أيامي في جدة
أول ما يتبادر إلى
الذهن حين تذكر كلمة جدة عبارة (جدة أم الرخا والشدة) ومعركة جيم جدة، وبوابة
الحرمين وقد جئت جدة في وقت مبكر من عمري في الطريق إلى الحج ولكن دون المكوث فيها
طويلاً حتى كانت البعثة للدراسة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد التخرج في
الثانوية العامة
جئت إلى جدة
برفقة الزميل حسين عبد الله أبو الطاهر ونزلنا في فندق الحرمين في منطقة باب شريف فكان
الفندق أول منزل نراه بعد بيوتنا في المدينة المنورة فكأننا انتقلنا من عالم إلى
عالم من حيث عدد الأدوار وتصميم الغرف وغير ذلك. كما كان علينا أن نراجع السفارة
الأمريكية للحصول على التأشيرة اللازمة والحصول على التذاكر والاتصال بشركات
الطيران المختلفة.
ومما أذكر من تلك الزيارة القصيرة
شارع المدينة المنورة الذي يمتد من وسط جدة حتى طريق المدينة المنورة وكان في أجزاء
منه محاط بالشجر وكان شارعاً كبيراً بالنسبة لشوارع المدينة المنورة فكنّا نظن
أننا خرجنا من المملكة أو إن المدينة المنورة بشوارعها الضيقة والقصيرة كانت هي كل
عالمنا في ذلك الوقت.
وشاء الله أن نغادر جدة إلى
الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة دراسية عام 1388ه(1968م) وأن أعود إليها عام
1393ه(1973م) وكانت عودتي إلى المملكة دون الحصول على شهادة جامعية ولكني أتقنت
اللغة الإنجليزية، فكان أول وظيفة لي هي العمل مترجماً في صحيفة المدينة
المنورة ولم أستمر في العمل أكثر من أسبوعين لخلاف بين مدير عام المؤسسة الشيخ
عثمان الفضل ورئيس التحرير العم عثمان حافظ (رحمهما الله) وكان مكتبي في غرفة رئيس
التحرير مع مدير التحرير الدكتور محمد صلاح الدين رحمه الله وشخص ثالث لم أعرفه
ولكن كأنّه كان الرقيب. وفي هذين الأسبوعين خربشت خاطرة وأطلعت عليها الأستاذ سباعي
عثمان رحمه الله ولم يكن يعرفني فطلب أن اكتب اسمي عليها ونشرت وهي
فذلكة: هذه أول مرة أرى اسمي مطبوعاً في صحيفة
عربية ولم أكن كتبت قبلها حرفاً يستحق النشر ولم يظهر أن عندي موهبة عندما كنت في
الثانوية بل لم أحصل على أكثر من 7 من عشرة في الإنشاء، بينما ظهرت مواهب كثير من
الناس من المتوسطة، ولكن لكل شيء أوان
وإليكم المقالة:
الفكر والزمن الحركة
"المدينة المنورة" العدد 2884
الأحد 26 شعبان 1393هـ الموافق 23 سبتمبر 1973م
لماذا
يحاول البعض إيقاف ساعة الزمن والنظر إليها طويلاً يحدقون فيها، في كل عقرب، في كل
رقم، وينصتون بانتباه شديد إلى كل صوت بسيط يعلن مرور الثانية ثم الدقيقة ثم
الحركة الطويلة معلنة فوات ساعة... إنهم إذاً لا يوقفونها ... بل هم وفقوا أمامها
مكبرين قدرتها على الحركة ومقدرين عجزهم عن إيقافها. نعم حتى ولو حاولوا تهشيمها
فإنها ستتحرك حتى ولو حاولوا تهشيمها فإنها ستتحرك حتى ولو لم يروا هم هذه الحركة.
فغيرهم يراها وغيرهم كثير...فعندما قال أحدهم " إنك لا تدوس نفس النهر
مرتين" فالنهر يتغير.. إنه ليس نفس النهر من لحظة لأخرى وأنت لست أنت من لحظة
فإذا
قام النهر بتغيير نفسه لحظياً فهل باستطاعة الساعة عمل ذلك؟ ...
قل إننا نحن نتغير، فكيف يحصل
التغيير. أهو التغيير في الجوهر أم المظهر، أم أن كلاهما يتغير؟..
تساؤلات تتوالى فإذا فرضنا أن
التفكير يسبق العمل تبادر إلى ولكن التفكير هو النهر الذي لا تراه مرتين.. وهناك
الظروف التي ترمي الإنسان ليعمل قبل أن يكون له الخيار فيما يعمل، وإلّا لفاتت
عليه فرصة أن يفكر، فرصة أن يعمل
ثم كانت الخاطرة الثانية
المدينة المنورة العدد 2886
الثلاثاء
28/8/1393هـ الموافق 25/9/1973م
يجري
العالم في أكثر من طريق، ثم نقول يجري العالم في طريق واحد، بعضه مع التيار وبعضه
يجري عكسه، والبعض الآخر يقف على الجوانب لينظر إلى أولئك الذين يسيرون مع التيار
أو عكسه.
لا
تظن أن هذه الطريق يتسع لهم جميعاً بحيث لا يحصل الاصطدام أو يسهل على المتفرج أن
يقف ويبلغ مرماه.
إنه
طريق ضيق أشبه بأحد الأزقة القديمة التي لا ترى أرضه كثيراً من أشعة الشمس، وليس
فيه غاية العقل فربما دفعت إحداهن بنفايات بيتها على الطريق... لا تنظر إلى الأعلى
ولا إلى الجوانب فإنك لن ترى شيئاً
وبعد أيام تشجعت وكتبت مقالة طويلة بعنوان
(عندما تصبح القيم فريسة للمادة) وقد استغرقت نصف صفحة من الصحيفة نفسها ونشرت في نشرت
في العدد (2888) في 30 شعبان 1393هـ الموافق 27سبتمبر 1973م.
وتوقفت عن النشر في صحيفة المدينة
المنورة لأنني خرجت من العمل ولم أكن أصبحت كاتباً ولكني تشجعت فكتبت إلى مجلة
المجتمع الكويتية عام 1394هـ(1974م) مقدماً المقالة بهذه الرسالة التي جعلوها
جزءاً من المقالة
"شاء الله -عز وجل-أن أحصل على بعثة
دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فذهبت إلى هناك ومكثت خمس سنوات مكنتني أن
أشاهد الحضارة الغربية وهي في تمامها، ونقصان الشيء في تمامه. وقد توصف بأبعد من
هذا بأنها كالجذع الذي حطمته الديدان من داخله، ولكن مظهره الخارجي ما زال قويّـاً
وما هو إلا عامل الزمن حتى يتهاوى هذا الجذع، والسبب الرئيس لهذا الانهيار هو غيبة
الدين وانقطاع الصلة بالخالق".

وفي أثناء إقامتي في جدة في منزل عمي
الدكتور حامد المطبقاني كان هناك معاملة لتوظيفي في الخطوط السعودية وكانت المعاملة
تستغرق وقتاً غير عادي ولكني في تلك الأثناء كنت أقضي الوقت بالقراءة المتنوعة
ولكن كان التركيز على كتب الثقافة الإسلامية من كتب الحل الإسلامي فريضة وضرورة
وكتب الشيخ محمد الغزالي وكتب سيد قطب ومحمد قطب وغيرها من الكتب الإسلامية وكنت
أحتفظ بدفتر أدون بعض ملاحظاتي من هذه القراءات.
وأخيراً التحقت بوظيفة مساعد إداري في الخطوط
السعودية وفي أثناء الكشف الطبي وعند فني الأشعة سألني ما شهادتك فأخبرته أنني لم
أكمل التعليم الجامعي فقال لي بسرعة (الفاشلون يأتون للعمل في الخطوط السعودية)
ولم تمض أشهر حتى التحقت منتسباً بقسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة وقد كنت مضطراً لدراسة التاريخ لأن الفرصة
دراسة اللغة الإنجليزية أو علم الاجتماع أو الإدارة والاقتصاد فهربت من الأخيرة
لوجود محاسبة ورياضيات ولم أعرف شيئاً عن علم الاجتماع أما اللغة الإنجليزية فلم
أرغب أن أصبح مدرس لغة إنجليزية.
كان من الكتب المقررة في قسم التاريخ كتاب
الدكتور حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي
وحين بدأت دراسته تذكرت أنني كنت أقرأ في كتاب الدعوة إلى الإسلام للمستشرق
توماس آرنولد الذي ترجمه حسن إبراهيم حسن فوجدت مواضع في الكتاب تستحق الانتقاد
كما لاحظت أنه أخذ بعض أفكار أستاذه دون توثيق (أي انتحلها) فكتبت بضع ورقات ثم
ذهبت إلى أستاذي الدكتور جمال عبد الهادي فعرضت عليه الأوراق فتعجب من طالب في
السنة الأولى انتساب بقسم التاريخ ينتقد كتاباً منهجياً، واستمرت صلتي بالدكتور
جمال فعرف أنني نشرت مقالات في مجلة المجتمع الكويتية فقال لي توقف عن
النشر في هذه المجلة فإن أساتذتك إن علموا بذلك فلن تتخرج من القسم مطلقاً وكانت
المقالة الأخيرة (مسوّدة) بعنوان ( أمريكا تحتضر) وفعلاً توقفت عن النشر، ولكنها
أصبحت فيما بعد صفحات في كتابي رحلاتي إلى أمريكا
أما مقالتي عن كتاب الدكتور حسن إبراهيم
حسن فنشرتها في صحيفة المدينة المنورة وهي في المدونة ورابطها هو
https://mazinmotabagani.blogspot.com/2017/06/1-8-1972.html
وقسم التاريخ يدرس فيه عادة من لم يحصل على
درجات عالية أو لم يقبل في الأقسام الأخرى فيجتمع فيه مجموعة غالباً من الطلاب
الكسالى البلداء ويكون التدريس فيه ضعيفاً حتى في إحدى المواد كانت المذكرة من
عشرين صفحة والأساتذة في الامتحانات يسألون أسئلة اختيارية (أي أجب عن اثنين من
خمسة أسئلة أو حتى ستة) فإن درست ربع المادة فأنت ناجح ناجح بلا أدنى شك. ولكني كنت
بحاجة إلى الشهادة الجامعية لتحسين وضعي الوظيفي ولم يكن يدور في خلدي أنني سأواصل
لأحصل على درجة الماجستير وتكون طريقي للحصول على درجة الدكتوراه في الدراسات
الإسلامية عند المستشرقين.
تعليقات
إرسال تعليق