم حلولاً عملية، لا يكتفي
بطرح المشكلات. وقد تجاوز مطبقاني مرحلة الدعوة النظرية إلى تقديم تصورات عملية
لإنشاء هذه الدراسات، كما فعل في مقاله "كرسي الدراسات الأوروبية والأمريكية".
مؤامراتٌ وأموالٌ ضائعة: كشفُ الخيوطِ الخفيةِ للسياساتِ الغربية
لا
يكتفي مطبقاني بنقد الاستشراق، بل يكشف عن المخططات الغربية التي تستهدف الإسلام
والمسلمين، ويُفنّدها بالحجة والبرهان. ومنها:
·
مخطط "المكارثية الجديدة" بعد 11 سبتمبر،
الذي يهدف إلى كبت الحرية الأكاديمية، وإجبار الأساتذة على تبني وجهة النظر
الحكومية، وتجريم كل من ينتقد السياسة الأمريكية أو يدافع عن حقوق الفلسطينيين.
·
مخطط "استخدام الصوفية" كأداة في السياسة
الخارجية الأمريكية لمواجهة التيارات الإسلامية المتطرفة، مع تجاهل أن الصوفية
ليست أداة سياسية، بل هي تيار روحاني يعبر عن جانب مهم من التراث الإسلامي. ويُشير
إلى أن التقرير الذي ترجمه عن مركز نيكسون يُظهر بوضوح كيف يفكر صانعو السياسة
الأمريكية في توظيف الصوفية.
·
مخطط "تمويل الكراسي الاستشراقية" بأموال
عربية، حيث تنقلب هذه الكراسي على مموليها، وتُستخدم لنشر أفكار معادية للإسلام
والعرب. ويُحمّل أثرياء العرب مسؤولية ضياع أموالهم، ويقول: "فضاعت أموالنا
هياءً منثوراً وأدت عكس ما أنفق من أجله."
ويُشير
مطبقاني إلى أن المخططات الغربية لا تقتصر على الجوانب السياسية، بل تمتد إلى
الجوانب الثقافية والفكرية، من خلال السيطرة على الإعلام، وتوجيه البحث العلمي،
وتشويه صورة الإسلام، واستقطاب المثقفين العرب المتغربين. هذا الكشف يُعدّ إنذاراً
مبكراً للمسلمين، ويُحفزهم على اليقظة والمواجهة.
قبلَ أن ننتقدَ الغربَ... لماذا لا ننظرُ في مرآتنا أولاً؟
يمتاز
الكتاب بـ النقد الذاتي الصريح، حيث لا يكتفي مطبقاني بنقد الغرب، بل يوجّه
انتقادات لاذعة للواقع العربي والإسلامي، ومنها:
·
ضعف الإنفاق على البحث العلمي: يُشير إلى أن ما يُنفق
على الباحث العربي لا يتجاوز ثلاثين ألف دولار سنوياً، بينما تُنفق أمريكا وأوروبا
بين خمسة وسبعين وثمانين ألف دولار، مما يُعيق التقدم العلمي في العالم الإسلامي.
·
تسفيه التمويل العربي: يُحمّل أثرياء العرب مسؤولية
ضياع أموالهم في تمويل كراسٍ استشراقية معادية، ويطالبهم بتوجيه أموالهم إلى
مشروعات علمية مفيدة.
·
ضعف حضور الباحثين العرب في المؤتمرات الدولية: يلاحظ
أن الحضور العربي في المؤتمرات الدولية ضعيف، وأن من يحضر غالباً لا يمثل الإسلام
تمثيلاً صحيحاً، بل يُساء استخدامهم من قبل المنظمين الغربيين.
·
تقصير الجامعات العربية في إنشاء أقسام للدراسات
الغربية: يطالب بإنشاء أقسام وكليات للدراسات الأوروبية والأمريكية في الجامعات
الإسلامية، ويُشير إلى أن جامعة الإمام أسست قسم الاستشراق الوحيد في العالم
الإسلامي، لكنه يحتاج إلى دعم وتطوير.
·
فشل بعض الباحثين العرب في تقديم صورة صحيحة عن
الإسلام: ينتقد الباحثين العرب المتغربين الذين ينقلون صورة مشوهة عن الإسلام في
الغرب، ويُشير إلى أنهم يُستخدمون كأدوات في أيدي الغربيين.
هذا
النقد الذاتي، رغم قسوته، يُظهر نزاهة الكاتب ووعيه الذاتي، ويُعطي كتابه مصداقية،
لأنه لا يُبرّر أخطاء المسلمين، بل يبرزها ويطالب بإصلاحها. وهو يُشير إلى أن
معركة المواجهة مع الغرب تبدأ من الداخل، بإصلاح الذات وتطوير المؤسسات، وأن
التغيير الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالعيوب والسعي لتجاوزها.
تراثٌ نعتزُّ به: استعادةُ الثقةِ بأنفسنا في زمنِ الهجماتِ
الفكرية
على
الرغم من نقده اللاذع للواقع العربي والإسلامي، فإن مطبقاني يُعزز لدى القارئ
الثقة في الهوية الإسلامية، ويُذكّره بأن الإسلام يمتلك تراثاً غنياً في النقد
والمواجهة، وأن ما يراه في الغرب من تحديات ليس غريباً عن الإسلام، بل هو من صميم
تعاليمه التي أهملها المسلمون. ويستشهد بقصة عمر بن الخطاب مع البغلة، وقصة سفيان
الثوري مع الخليفة المنصور، وبعلم الملل والنحل الذي أسسه المسلمون، وبجهود
العلماء المسلمين في حفظ الحديث وتوثيقه، وبالتراث السياسي الإسلامي الذي يسبق
النظريات الغربية بقرون.
ويُشير
إلى أن المسلمين في عصور ازدهارهم كانوا يدرسون الأمم الأخرى دراسة عميقة، وأنهم
أسسوا علم الملل والنحل لدراسة عقائد الأمم الأخرى، وأنهم كانوا منفتحين على
الحضارات الأخرى، مع الحفاظ على هويتهم. هذا الاستشهاد بالتراث يُذكّر القارئ بأن
الإسلام ليس ديناً متخلفاً أو منعزلاً، بل هو قادر على التعامل مع الحضارات الأخرى
من موقع القوة والثقة، وأن المشكلة ليست في الإسلام، بل في المسلمين الذين ابتعدوا
عن تعاليمه.
أقسامٌ لا غِنى عنها: رحلةٌ في زوايا الكتابِ الخفية
سياسةُ الإسلامِ في مرآةِ مستشرق: نقدُ أعمقِ أخطاءِ لويس
هذا
القسم يُعدّ من أهم أقسام الكتاب، وقد تناول فيه مطبقاني أخطاء لويس المنهجية في
ثلاثة محاور رئيسية، كما سبق تفصيله في الجزء الثاني. ويُظهر هذا القسم قدرة
مطبقاني على تقديم نقد منهجي عميق، يعتمد على المصادر الإسلامية الأصيلة، ويُفنّد
تحيزات لويس واحدة تلو الأخرى.
الصوفيةُ
في خدمةِ السياسة: تقريرٌ يكشفُ لعبةَ الاستغلالِ الغربي
هذا
القسم هو ترجمة لتقرير مؤتمر صادر عن مركز نيكسون في واشنطن عام 2004م، ويُوثق
مؤتمراً حول الصوفية ودورها في السياسة الخارجية الأمريكية، بمشاركة برنارد لويس
والشيخ هشام قباني. يُعدّ هذا القسم وثيقة مهمة لفهم كيف يستخدم الغرب الصوفية
كأداة في مواجهة التيارات الإسلامية المتطرفة.
الحلقة الأولى: الصوفية: التاريخ والمعتقد والطرق
يستعرض
التقرير تعريف الصوفية، ويُشير إلى أنها تمثل "إسلاماً مثالياً" يركز
على الإحسان. ويُذكر أن الصوفية ظهرت كعلم ديني وحركة اجتماعية في القرن الثاني
عشر، وأن الطرق الصوفية انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي، وأصبح شيوخها يتمتعون
بسلطة روحية ودنيوية. ويُشير إلى أن الصوفية لعبت دوراً مهماً في نشر الإسلام في
آسيا الوسطى وإفريقيا وجنوب شرق آسيا.
الحلقة الثانية: الصوفية في آسيا الوسطى
يناقش
التقرير وضع الصوفية في أواسط آسيا بعد الحكم السوفيتي، ويُشير إلى أن الصوفية
كانت مضطهدة، وأن الفراغ الثقافي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ملئ بالوهابية
والسلفية. ويُوصي التقرير بدعم إحياء الصوفية في أواسط آسيا كبديل معتدل، ويُشير
إلى أن الصوفية يمكن أن تلعب دوراً في بناء مجتمع مدني معتدل.
الحلقة الثالثة: الإسلام الثقافي وتأثيراته في السياسة الأمريكية
يناقش
التقرير كيفية استخدام الولايات المتحدة للصوفية في حرب الأفكار، ويُشير إلى أن
الحرب على الإرهاب تتضمن ثلاثة عناصر: اصطياد الإرهابيين، والأمن الداخلي، وحرب
الأفكار. ويُوصي بدعم الصوفية كقوة معتدلة في مواجهة التطرف، ويُشير إلى أن
الصوفية يمكن أن تكون جسراً للتفاهم بين الغرب والعالم الإسلامي.
النقاش بين برنارد لويس والشيخ هشام قباني
يُعدّ
هذا النقاش من أبرز ما في التقرير، حيث يُمثل حواراً بين مستشرق يهودي وصوفي مسلم.
لويس تحدث عن أهمية اللغة والفهم في التواصل بين الحضارات، وأشار إلى أن الصوفية
تقدم شيئاً أفضل من التسامح، وهو "القبول" المطلق للآخر. بينما تحدث
الشيخ قباني عن دور الصوفية في نشر الإسلام بطريقة سلمية، وحذّر من خطورة
الوهابية، ودعا الولايات المتحدة إلى دعم الصوفية كبديل معتدل.
أرامكو والتعليمُ السعودي: قصةُ باحثٍ ومشروعِ تنميةٍ قديم
يُقدّم
مطبقاني ترجمة لسيرة هاري روسكو سنايدر (1906م)، وهو نموذج للباحث الغربي الذي
ارتبط بالعالم الإسلامي من خلال العمل مع أرامكو. ويُشير إلى أن سنايدر كان
قسيساً، ثم ضابط استخبارات في منطقة الخليج، ثم خبيراً في وزارة الخارجية، ثم
موظفاً في أرامكو، حيث تولى تدريب وتعليم العرب، وتطوير برامج التعليم، وبناء
المدارس. ويُشير إلى أن سنايدر أعد رسالة دكتوراه عن "تعليم الكليات المتوسطة
للمملكة العربية السعودية".
ويُقدّم
مطبقاني أيضاً ترجمة لتقرير آخر أعده سنايدر عن تعليم البنات وتطور المرأة في
المملكة، ويشير إلى أن التقرير يكشف عن تطلعات أرامكو لوضع المرأة في المملكة، وعن
الوظائف التي عملت فيها المرأة في أرامكو. ويُعدّ هذا التقرير وثيقة تاريخية نادرة
عن مرحلة مبكرة من تطور تعليم المرأة في السعودية، حيث يوثق افتتاح المدارس
الحكومية للبنات عام 1960م، والمعارضة التي واجهتها، وتطور التعليم حتى أصبحت هناك
جمعيات نسائية ومدارس لمحو الأمية. ويُظهر التقرير أن أرامكو كانت تسعى إلى تطوير
دور المرأة في المجتمع السعودي، من خلال توفير فرص التعليم والعمل، وأنها كانت ترى
في تعليم المرأة وسيلة لتطوير المجتمع ككل.
خواطرُ على الهامش: مقالاتٌ تُكمّلُ الصورةَ وتُحرّكُ العقل
يضم
هذا القسم عدداً من المقالات التي كتبها مطبقاني في الصحف والمجلات، وتتناول
مواضيع متنوعة:
مقال "كرسي الدراسات الأوروبية والأمريكية"
يدعو
مطبقاني في هذا المقال إلى إنشاء كراسي للدراسات الغربية في الجامعات السعودية،
مستشهداً بتجربة بريطانيا في إنشاء لجان لدراسة أوضاع الدراسات الشرقية، ومؤكداً
على ضرورة معرفة الغرب كما يعرفنا. ويُشير إلى أن إنشاء هذه الكراسي سيساعد في
تكوين كوادر وطنية قادرة على فهم الغرب والتعامل معه.
مقال "ماذا تعرف عن الاستشراق؟"
يُقدّم
مطبقاني تعريفاً موجزاً وشاملاً للاستشراق، مستعرضاً نشأته وارتباطه بالاستعمار،
وتحوله إلى دراسات إقليمية. ويُشير إلى أن جامعة الإمام أسست قسم الاستشراق الوحيد
في العالم الإسلامي، ويُطالب بتطويره ودعمه. ويُقدّم تعريفاً تاريخياً للاستشراق،
من العصور الوسطى إلى العصر الحديث.
مقال "الاستشراق يهتم بمن يحارب الإسلام"
ينتقد
مطبقاني في هذا المقال استضافة الإعلام الغربي للمفكرين المعادين للإسلام، مثل
عزيز العظمة الذي شكك في إمكانية تطبيق الإسلام في الحكم. ويتساءل لماذا تهتم
المعاهد الغربية باستقطاب هؤلاء الذين يسيئون للإسلام، ويُشير إلى أن هذه
الاستضافة تُعدّ شكلاً من أشكال الاستشراق الإعلامي.
مقال "بين الاستشراق والاستغراب أيهما أولى؟"
يُؤكد
مطبقاني أن كلا الأمرين مطلوب، لكن لا بد لمن يخوض في كل مجال أن يكون لديه القدرة
والكفاءة، ويُطالب بإنشاء أقسام وكليات للدراسات الأوروبية والأمريكية في الجامعات
الإسلامية. ويُشير إلى أن الاستغراب لا يعني فقدان الهوية، بل هو وسيلة لفهم الآخر
والتعامل معه من موقع القوة.
رابعاً: الخاتمة والمراجعة – "صرخةٌ واعيةٌ لا مجردُ كتاب"
نظرةٌ في زوايا المنهج: بين الاختيار والانتماء
أي
قراءةٍ نقديةٍ لكتابٍ بهذا الحجم والثراء تطرحُ تساؤلاتٍ مشروعةً حول بعض
اختياراتِه المنهجية. وهذه التساؤلات ليستُ نقضاً لقيمته، بل هي تأملاتٌ في طبيعةِ
العملِ النقدي نفسه، وحدودِ أيِّ مشروعٍ فكريٍّ يخوضُ في قضايا كبرى مثل الاستشراق
والهوية والمواجهة الحضارية.
أولاً: حول التركيز على الجوانب السلبية للاستشراق
يُمكنُ
القول إن الكتابَ يركّزُ بشكلٍ مكثّفٍ على الجوانبِ السلبيةِ للاستشراقِ الأمريكي،
دونَ أن يُوليَ اهتماماً مماثلاً للجهودِ الأكاديميةِ الموضوعيةِ التي قد توجدُ في
هذا المجال. لكن هذا التركيز، في الحقيقة، يعكسُ طبيعةَ الكتابِ نفسِه. فمطبقاني
لم يكتب "تاريخاً للاستشراق" أو "دراسةً شاملةً" له، بل كتب
"بحوثاً في الاستشراق الأمريكي المعاصر" من منظورٍ نقديٍّ صريحٍ.
والكتاب، كما يُوضحُ عنوانُه، هو قراءةٌ نقديةٌ من زاويةٍ إسلاميةٍ واعيةٍ، تهدفُ
إلى كشفِ التحيزاتِ وتوثيقِ المخططاتِ، ومع ذلك، فإن الكتاب لا يخلو تماماً من
الإشاراتِ إلى الجوانبِ الإيجابية، فهو يذكرُ أن بعضَ المستشرقين كانوا منصفينَ في
مواقفهم، وأن بعضَ الباحثينَ الأمريكيينَ دافعوا عن الحريةِ الأكاديميةِ وانتقدوا
الهجومَ على دراساتِ الشرقِ الأوسط. لكن التركيزَ الأساسيَّ يبقى على الجوانبِ
السلبيةِ لأنها الأكثرُ تأثيراً في السياسةِ الأمريكيةِ والخطابِ الإعلاميِ
الغربي، وهي الجوانبُ التي يحتاجُ القارئُ العربيُ إلى معرفتِها ليفهمَ طبيعةَ
المعركةِ الفكريةِ التي يخوضُها.
ثانياً: حول النبرة الدفاعية والانتماء الفكري
ثمةَ
تساؤلٌ آخرٌ يطرحُ نفسَه: ألا تُقلّلُ النبرةُ الدفاعيةُ الواضحةُ في الكتابِ من
قيمتِه الأكاديميةِ؟ وهل يخلو الكتابُ من الحيادِ المطلوبِ في البحوثِ العلميةِ؟
الجوابُ هو أنَّ التمييزَ بين الانتماءِ الفكري والتحيزِ المذهبي أمرٌ ضروريٌّ
هنا. فمطبقاني لم يدّعِ الحيادَ الأكاديميَّ المحضَ، بل أعلنَ من البدايةِ أنه
يكتبُ من منظورٍ إسلاميٍّ دفاعيٍّ. وهذا ليس عيباً، بل هو صدقٌ فكريٌّ وشفافيةٌ
منهجيةٌ. ففي عالمٍ لا يوجدُ فيه حيادٌ مطلقٌ، يكونُ الصدقُ في الإعلانِ عن
الانتماءِ أكثرَ قيمةً من التظاهرِ بالحيادِ. والكتابُ يُقدّمُ رؤيةً إسلاميةً
واعيةً، تستندُ إلى نصوصٍ شرعيةٍ وتراثٍ تاريخيٍّ، وهذا يُعطيه قوةً ومصداقيةً في
مخاطبةِ الجمهورِ المسلمِ الذي يبحثُ عن إجاباتٍ في إطارِه المرجعي. كما أن
النبرةَ الدفاعيةَ هي ردٌّ فعلٌ طبيعيٌّ على عقودٍ من الهجومِ الاستشراقيِّ على
الإسلامِ والمسلمين، وهي جزءٌ من مشروعِ المواجهةِ الفكريةِ الذي يتبناه الكاتبُ
بكلِّ وضوحٍ.
ثالثاً: حول كثرة الاستشهاد بإدوارد سعيد وبرنارد لويس
قد
يلاحظُ القارئُ كثرةَ الاستشهادِ بإدوارد سعيد وبرنارد لويس في ثنايا الكتاب. لكن
هذا يعكسُ واقعَ الحالِ في الدراساتِ الاستشراقيةِ نفسِها. فسعيد ولويس هما قطبان
أساسيان في هذا المجال: سعيد كمفكّرٍ ناقدٍ للاستشراق، ولويس كمستشرقٍ مؤثرٍ في
السياسةِ الأمريكيةِ. ولا يمكنُ دراسةُ الاستشراقِ الأمريكيِّ المعاصرِ دونَ
الرجوعِ إلى هذينِ الرمزين، لأنهما يمثلانِ الجانبينِ المتقابلينِ في الصراعِ
الفكريِّ حولَ الإسلامِ في الغرب. كما أن الكتابَ لا يعتمدُ عليهما فقط، بل
يستشهدُ أيضاً بجيل كيبل، وجون اسبوزيتو، ودانيال بايبس، ومارتن كريمر، وعددٍ
كبيرٍ من الباحثين والمفكرين، بالإضافةِ إلى التقاريرِ والوثائقِ التي ترجمَها.
وإذا كان الاعتمادُ على سعيد ولويس يبدو كثيفاً في بعضِ المواضع، فهذا يعكسُ
دورهما المحوريَّ في تشكيلِ الخطابِ الاستشراقيِّ والردودِ النقديةِ عليه.
الخلاصة: هذه التساؤلاتُ، رغم
أهميتِها، لا تُقللُ من قيمةِ الكتابِ، بل تُظهرُ أن مطبقاني يكتبُ من موقعِ
الانتماءِ الفكري والصدقِ المنهجي، وليس من موقعِ الحيادِ الوهمي. والكتابُ، كما
يُوضحُ عنوانُه، هو "بحوث" نقديةٌ وليست "دراسةً" محايدةً،
وهذا يُحددُ طبيعتَه ويُبررُ اختياراتِه. وهو في النهايةِ جهدٌ علميٌّ كبيرٌ،
يُسهمُ في تفكيكِ الخطابِ الاستشراقيِّ، ويفتحُ آفاقاً جديدةً للباحثينَ
والمفكرينَ المسلمينَ لمواجهةِ التحدياتِ الفكريةِ برؤيةٍ واعيةٍ وأدواتٍ معرفيةٍ
متكاملةٍ.
كيف
يتكاملُ هذا الكتابُ مع رؤيةِ الدكتور مازن مطبقاني ومشروعه؟
يُمكن
وضع هذا الكتاب في سياق ثلاثية فكرية للدكتور مازن مطبقاني:
·
نقد الغرب:
في كتبه مثل "الغرب في مواجهة الإسلام" و"صور من حياة المرأة في
الغرب"، حيث يكشف تحيزات الغرب وانحلالاته.
·
تقديم بديل شرقي:
في كتابه "رحلاتي إلى مشرق الشمس"، حيث يقدّم نماذج شرقية ناجحة في
النهضة مع الحفاظ على الهوية.
·
الدعوة إلى الاستغراب:
في هذا الكتاب، الذي يُمثل ذروة مشروعه، لأنه يجمع بين نقد الاستشراق ودعوة دراسة
الغرب، ويُقدّم رؤية استراتيجية للمواجهة.
وإذا
نظرنا إلى هذا الكتاب في سياق مشروع مطبقاني العام، نجد أنه يُشكّل العمود الفقري
لرؤيته الفكرية. فكتاباه الآخران يُقدّمان نقداً اجتماعياً للغرب ونموذجاً شرقياً
بديلاً، بينما يُؤسّس هذا الكتاب للمواجهة المعرفية الاستراتيجية، ويدعو إلى إنشاء
أدوات علمية لدراسة الغرب، ويُقدّم نموذجاً عملياً لكيفية نقد الاستشراق وكشف
تحيزاته. وبهذا، تتكامل الكتب الثلاثة لتُشكّل مشروعاً فكرياً متكاملاً، يجمع بين
النقد والبديل والمواجهة.
دعوةٌ للتحرك: توصياتٌ عمليةٌ لا مجردَ تحليل
لا
يكتفي مطبقاني بالنقد، بل يُقدّم توصيات عملية، منها:
·
إنشاء أقسام وكليات للدراسات الأوروبية والأمريكية في
الجامعات الإسلامية، لتكوين كوادر متخصصة في دراسة الغرب.
·
تعزيز التعاون بين الجامعات العربية والإسلامية
لتبادل الخبرات والموارد.
·
الاستفادة الحقيقية من منح فلبرايت وغيرها من البرامج
التبادلية، مع ضمان أن تكون هذه البرامج في خدمة المصالح الإسلامية.
·
تفعيل الاتفاقيات بين الجامعات العربية والأمريكية
لجعلها أكثر فائدة للجانب العربي.
·
إنشاء مراكز للدراسات الأمريكية والأوروبية في العالم
الإسلامي، لتكون منابر للتعريف بالإسلام وتصحيح الصورة النمطية.
·
إعداد باحثين مسلمين متخصصين في دراسة الغرب، وتوفير
التمويل الكافي لأبحاثهم.
·
توجيه التمويل العربي بشكل صحيح، بدلاً من إهداره في
تمويل كراسٍ استشراقية معادية.
هذه
التوصيات تُظهر أن مطبقاني ليس مجرد "ناقد"، بل هو رجل عمل يسعى إلى
تغيير الواقع، وليس فقط تفسيره. وهو يُقدّم خريطة طريق عملية للمسؤولين والمفكرين
والأثرياء، ويُظهر أن المواجهة مع الغرب تتطلب استراتيجية متكاملة، تبدأ بالمعرفة
وتنتهي ببناء المؤسسات.
كتابٌ يُخلّدُ مرحلةً ويُوثّقُ موقفاً
يُعدّ
الكتاب وثيقة تاريخية تُسجّل مرحلة مهمة من تاريخ الاستشراق الأمريكي، خاصة ما بعد
11 سبتمبر، وتُوثّق ردود فعل الأكاديميين الأمريكيين على الهجوم المحافظ عليهم،
وتُظهر التحولات في الخطاب الاستشراقي وتأثيراتها على السياسة الخارجية الأمريكية.
كما يُسجّل جهود مطبقاني الشخصية في الدعوة لإنشاء دراسات استغرابية، ويُوثّق
رحلاته ولقاءاته مع المستشرقين، مما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين في تاريخ الفكر
الإسلامي المعاصر والعلاقات الإسلامية الغربية.
كما
أن الكتاب يُوثّق مرحلة مهمة من تطور التعليم في السعودية، من خلال تقرير سنايدر
عن تعليم البنات، ويُظهر دور الشركات الأجنبية في تشكيل المشهد التعليمي السعودي
في مراحله المبكرة، مما يُضفي على الكتاب قيمة تاريخية وأرشيفية فريدة.
مرآةٌ لتطورِ فكرِ المؤلف
يُظهر
الكتاب تطور فكر مطبقاني على مدى ثلاثة عقود. ففي الأقسام الأولى (مثل رحلة
برنستون) نرى باحثاً شاباً يكتشف عالم الاستشراق، ويُسجل انطباعاته الأولى. وفي
الأقسام اللاحقة (مثل تحليل الهجوم على الاستشراق بعد 11 سبتمبر) نرى باحثاً
متمرساً يُحلل الأحداث بعمق، ويُقدّم رؤى استراتيجية. هذا التطور يظهر في:
·
تطور المنهج: من السرد الرحلي إلى التحليل النقدي إلى
الدعوة الإصلاحية.
·
تطور النبرة: من الدهشة والإعجاب أحياناً إلى النقد
الحازم والثقة العالية.
·
تطور الرؤية: من نقد الاستشراق إلى الدعوة لإنشاء
بديل معرفي (الاستغراب).
هذا
التطور يُضفي على الكتاب بُعداً إنسانياً، ويُظهر أن مطبقاني ليس مجرد باحث، بل هو
مفكر تطورت رؤيته مع الزمن، ونضجت أفكاره، وأصبح أكثر قدرة على تحليل الظواهر
واستخلاص الدروس.
خاتمة
في
كتابٍ واحد، جمع المبارك الدكتور مازن صلاح مطبقاني بين رحلةِ الجسدِ إلى معاقلِ
الاستشراق، ورحلةِ العقلِ في متاهاتِ تحيزاته، ورحلةِ الروحِ في البحثِ عن بديلٍ
معرفيٍّ يحرّرُ الأمةَ من عقدةِ التبعية. لم يكتفِ بنقدِ الغربِ وسلبياتِه، بل
تجاوزَ ذلك إلى نقدِ الذاتِ العربيةِ والإسلاميةِ، وإلى تقديمِ رؤيةٍ استراتيجيةٍ
واضحةٍ لمواجهةِ التحدياتِ الحضارية، مزيجاً بينَ التراثِ الإسلاميِ الأصيلِ
وأدواتِ العلمِ الحديثِ وأساليبِ التخطيطِ المستقبلي.
ولم
يقفِ الكاتبُ عندَ حدودِ التشخيصِ والتحليل، بل مضى إلى التوصيةِ والعملِ، داعياً
إلى إنشاءِ دراساتٍ استغرابيةٍ، وتكوينِ كوادرَ وطنيةٍ، وتوجيهِ التمويلِ العربيِّ
بشكلٍ صحيح، وإلى إدراكِ أنَّ المعركةَ مع الغربِ ليستْ معركةَ سلاحٍ فقط، بل هي
معركةُ معرفةٍ وفهمٍ ورؤيةٍ، وأنَّ أقوى أسلحةِ هذه المعركةِ هو العلمُ الواعيُّ،
والانتماءُ الفكريُّ الواثقُ.
إنَّ
كتابَ "بحوثٍ في الاستشراقِ الأمريكيِّ المعاصر" ليسَ مجردَ أوراقٍ
بحثيةٍ تُقرأُ وتُنسى، بل هو مشروعٌ فكريٌّ متكاملٌ، وصرخةُ وعيٍّ في وجهِ العتمةِ
المعرفية، ووثيقةُ تاريخٍ تسجّلُ مرحلةً مهمةً من صراعِ الهويةِ والمعرفةِ في
العصرِ الحديث. وهو دعوةٌ مفتوحةٌ لكلِّ باحثٍ ومفكرٍ ومسؤولٍ ومثقفٍ، ليشاركوا في
بناءِ مشروعِ نهضةٍ معرفيةٍ، تستعيدُ للأمةِ ثقتَها بنفسِها، وتُحررُها من
تبعيتِها للآخر، وتُعيدُ لها دورَها الشهوديَّ في التاريخ.
وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد
لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تعليقات
إرسال تعليق