كلما رأيت أمراً من
أمور الدنيا يسقط من عليائه ونجوميته تذكرت ما أكرمنا الله عز وجل من هذا الدين
العظيم، وأن ما جاء فيه كتاب الله سبحانه وتعالى أو في سنّة المصطفى صلى الله عليه
وسلم فيه الغناء. ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوضح أنه ما من أمر من أمور
الدنيا ارتفع إلاّ وسينخفض؛ وقد حدث أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء
كان لا يسبقها جمل، فجاء أعرابي على قعود فسبقها فشق ذلك على الصحابة رضوان الله
عليهم أجمعين، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إنّه حق على الله
أنه ما ارتفع شيء من هذه الدنيا إلاّ وضعه" (سنن أبي داود، كتاب الأدب)
أما مناسبة تذكري لهذا الحديث فهو أن
صحيفة التايمز اللندنية نشرت في عددها الصادر يوم 26 بونيه 1994م استطلاعاً مطولاً
بعنوان "القبيلة الضائعة" بدأته هكذا:"الطبقة الجريحة، المسحوقة،
المذهولة؛ إنها الطبقة الوسطى في بريطانيا والغرب عامة. إنها الطبقة التي تملك
المنازل وتلتزم بالقانون، وهي العمود الفقري لبريطانيا. فهم الذين يؤمنون بالتوفير
من أجل أبنائهم (الأغنياء يكدّسون!)، ويؤمنون بأهمية الحياة الأسرية، ويدركون
أهمية الحاجة للحصول على عمل أو مهنة، وحياة عملية مأمونة."
ويذكر كاتبوا التقرير أن هذه الطبقة قد
انتعشت كثيراً في عهد ثاتشر التي كان يشار إليها بسخرية بأنها من الطبقة المتوسطة
الدنيا حيث ارتفعت نسبتها من 33% إلى 43% من إجمالي السكان حيث صعدت كثير من
العائلات من طبقة العمّال إلى الطبقة المتوسطة.
ولكن تحت حكم جون ميجور (رئيس الوزراء
الحالي حين كتبت المقالة) أصبحت الطبقة المتوسطة تعيش في أزمة عدم الاستقرار
وفقدان الأمان. إن هذه الطبقة تواجه ارتفاعاً في الضرائب من قبل حكومة الحزب الذي
اختاروه بأنفسهم، وهم غير سعداء بذلك، ويعاني هؤلاء من عدم الأمان في وظائفهم، وهم
غير واثقين في أثمان منازلهم أو مستوى تعليم أبنائهم، ومستوى الخدمات الصحية.
وأسوأ من ذلك كله أنهم يرون بكل تأكيد أن مستوى حياة الجيل الذ يليهم سيكون أسوأ
من المستوى الحالي.
ويذكر التقرير أن فيلسوفاً من جامعة أكسفورد
هو جون John Gary
قد نشر بحثاً يذكر فيه "أن الأوضاع قد سارت مدى بعيداً حتى إن الطبقة
المتوسطة لم تعد مجموعة منفصلة، وأنها تعاني من فقدان الأمان والمخاطر التي تصيب
دائماً طبقة العمال" وللتأكد من هذه الفرضيات قامت الصحيفة بعمل استطلاع عن
طريق إحدى الهيئات المتخصصة ذات السمعة العالية في هذا المجال، وكانت النتائج تؤكد
ما سبق.
هل هذه المعاناة حقيقية؟ وما نسبة هذه
المعاناة إلى ما تعانيه شعوب العالم الثالث التي طالما صبت خيراتها أنهاراً في
بريطانيا، ليس ثروات طبيعية، بل أيدي عاملة رخيصة جداً وعقولاً نابغة. إن جولة
قصيرة في قطار الأنفاق في مدينة لندن- مثلاً- تؤكد حجم الجهود التي بذلت في هذه
المشروعات التي عم فيها كثير من أبناء المستعمرات.
لا شك أن لهذه الشكوى نصيب من الحقيقة،
ولكن ما يجب أن يلفت انتباهنا–وهو أمر لم يناقشه الاستطلاع-الفوارق بين الطبقة
المتوسطة البريطانية والطبقة الأرستقراطية. لقد قيل إنه "ما جاع فقير إلّا
ببطنة غني" لذك يجب على البريطانيين أن يحاولوا وضع الحلول لهذه الفوارق
الصارخة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن ينظروا إلى الشعوب الأخرى التي ربط
اقتصادها وحياتها بالمجتمعات الربية فأثرت بريطانيا على حسابها حين كانت بريطانيا
تلك الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، وهي الآن محصورة في جزرها القليلة.
إنهم يعانون حقاً، ويحرصون على طرح مشكلاتهم
بحثاً عن الحلول المناسبة، لكنهم لا يملكون المعيار الصحيح، فلا هم بقادرين على
محاولة التقريب بين الطبقات في بلادهم، ولا هم يتنازلون عن استعلائه على الشعوب
الأخرى. فهل ندرك من هذه الأوضاع العبرة من الحديث (إنه حقٌ على الله أنه ما ارتفع
شيء من هذه الدنيا إلّا وضعه)
تعليقات
إرسال تعليق