لـمـاذا أكتب؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، يمكننا أن نطرح أسئلة
أخرى وهي لماذا خُلِقْنا؟ وماذا فعلنا لتحقيق الهدف من وجودنا؟ وما مصيرنا؟
والإجابة عن هذه الأسئلة يعرفها كل مسلم، فقد خُلِقْنا لعبادة الله سبحانه وتعالى،
وواجبنا أن نحقق هذه العبودية في كل ما نفعله وما ندعه. أما مصيرنا فلا نقول فيه
ما قاله إيليا أبو ماضي في قصيدته الطلاسم التي يتساءل فيها من أين أتى وأين
المصير وما الهدف من وجوده… ولكنا نرجو رحمة الله ونخشى عذابه، ونرجو أن يتقبل
منّا صالح أعمالنا، وأن يتجاوز عن ذنوبنا.
إذن فنحن نكتب لأننا أوتينا موهبة، ولا بد أن نشكر الخالق- سبحانه وتعالى - على هذه الموهبة وعلى المنن الكثيرة، فقد منّ علينا بالخلق وبالصحة والعافية، وبالعلم ونقول مع الآية الكريمة: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم:34] ونحن نكتب لأن كلّ مسلم على ثغر من الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من ناحيته. ولنكن كأبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي قال: «الله الله أن يؤتى الإسلام وأنا حي» فقد جعل نفسه مسؤولاً عن هذا الدين.
ونحن نكتب لأن المسلم مكلف بنشر هذا الدين عملاً بقوله تعالى: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف:108] وقوله تعالى:(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ) [النحل:125]. وقولـه صلى الله عليه وسلم: (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها، فربّ مبلَّغٍ أوعى من سامع) وقولـه صلى الله عليه وسلم: (بلّغوا عنّي ولو آية). ومعلوم عندنا في الفقه الإسلامي قاعدة: «من تعلّم مسألة وجب عليه أن يعلمها».
ولا بد أن ندرك أن للكلمة
قوة أكبر من السلاح، وقد كانت دعوة الرسل والأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه - بالكلمة.
وما دامت الكلمة قوة وكما جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (المؤمن القوي
خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف). وهذه الأمة تواجه حرباً فكرية من الخارج،
كما تواجه حرباً فكرية من الداخل من أبنائها الذين تبنوا الفكر الدخيل. ولما أراد
العلمانيون والقوميون نشر فكرهم استخدموا كلَّ الوسائل لنشر هذا الفكر. وارجعوا إن
شئتم إلى كتاب الدكتور محمد محمد حسين - رحمه الله - «الاتجاهات الوطنية في الأدب
العربي الحديث» فسيذهلكم ضخامة الجهد الذي بذله أصحاب هذا الاتجاه الفاسد. ولا بد
أن يسركم أيضاً ما بذله دعاة الفكر الإسلامي.
فعندما ظهر طه حسين وسلامة جرجس موسى وأحمد لطفي السيد وعلي عبد
الرازق وكتبوا كثيراً محاربين للإسلام انبرى لهم مصطفى صادق الرافعي وضياء الدين
الريس ومحمود شاكر وحسن البنا ومحمد الغزالي وغيرهم كثير.
***
* ***
مــاذا أكتـب؟
الكتابة أنواع كثيرة فمنها القصة القصيرة،
والمقالة، والشعر، والبحث، والكتاب، وهناك ما يسمى السيناريو والحوار (وصف المنظر
الذي يقع فيه الحوار، وتفاصيل المنظر من ألوان وأصوات وغير ذلك). ومن الكتابة
الأعمال الصحافية المختلفة من إجراء الحوار، والتحقيق الصحافي، والخبر وغير ذلك من
فنون الصحافة.
أما اختيار شكل الكتابة فيعود إلى القدرات
والمواهب التي يمتلكها الكاتب، فقد يمتلك أكثر من موهبة فيكتب الشعر والقصة
والرواية والمقالة والبحث والكتاب. وأذكر هنا أن الدكتور نجيب الكيلاني - رحمه
الله - كتب الرواية والقصة والمقالة والبحث. والشيخ محمد المجذوب كتب القصة
والمقالة والشعر. وأحمد علي باكثير كتب أيضاً الشعر، والرواية، والمسرحية،
والدراسة. وكتب الشيخ عبد الحميد بن باديس المقالة والقصيدة. وقد أدرك أصحاب الفكر
المتغرب أهمية الكتابة فكتبوا الشعر، والرواية، والقصة، والمقالة، والكتاب. فنحن
أولى باستخدام كل أنواع الكتابة لنشر الفكر الصحيح.
والدعوة الإسلامية بحاجة إلى جميع أشكال الكتابة،
فقد استخدم القرآن الكريم القصةَ في الدعوة، فها هي قصة يوسف - عليه السلام - تمتلك
كل عناصر القصة من أشخاص وأحداث ونقطة ذروة وتشويق. وقد ذكر ذلك الدكتور عبد
العزيز قارئ في إحدى خطبه حول سورة يوسف - عليه السلام- عندما طالب الدعاة
باستخدام كل أجناس الكتابة الأدبية لنشر الدعوة الإسلامية.
إن السينما العالمية تنتج مئات الأفلام كل سنة
تحمل الفكر الغربي، ونحن بأمس الحاجة إلى كتاب القصة والسيناريو والحوار، كما نحن
بحاجة إلى كتاب القصة والرواية والتحقيق الصحفي والمقالة الصحفية وغيرها. فهل نترك
أبناءنا وأنفسنا ضحية للإعلام الغربي أو الشرقي المنحرف؟
***
* ***
كيف أكتـب؟
يمكن تقسيم هذا السؤال إلى شطرين:
أ- كيف نتعلم الكتابة؟
ب- كيف نكتب إذا تعلمنا؟
أما تعلم الكتابة فهناك الكثير من المصادر التي
تناولت هذه القضية، وأبدأ بذكرها وهي:
1- أدب الكاتب لأبي محمد عبد الله بن مسلم
بن قتيبة؛ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
2- صبح الأعشى في صناعة الإنشا لأبي العباس
أحمد بن علي القلقشندي، وبخاصة المجلد الأول.
3- جواهر الأدب» لأحمد عبد الحميد الهاشمي.
4- لجام الكتّاب لأبي تراب الظاهري.
5- «كبوات اليراع» لأبي تراب الظاهري.
وقد وجدت أن الكُتّابَ الأقدمين يؤكدون على
القراءة والقراءة والقراءة. فهم يرون أن الكتابة ليست مجرد القدرة على صياغة
الأفكار في مقالة أو قصة، ولكن الكاتب في نظرهم يكاد يكون علاّمة في معايير عصرنا
ذلك أن هممَنا ليست مثل هممهم. وممن تناول الإعداد للكتابة أحمد الهاشمي حيث يحدد
أن تعلم الكتابة يتطلب قراءة كتابات الأقدمين ومن ثَمّ تقليدها، وهذا في نظره أدنى
المراتب. ويمكن للكاتب أن يبدأ بالمزج بين أسلوب الأقدمين وأسلوبه الخاص. وأما
أصحاب الهمم العالية فإنهم يحفظون القرآن الكريم، وأحاديث المصطفى e ودواوين
فحول الشعراء، ويكتبون على غير منوال سابق.
وقد أكد الأستاذ محمد قطب على قراءة القرآن، فقد
سأله أحد الطلاب سؤالاً بعد إلقائه محاضرة في التربية الإسلامية. وكانت لغة السؤال
ركيكة، فقال للطالب: «يا بني اقرأ القرآن الكريم يستقم لسانك».
ونجد تفصيلاً للقراءة والعلوم التي ينبغي على
الكاتب الإلمام بها فيما كتبه ابن قتيبة، حيث ورد في كتابه ما نصّه: «ولابُدَّ له -مع
ذلك- من النظر في جمل الفقه ومعرفة أصوله من حديث رسول الله × وصحابته كقولـه: (البينة
على من ادعى واليمين على المدعى عليه، وجرح العجماء جبار، ولا وصية لوارث...)، ولا
بد له - مع ذلك- من دراسة أخبار الناس، وحفظ عيون الحديث ليدخلها في تضاعيف سطوره
متمثلاً إذا كتب».
وصاحب (صبح الأعشى) أراد من كتابه أن يكون دليلاً
لمن يعمل في ديوان الإنشا، فإذ به يُخرج لنا موسوعة تحتوي على معارف مهمة في
التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والأدب واللغة. فلله در علمائنا يعتقدون أن
الكاتب يجب أن يكون علاّمة، وهذا يتطلب همماً عالية. وأنقل هنا نصيحة من أحد
أساتذة أبي - رحمه الله -، حيث قال له: «إذا وجدت ورقة في الأرض فالتقطها وليس
عليك أن تقرأ كلَّ ما فيها؛ بل اقرأ أول كلمة من كل سطر فإن كانت ثلاثة أسطر تعلمت
ثلاث كلمات أو تعلمت كلمة في استعمال جديد لم تألفه».
ومن الكتب التي ينصح للمبتدئين أو حتى المتقدمين
في الكتابة بقراءتها ما يأتي: كتب مصطفى لطفي المنفلوطي، النظرات والعبرات،
ومجدولين أو تحت ظلال الزيزفون، وغيرها من كتب المنفلوطي، فقد عرف
عن المنفلوطي اهتمامه باللفظ الجميل المعبر. وينبغي قراءة كتب مصطفى صادق الرافعي
وبخاصة كتابه من وحي القلم فمن نصائح الدكتور أحمد الخراط أن تقرأ صفحة كل
يوم وبصوت مرتفع. فالرافعي صاحب أسلوب رفيع، يختار الألفاظ الجزلة والعبارات
الدقيقة، وفي كتاباته عمق. ولتقرأ للمازني، ولا تنس أن من الكتب التي تعلم الأخيلة
الجميلة والمعاني العميقة كتاب كليلة ودمنة، وكتب الجاحظ فهو من كتّاب
العربية الكبار مع بعض الانحرافات العقدية في بعض كتاباته.
والقراءة تحتاج إلى صبر وجلد، وحتى تنمو لديك هذه
الموهبة ابدأ بالقصص والروايات فإن أسلوب التشويق فيها والمتعة تمسك بك لتقرأ وتقرأ،
ثم تنتقل إلى الأنواع الأخرى من القراءات. والحمد لله أن توافرت في أيامنا هذه
الروايات الإسلامية الجيدة التي تضارع بل تتفوق على غيرها، ومن ذلك روايات الدكتور
نجيب الكيلاني - رحمه الله - وكتابات أحمد علي باكثير، وكتابات محمد المجذوب. أما
في الأيام التي تعلمنا فيها القراءة فكانت كتابات إحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ،
ويوسف السباعي، ومحمد عبد الحليم عبد الله. وهذه الكتب مليئة بالأفكار المنحرفة.
ومن تجاربي الشخصية أنني أمضيت ثماني ساعات أقرأ قصة سجين زندا أو رجل
الطيور في سجن ألكتراز -وكانت باللغة الإنجليزية- كما قرأت بتلك اللغة كتابات
تشارلز ديكنز وهرمان هيسه. وبعد أن تتعود القراءة الأدبية تدخل إلى القراءات
الجادة التي تحوي الدراسات وقد لا تجد متعة إلاّ في الدراسات والبحوث.
ومع القراءة يجب أن تحرص على البحث عن وسائل
المعرفة الأخرى مثل السفر، فقد قالوا كثيراً في السفر، منها قول أحدهم: سافر ففي
الأسفار سبع فوائد.... وقول الآخر سافر تجد عوضاً عمن تفارقه .... وبالإضافة إلى
السفر فهناك وسائل الإعلام المختلفة مثل الإذاعة والتلفاز والاختلاط بالناس ومعرفة
همومهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم.
أما الكتابة الفعلية فتتطلب إعمال الذهن فيما تريد
أن تكتب، فإما أن نكون قد أعددنا في أذهاننا ما نريد قوله كما جاء في قول عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - يوم سقيفة بني ساعدة، حيث قال: «زورت في نفسي كلاماً أريد
أن أقولـه فتكلم أبو بكر الصديق فقال كلاماً أحسن مما زورت». (لله درهم كيف تكون
المحبة)، فهنا ما أن يلامس القلم الورقة أو تبدأ لمساتنا على مفاتيح الحاسوب حتى
تتوالى الأفكار. وقد تكون لدينا فكرة موجزة ولكننا لا نعرف التفاصيل، وهنا لا
ينبغي أن ننتظر حتى تكون الفكرة كاملة في أذهاننا حتى نكتب. وينقل أبو العينين في
كتابه الكاتب والأفكار عن أحد الغربيين (هوايتهد) قوله: «أما ضرورة الكتابة
المستمرة والتعبير الصوتي فهما من حوافز ملكة التفكير بين أصحاب المهن الحرة وكبار
القراء». ويضيف أبو العينين: «وكثيراً ما يبدأ الكاتب كتابته عن موضوع من
الموضوعات وهو لا يذكر شيئاً بالذات يريد كتابته أو هو يذكر شيئاً ولكنه غير واضح
في ذهنه، ولكن عندما يبدأ في الكتابة يبدأ في التفكير الجدي فتسعفه الأفكار
وتتداعى المعاني في ذهنه ويسيل لعاب القلم بما يغريه في الاستمرار في الكتابة
فيكتب ويكتب، والكتابة تغري بالكتابة». (ص15).
ومن التجارب الشخصية في هذا المجال أنني كنت أمرُّ
قريباً من ساحة موقف حافلات الحجاج (مركز تفويج الحجاج في المدينة المنورة) فخطرت
لي عبارة (حافلات على مد النظر أو على مد البصر) فدونتها في ورقة - وما كنت بحاجة
لذلك- وبعد أيام جلست إلى مكتبي فكتبت مقالة من صفحتين حول هذا الموضوع. وفي مثال
آخر أنني كنت أستمع لإذاعة لندن فلفت انتباهي برنامج عن الكتب، فدونت ما قيل عن
الكتاب والمؤلف. وبعد أيام كتبت مقالة عنونها محرر الصفحة الإسلامية بجريدة المدينة
المنورة (آه منك يا إذاعة لندن)، وجاءني تعليق على المقالة من الأستاذ عارف
الحجاوي -المشرف على قسم المنوعات - بعد ثلاثة أيام فقط.
وأما الشيخ إبراهيم سرسيق الذي كان مشرفاً على
الصفحة الإسلامية بجريدة المدينة المنورة فكان لا يكتب مباشرة، بل يضع الفكرة في
قصاصة صغيرة ويتركها عدة أيام حتى تختمر الفكرة في ذهنه وتستوي أو تنضج ثم يكتبها،
ويبدأ بعد ذلك بالمراجعة والتنقيح.
أما العملية الفعلية للكتابة، فيقول عنها الهاشمي في
(جواهر الأدب) أن أركان الكتابة أربعة:
1- حسن المطلع، ويقول: «فإن الكاتب من أجاد المطلع
والمقطع» وقد قرأت عن المقالة الصحفية أن الجملة الأولى هي المقالة كلها. فإن عرف
كيف يجذب الكاتب القارئ من أول جملة استطاع أن يشده لقراءة المقالة كلها.
2- الانتقال من معنى إلى معنى، فلا بد من جودة
الربط والتسلسل المنطقي في الانتقال من فكرة إلى فكرة، فكأنما الإنسان في بستان
ينتقل من روضة إلى روضة، أو من زهرة إلى زهرة.
3- اختيار الألفاظ والابتعاد عن العبارات
المستهلكة، وأضرب المثال ببعض هذه العبارات فمنها:
مما لا شك فيه ...والكل
يعرف... ولا شك أن ...ومن الجدير بالذكر…ومن الجدير بالملاحظة. فعلى الكاتب أن
يعرف كيف يختار ألفاظه ويضعها في الموضع المناسب. وكم من كاتب يستخدم الألفاظ
السهلة ولكنه يضعها في قالب جميل، فيضفي عليها من استعماله رونقاً وجدّة وجمالاً.
4- المراجعة أو التهذيب، وهو ما أطلق عليه
الأقدمون ترداد النظر فيما تكتب، وممن عرف بالمراجعة والتنقيح لما كتب زهير بن أبي
سلمى والنابغة الذبياني وغيرهما حتى أطلق عليهم شعراء الحوليات. فزهير كان يكتب
القصيدة في أربعة أشهر، ويعيد النظر فيها في أربعة أخرى، ثم يعرضها على أصدقائه في
أربعة ثالثة، ويعلنها بعد تمام الحول. وقد انتقدني أستاذي الشيخ إبراهيم سرسيق
بأنني لم أكن أراجع ما أكتب حينما كنت أمارس الكتابة في الصفحة الإسلامية بجريدة المدينة
المنورة. وعندما أرجع الآن إلى مقالاتي في تلك الأيام أجد أنها سيئة جدّاً من
حيث الصياغة فلا تقسيم للفقرات، ولا ترابط بين الأفكار أو غير ذلك. بل إنني أجد أن
بعض المقالات الجيدة كانت مقدمتها طويلة أو أنني أقحمت في مقالة ما أفكاراً لا
علاقة لها بالموضوع وغير ذلك من الانتقادات.
ومما يدعو إلى الإجادة في الكتابة أن تشعر في كل
مرة وأنت تكتب أنك تكتب للمرة الأولى، فإنني أجد هذا الشعور كثيراً، وكما قال لي
أحدهم بأن هذا يدعوك إلى الإجادة في الكتابة. ومما يضاف هنا أن الإنسان لا يستغني
عن مشورة من هو أعلم منه أو حتى من أقرانه، فابحث عمن يقرأ لك. فقد كان علماؤنا
يقرأون على أقرانهم وعلى تلاميذهم. والكتابة تعلم كما هي موهبة. ومما يذكر بالخير
للدكتور الشيخ عبد الله الرحيلي أنه عندما كان مديراً للمعهد العالي للدعوة طلب من
الأستاذ الدكتور أحمد الخراط أن يقدم دورة في اللغة العربية للمعيدين والمحاضرين،
وحث الدكتور عبد الله الجميع على الالتحاق بهذه الدورة التي استمرت أربعة أشهر،
وتضمنت الدورة دراسة نص من القرآن أو الحديث أو أبيات من الشعر، حيث كنا نقوم
بإعراب النص إعراباً كاملاً ونستخرج منه القواعد النحوية والإملائية والأسلوبية.
وما زلت حتى اليوم -بعد أن أصبحت كاتباً محترفاً- أعود إلى الدكتور الخراط ليقرأ
ما أكتب. وهذه المحاضرة عرضتها في صياغتها الأولى على زميل في كلية الدعوة
فانتقدها نقداً شديداً جعلني أعيد صياغتها من جديد حيث لم تكن أفكارها مرتبة ولم
أراع فيها حسن الانتقال من فكرة إلى فكرة.
واحرص عندما تكتب أن تكون مقبلاً على الكتابة، فلا
تكتب إذا شعرت بالملل والضجر. وقد تستطيع أن تتغلب على مثل هذا الشعور إذا عوّدت
نفسك على الكتابة المستمرة، ونقل الشيخ عبد الله أبو العينين عن كتاب ديل كارنيجي
في كتابه الخالدون أن برنارد شو كان يكتب خمس صفحات يوميّاً، حتى لو لم يكن
لديه ميل للكتابة. ومما يذكر عن علمائنا أنهم كانوا يكتبون الكتاب في جلسة واحدة
أو في ليلة واحدة أو أثناء الحج أو غير ذلك، وقد كتب ابن تيمية الرسالة
التدمرية في وقت قصير. وقد كتبت كتابي الغرب في مواجهة الإسلام في خمسة
أيام (من 5إلى 9 ذي الحجة 1409هـ).
ومما يروى عن نجيب محفوظ أنه يلزم نفسه بالكتابة
يوميّاً، فيبدأ في وقت مبكر من النهار فيكتب ويكتب.
ومما يعد جزءاً من الإجابة عن هذا السؤال أنك إذا
أردت أن تكتب فلا بد أن يكون لديك شيئاً تقوله. فكما قال الشاعر:
فإن لم تجد قولاً سديداً
تقوله فصمتك عن غير السداد ســداد
وما زلت أذكر حينما كنت منتسباً لورشة الكتّاب
بجامعة أريزونا عام 1392هـ قول أحد الزملاء: «إنني إذا لم يكن لدي ما أقوله فلن
أكتب شيئاً». ولا بد أن نذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «قل خيراً وإلاّ
فاصمت». وعلينا أن نعرف أن «ليس كل ما يعرف يقال». وثمة حديث شريف: (كفى بالمرء
كذباً أن يحدث بكل ما سمع). ونهى رسول الله عليه الصلاة والسلام عن قيل وقال وكثرة
السؤال.
والأمر الذي يميز الكاتب المسلم عن غيره هو الصدق في الحديث، فهو يعلم أن كلَّ كلمة يقولها محسوبة عليه (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18]. والصدق خلق أصيل في المسلم فكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، ولا بد أن نتذكر قول الرسول × بأن العبد يقول الكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً فيرتفع بها درجات، وإنه ليقول الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فتهوي به في النار سبعين خريفاً. أو كما قال عليه الصلاة والسلام
ومما يحدث عندما نبدأ طريقنا في الكتابة أن تغرينا
الشهرة والأضواء فنقول كلاماً لا نعتقده، أو نعتقد عكسه فنقع في سخط الله - عز وجل
- كما قال صلى الله عليه وسلم: (من أرضى الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط
عليه الناس، ومن أسخط الناس في رضوان الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس).
*** * ***
تعليقات
إرسال تعليق