عقدت اللجنة الدعوية بهيئة الإغاثة الاسلامية
العالمية بالمملكة العربية السعودية -فرع المدينة المنورة دورة مكثفة في الاستشراق
وكُلّفت بتقديم هذه الدورة. وبعد مضي عدة أيام جاءني أحد الطلاب قائلاً: "إن
أحد المشايخ يقول بأن دراسة الاستشراق غير ضرورية، وهي من باب إثارة الفتن ونشر
الشبهات." قلت له عجيب أمر شيخك هذا كأنه لا يعرف ما يجري في العالم. إن
الإعلام الغربي وهو المسيطر على وسائل الإعلام العالمية صحافة وتلفازاً وسينما
وإذاعة هو الذي ينقل صورة الاسلام إلى العالم بطريقة فيها كثير من التشويه
والاختلاق والكذب. فهل ينبغي للأمة الاسلامية أن تبقى غائبة عن ساحة هذه الإعلام
لهذا السبب. وقد تكونت هذه الصورة في أقسام الدراسات العربية الاسلامية في الجامعات
الغربية وفي مراكز البحوث.
وإذا كان علينا أن نهمل دراسة الاستشراق فليسأل الشيخ الفاضل نفسه لماذا
ينفق الاستشراق كل هذه الجهود لدراسة الاسلام فيخصص آلاف الباحثين وينشر آلاف
الكتب ويطبع العديد من الدوريات للحديث عن الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخاً، ويعقد
مئات المؤتمرات ويقدم المنح لأبناء المسلمين للدراسة والحصول على الشهادات العليا
من جامعاته؟ هل يفعل الغرب من أجل ترف المعرفة أم انه يقصد الى بسط نفوذه وسيطرته
على الأمة الاسلامية؟
وهنا تذكرت حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي جاء فيه كان الناس
يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
وقد قدّم القرآن الكريم قصص عدد من النبيين والرسل مع أقوامهم فكانت دعوة الرسل
جميعاً الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الطاغوت مهما كان حجراً أو بشراً.
وكانت دعوة الرسل أن الله عز وجل هو المشرّع لعباده، وكان الرسل يأتون بمنهج كامل للحياة.
واوضح القرآن الكريم مواقف أعداء الرسل من أقوامهم واوضح أقوالهم في الرسل وفي
رسالاتهم.
ولما رجعت الى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم بحثاً في مادة "قال" وجدت أنها تجاوزت المئات وبخاصة كلمة (يقولون). وأقدم فيما يأتي نماذج لهذه الآيات
ليدرك هؤلاء أن القرآن الكريم أتي أحياناً بما قالته اليهود عن الله سبحانه وتعالى
رغم سوء ما قالوا وفظاعته :{وقالت اليهود
يد الله مغلولة، غُلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان}(المائدة 64)
وفي آية أخرى زعم النصارى واليهود زعما باطلا: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء
الله وأحباؤه} (المائدة 18). وأورد القرآن على لسان اليهود والنصارى كثيراً من
مزاعمهم {وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة}.
وليس هذا فحسب فقد جاء في القرآن الكريم وصف هذه الأمة بأنها أمة الشهادة
والأمة الوسط وذلك في قوله تعالى{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على
الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} حيث يقول القرطبي رحمه الله تعالى في
تفسيرها:" أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله باسم
العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولاً مكاناً وإن كنّا آخراً
زماناً"(القرطبي ج2 ص153) ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى حول هذه
الآية:" إن هذه العقيدة منهج حياة كامل، وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة
المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة الشهيدة على الناس المكلفة بأن تقود
البشـــــــرية إلى الله ... .. وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة هو الذي يمنحها
هذا التميز في الشخصية والكيان، وفي الأهداف والاهتمامات في الراية والعلامة، وهو
الذي يمنحها مكان القيادة التي خلقت له وأخرجت للناس من أجله. وهي بغير هذا المنهج
ضائعة في الغمار مبهمة الملامح مجهولة السمات، مهما اتخذت من أزياء ودعوات
وأعلام."
(الظلال ج
1ص129)
ومسؤولية الشهادة تتطلب من الأمة ان تكون واعية
مدركة لما يحدث في العالم من احداث وما يعج فيه من مذاهب وأفكار. وها هو القرآن
الكريم يعرض للمسلمين تفاصيل واسعة عن الأمم السابقة من النواحي العقدية
والاجتماعية والسياسية والثقافية؟
ويؤكد مسؤولية هذه الأمة أن تعرف الاستشراق ان الغرب يرى نفسه المؤهل
لقيادة البشرية وان على الأمم أن تقتفي أثره حتى إن الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد
نيكسون يزعم في كتابه انتهزوا الفرصة ان على امريكا أن لا تفرط في فرصة
قيادتها للبشرية. ويقول الرئيس الأمريكي الحالي بان النظام الأمريكي هو النظام
الأمثل الذي على الأمم أن تحذو حذوه. حتى إن حرب الخليج الثانية (هكذا يسمونها، بعد
احتلال العراق للكويت) صرحت صحافتهم أنه آن الأوان لتطبيق الديموقراطية الغربية في
البلاد العربية وسيبدؤون بالكويت بعد تحريرها.
فإلى متى نظل جاهلين بتخطيط الغرب ومؤامراته بحجة ان هذه فتنة وشبهات ينبغي
أن نسكت عنها، ولو كان الأمر كذلك لما حاجج السلف الصالح رضوان الله عليهم الخوارج
والشيعة والمعتزلة واليهود والنصارى ولما ظهر أمثال ابن حزم والبغدادي وابن تيمية
والغزالي وغيرهم. وقد تأكد أن الفكر الاستشراقي قد تغلغل إلى مناهج التعليم والى
حياة الأمة الإسلامية منذ ظهور محمد علي في مصر وبدأ البعثات العلمية وعودة أمثال
رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين والتونسي وطه حسين وغيرهم الذين سيطروا على الساحة
الفكرية منذ ظهورهم وحتى اليوم وإن كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة قد كشفت كثيراً
من خبايا هذا الفكر المتغرب، ومع ذلك فإن الفكر الاستشراقي لا يزال يجد له سوقاً رائجة
في وسائل إعلام البلاد العربية الإسلامية وفي الجامعات .
فهل ندرس الاستشراق أو إنها فتنة يجب عدم إثارتها؟ اللهم وفق المسلمين
للعودة الى دينك عوداً جميلاً والحمد لله رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق