بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
عشت زمناً طويلاً مع الاستشراق الإنجليزي
والأمريكي وغيرهما من خلال اللغة الإنجليزية أو المؤتمرات التي عقدت في دول
أوروبية مختلفة وكانت لغة المؤتمر هي الإنجليزية تعرفت إلى أعلام ومدارس ومؤسسات
وموضوعات ونشاطات الاستشراق المختلفة وأهدافه ومخططاته في تلك الدول، ولكن لم تتح
لي الفرصة أن أتعرف إلى الاستشراق الإسباني أو الاستعراب أو الدراسات العربية
والإسلامية في إسبانيا.
وها هو الأخ الدكتور يونس المرابط يتيح لي
الفرصة أن أقرأ حول الاستشراق أو الاستعراب الإسباني فتعرفت إلى نشأته وأهدافه
ومؤسساته ونشاطاته وبعض خصائصه وبعض عيوبه ومن ذلك ما يشترك الاستشراق الإسباني مع
غيره في الدول الأوروبية وأمريكا وما يختلف عنه مما يفتح أمام القارئ أو طالب
الدراسات العليا أو الباحث آفاقاً واسعة لمزيد من البحث والدراسة.
لقد أبحرت مع الدكتور يونس في كتابه الماتع
الجميل والعميق في الاستعراب أو الدراسات العربية والإسلامية في إسبانيا وعرفت كيف
أن الوجود الإسلامي ما يقارب الثمانية قرون هناك كان من أكبر المحركات للإسبان أن
يتعرفوا إلى التراث العربي والإسلامي وكذلك التعرف إلى العالم العربي والإسلامي في
أوضاعه السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
لا شك أن الإسبان لهم مزايا وخصائص لا
يشترك معهم فيها غيرهم من الأوروبيين والأمريكان ومن أبرزها الوجود الإسلامي الذي
امتد طويلاً في جزيرتهم ولا تزال آثار هذا الوجود شاهداً على ذلك ليس العمرانية
فقط من مساجد ومباني وغيرها من آثار مادية تتمثل في المكتبات التي تحوي كثيراً من
المخطوطات، ولكن الوجود المعنوي والفكري الذي لا تزال آثاره ماثلة في حياة الإسبان
ولغتهم.
وأنقل فقرة من كتاب الدكتور يونس توضح تميز
الاستشراق الإسباني بقوله
" لقد
تميزت إسبانيا عن غيرها من
الدول الأوربية الأخرى،
بأنها كانت سباقة
إلى الاحتكاك بالعرب والاستفادة من حضارتهم وثقافتهم، مما جعلها
تتبوأ مكانة خاصة في ميدان الاستعراب بصفة
عامة، كما أن اهتمام الإسبان اتجه بالدرجة الأولى إلى دراسة
الثقافة والفكر العربي الإسلامي الذي أنتجته العبقرية الأندلسية،
فأدوا للترا ث العربي
والإسلامي خدما ت لا تنكر
سواء بأبحاثهم ودراستهم
الجادة، أو بتحقيقاتهم للتراث الأندلسي واكتشاف مصادره ونفض غبار الإهمال عن
كثير من المؤلفات المهمة
التي لولاهم ما رأت النور؛ كما قاموا بوضع فهارس يستفيد منها الباحثون والمهتمون
بالترا ث الأندلسي"
أعتقد أن الإسبان لم يختلفوا عن الدول
الأوروبية والأمريكية في استقطاب بعض الطلاب العرب للدراسة في جامعاتهم وتقديم
البحوث العلمية التي تخص بلادهم كما تفعل الدول الأوروبية الأخرى، ولكنهم ربما لم
ينافسوا غيرهم وبخاصة الإنجليز والأمريكان وبعض الدول الأوروبية الأخرى التي كانت
أكثر نشاطاً في تقديم المنح وفي إنشاء المراكز الثقافية والجامعات في الدول الأخرى
حيث تقوم سفارات الولايات المتحدة بكثير من نشاطات المراكز الثقافية وكذلك
الجامعات الأمريكية ففي دول الجزيرة العربية أكثر من خمس جامعات أمريكية في الكويت
وفي الشارقة وفي دبي وفي غيرها وربما دون الاسم. بينما يقوم المجلس الثقافي
البريطاني بدور كبير في نشر الثقافة الإنجليزية وفي استقطاب أبناء البلاد العربية
الإسلامية للالتحاق بالجامعات البريطانية، وللألمان نشاطهم في هذا الجانب حتى إنهم
افتتحوا جامعة في القاهرة قبل سنوات.
فهل غاب عن الاستشراق الاسباني هذا النشاط
فلا مراكز ثقافية (يمكن في بعض الدول القريبة من إسبانيا كالمغرب مثلاً) ولا منح
دراسية ولا محاضرين ولا محاضرات من إسبانيا.
لقد قدم الدكتور يونس جهداً مباركاً في
الحديث عن الاستعراب أو الاستشراق الإسباني فبذل جهداً مباركاً والأمل أن يتوجه
باحثون آخرون لإتمام هذا الجهد الكبير في دراسة كتابات وأعمال أعلام الاستشراق
الإسباني ومؤسساته التي قدّم المؤلف نماذج منها في هذا الكتاب القيم.
وإنني إذ أقدم هذا الكتاب أسأل الله لمؤلفه
التوفيق والسداد والرشاد وأن يواصل هذا الدرب الطويل في معرفة الاستشراق أو
الاستعراب الإسباني وأن يسود في أوروبا وإسبانيا بخاصة إدراك عظمة الإسلام في
عقيدته وشريعته وثقافته وفكره ولا أقول ينتهي العداء للإسلام كلياً ولكن أن يكون
ديناً مفهوماً بحق وأن تكون رسالته التي هي رحمة للعالمين واضحة وغير مشوهة وأن
يدرك الإسبان وغيرهم من الشعوب الأوروبية أن الذين بنوا الحضارة الإسلامية قديماً
هم سلف هذه الأمة القادرة بإذن الله على أن تعود لقيادة البشرية نحو العدل والحق
والسلام.
مازن المطبقاني
الرياض في 25شوال 1441
الموافق 17 يونيه 2020م
تعليقات
إرسال تعليق