وتضيف
المؤلفة قولها:" وليس عليهم بأس في أن يقولوا فينا ما يقولون، متى كانت أقوالهم معبرة عن رأي
لهم أو صدى لاستهوائهم بما راج في بيئاتهم من أقاويل عنّا، لكن البأس كل البأس أن
يحمل "البحث العلمي" وزر هذه الأهواء فتخرج بحوث لهم مشحونة بأباطيل
يزعمون أنها مما هدى إليه استقراؤهم لتراثنا، ويفرضون له حرمة علمية حين يسوقون
وشواهد من نصوص في التراث انحرف بها الهوى والتعصب، فضلوا ضلالاً بعيداً".([2])
ولعل
نموذج الدكتورة عائشة عبد الرحمن لا يتكرر في محاولة الفهم العميق للاستشراق
والاعتذار عنهم بأنهم يخدمون أهدافهم القومية والدينية فنعود إلى كتّاب آخرين فنحد
باحثاً آخر يرجع نشأة الاستشراق إلى الحروب الصليبية فيذكر أن من أخطر نتائجها
" الحرب العلمية والفكرية التي شنّها المستشرقون على المسلمين وظهور عدد من
تلامذتهم والمعجبين بأفكارهم من المسلمين ممن أخذوا يرددون آراءهم ويروجون
لمفترياتهم."([3])
والحقيقة أن هذا
الموقف من الدكتورة عائشة ينطلق من معرفة الآخر الأمر الذي نبه إليه القرآن الكريم
في أكثر من موضع حيث أكد على أهمية الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
والمجادلة بالتي هي أحسن.(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي
هي أحسن) كما أكد على أهمية الدعوة إلى
الله وأوضح القرآن الكريم عقائد الأمم الأخرى وبخاصة أهل الكتاب فبين ما هم عليه
من اعتقادات وسلوك. كما بيّن معتقدات المشركين وسلوكهم وأخلاقهم. وفي هذا إشارة
قوية إلى أهمية معرفة الآخر حتى يستطيع أن يدعو المسلم إلى ربه على بصيرة كما جاء
في قوله تعالى(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)
ولما
كان العصر الحاضر وبدأ احتكاك المسلمين بالاستشراق من خلال بدأ البعثات العلمية
إلى دول أوروبا المختلفة والتي بدأت في فرنسا ثم غيرها من الدول الأوروبية ثم جاء
العصر الحاضر وانطلقت البعثات إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتجمع مئات الآلاف
من الطلاب العرب والمسلمين هناك. كما كان للاحتلال الأجنبي لديار المسلمين دور في
التعرف إلى الاستشراق وكتابات المستشرقين حول الإسلام والمسلمين.
كما
أن السيد محمد الشاهد تناول هذه القضية في بحث له حول نقد الاستشراق في الكتابات
الإسلامية المعاصرة ولعله أضاف إن كثيراً من الكتابات التي تتناول الاستشراق لا
تعرف من الاستشراق إلاّ بعض الكتابات القليلة للمستشرقين التي تمت ترجمتها إلى
اللغات الإسلامية فتأتي كتاباتهم نقلاً عن بعضهم البعض. فما أكثر الكتابات التي
انتقدت جولدزيهر ومعظمها إن لم يكن كلها تنتقد ما ترجم لهذا المستشرق للغة العربية
أما ما ترجم له إلى اللغة الإنجليزية أم
ما كتبه في لغته الأصلية فإن هذه الكتابات لا تكاد تكون موجودة. كما انتقد هؤلاء
في عدم معرفتهم بجهود المستشرقين المعاصرين في التعريف بالإسلام ونقد النصرانية
وضرب كثيراً من الأمثلة على ذلك من الاستشراق الألماني المعاصر. وللدكتور قاسم
السامرائي ملاحظات شبيهة بحكم احتكاكه بالاستشراق الهولندي ومعرفته بهم معرفة
وثيقة.
ومن العرب المسلمين الذين كتبوا باللغة الانجليزية الدكتور عبد اللطيف الطيباوي
الذي نشر مقالتين في مجلة دراسات إسلامية التي يصدرها المركز الثقافي
الإسلامي بعنوان نقد المستشرقين الناطقين باللغة الانجليزية وقام الدكتور قاسم
السامرائي بترجمتهما ونشرهما في كتاب عن إدارة النشر بجامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية. ولا بد ان نذكر ان كتابات سيد قطب رحمه الله فيها ردود على الاستشراق،
وكذلك كتب الأستاذ محمد قطب ومنها كتابه شبهات حول الإسلام والمذاهب
الفكرية المعاصرة وكتابه واقعنا المعاصروغيرها. وأضيف هنا كتابات
الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله ومنها كتابه حصوننا مهددة من داخلها
وكتابه الإسلام والحضارة الغربية بالإضافة إلى كتابه المهم (الاتجاهات
الوطنية في الأدب العربي الحديث ولم يكتف الدكتور حسين بنقد الاستشراق بل
تناول من تأثر بهم من أبناء المسلمين. ومن الذين تناولوا الاستشراق بالنقد الأستاذ
محمود شاكر (أبو فهر) في كتابه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ولا يمكن ان
ننسى الأستاذ الكبير انور الجندي رحمه الله فله كتابات كثيرة جداً حول نقد
الاستشراق وان كان ينقصها التوثيق العلمي الدقيق ، لكنها مهمة في تنوير عامة
القراء من مخاطر الاستشراق والتنصير فله جهود كبيرة ورائدة في هذا المجال. وأختم
بذكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فقد كتب الكثير عن مطاعن المستشرقين.
ولذلك
فإن المطلوب في مواجهة الهجمة الاستشراقية أن نعرف الغرب معرفة دقيقة في جميع
جوانب الحياة فلا بد أن يتم دراسة الغرب في أقسام علم الاجتماع والتاريخ واللغة
وعلم النفس والاتصال وقد حضرت مؤتمراً في عمّان (10-12 أبريل 2000م) حول العلاقات
العربية الأمريكية وقد تناول عدد من الباحثين صورة العرب والمسلمين في الإعلام
الأمريكي ولكنهم لم يتعمقوا في فهم هذا الإعلام وعلاقته بالحكومة الأمريكية وهل
تستطيع الحكومة الأمريكية التأثير في وسائل الإعلام. فقد فعلت هذا الأمر في حرب
الخليج الثانية حيث أصرت على أن تكون أخبار هذه الحرب صادرة عن غرفة عمليات تابعة
للقوات الأمريكية أو قوات الحلفاء. ولم تشر أي من الأوراق المقدمة لارتباط الحكومة
الأمريكية بعقود تسلح مع عدد من كبريات الشركات الأمريكية التي تمتلك بعض كبريات
وسائل الإعلام الأمريكية كما أشار مؤلفا كتاب (مصادر غير موثوقة.)([4])
ولتكن البداية في دراسة الاستشراق في العصر الحاضر أن ينطلق الباحث المسلم
بمعرفة الإسلام معرفة حقيقية من مصادره الأصلية فيعرف كيف دوّن القرآن الكريم وكيف
دوّن الحديث الشريف وما مصطلح الحديث كما عليه أن يعرف أساسيات الإسلام وثوابته
الكبرى كما لا يمنع أن يعرف بعض التفاصيل في الفقه والحديث والتفسير واللغة فكيف
يمكن لنا أن ننتقد الكتابات الغربية حول الإسلام والمسلمين ونحن لا نعرف إسلامنا
معرفة أصيلة.
أما الأمر الثاني فعلينا أن نعرف اللغات الأوروبية معرفة تمكننا من قراءة
ما كتبه الغربيون بلغاته الأصلية حتى نستطيع أن نفهم فهماً دقيقاً ما قالوه فلا
نقع في التأويل والتفسير بدون أساس علمي صحيح. وعلينا أن نفهم المجتمعات الغربية
ذلك أن الباحثين الغربيين في قضايا العالم الإسلامي إنما هم نتاج بيئتهم وإن
كثيراً من القضايا التي ينتقدون فيها الإسلام إنما هم أولى بنقد أنفسهم فيها. ويحضرني
في هذه المناسبة حواراً رواه منصر بينه وبين أحد المغاربة حيث قال المغربي للمنصّر
لماذا تأتوننا تدعوننا للأخلاق والإيمان بالمسيح أليس من الأولى أن تدعوا بني
قومكم لمنع الانحرافات الأخلاقية وشرب الخمور وغير ذلك من المعاصي؟
ولعل الدراسة
الصحيحة للاستشراق أن لا تتوقف معرفتنا بما يدور في الأوساط العلمية في الغرب عن
طريق قراءة بعض الإنتاج العلمي فلا بد أن يكون لنا وجود فاعل في المؤتمرات
والندوات وأن نشارك في الإصدارات العلمية باللغات الأوروبية المختلفة. فكم مادة
تدرس في الجامعات الغربية باسم مدخل إلى الدين الإسلامي ويكون الكتاب المنهجي في
هذه المادة كتبه مسلم باللغات الأوروبية؟ وفي الغالب يدّرسون كتباً كتبها كفار
ملحدون.
[1] عائشة عبد
الرحمن (بنت الشاطئ) .تراثنا بين ماضٍ وحاضر. القاهرة: دار المعارف
1387/1389هـ الموافق 1968/1969م) ص 53.
[2] - المرجع
نفسه والصفحة نفسها.
[3] - محمد
رشاد سالم. المدخل إلى الثقافة الإسلامية. (الكويت: دار القلم،
1405هـ/1984م) ص 8
[4] - Martin A.
Lee& Norman Solomon. Unreliable Sources: a Guide to Detecting Bias in
News Media. (New York: Carol Publishing Group, 1992.
تعليقات
إرسال تعليق