التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرطة لندن والملابس المحتشمة


        قبل أكثر من عشرين سنة تقريبا اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية ما سمي حينذاك ب "الثورة الجنسية" حيث ازدادت خلاعة الملابس والسلوك، وازداد معها حالات الاغتصاب. وقد اهتم المجتمع الأمريكي لذلك، ولأن المجتمع الأمريكي-ظاهريا يحترم آراء النخبة المثقفة فقد استضافت إحدى قنوات التلفزيون التعليمية محامية عجوز فتحدثت عن أسباب انتشار ظاهرة الاغتصاب ووجهت اللوم كلّه أو معظمه إلى النساء وأشارت إلى أن ارتداء النساء للملابس الخليعة الفـاضحة يشجع الاغتصاب. وأكدت أن الرجل مهما كان خلوقاً ومكتفياً جنسياً وخرج من بيتـه وصـدمته مناظر العري فقد تدفعه هذه المناظر إلى هذه الجريمة. وأوضحت مسألة غابت عـن المجتمع الغربي حينما خرجت النساء وحدهن ونلن ما زعمن أنه الحرية وهو عدم وجود المحرم فنصحت النساء عموماً ألاّ يخرجن من بيوتهن منفردات بل لابد أن يكون معها محرم. وقد سمعت من علّق على كلام هذه العجوز العاقلة بأنها تريد أن تعود بالناس إلى عهود الأجداد، ووصفت بأنها رجعية. وعندنا القصة التي استشهدت المرأة بقول الشاعر:
تعدوا الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الضاري
        ومضت أوروبا وأمريكا لا تلقي بالاً للنصيحة والحكمة من حكمائها كما أعرض فرعون وقومه عن نصح الرجل الذي كان يخفي إيمانه، وكفروا بموسى عليه السلام. وهكذا ازدادت حـالات الاغتصاب في المجتمعات الغربية وضاقت الشرطة ذرعاً بكثرة الحالات وعجزت عن حـماية المرأة(* ). وأخيراً تفتقت عقلية الشرطة في لندن عن حل بأن أصدرت كتيباً تدعو فيه النساء إلى الالتزام بقواعد الحشمة في اللباس لمنع تعرض المنحرفين لهن.
    وقد نشرت الشرق الأوسط خبر صدور هذا الكتيب وقدمت له قائلة:"في وقت تتصاعد فيه باستمرار جرائم الاغتصاب في بريطانيا ليس فقط ليلاً وفي أماكن نائية مهجورة، بل أيضاً في وضـح النهار وفي الأماكن العامة." ويحتوي الكتيب نصائح كثيرة بخصوص ركوب المرأة في وسائل النقل العامة، أو السير في الشوارع وغير ذلك من النصائح.
        جميل أن يدرك الغرب فوائد الحشمة وضرورة ابتعاد المرأة عن الخروج وحيدة، ولكن هذا كله إنما هو اهتمام بعلاج الأعراض دون البحث عن جذور العلة. هذا هو الحياء المصطنع. وأما الحياء الحقيقي فهو الحجاب الإسلامي الذي جاء تزكية للنفس وتطهيراً لها. وقد اقترن الأمر بالحشمة بأوامر أخرى تجعل الاغتصاب أمراً لا يكاد يوجد في المجتمع المسلم الذي يتمسك بإسلامه. يقول الحق جل وعلا:{فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} وأمر النساء بالقرار في البيوت {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.
     وليست الحشمة والأدب هما العلاج الوحيد، فقد أمر الإسلام الرجل بكفالة المرأة غير المسؤولة عن إعالة نفسها والخروج من بيتها إلاّ مضطرة. أما في المجتمع الغربي فالأب يطرد ابنته حينما تبلغ الثامنة عشرة أو قد تسكن معه مقابل أجر، وإذا كان عملها يتطلب الخروج ليلاً فمن الذي يخرج لحمايتها؟
    والحياء الحقيقي في الإسلام يتمثل في أمر النساء والرجال معاً بالغض من أبصارهن وأبصارهم حماية لعفاف المجتمع. فهل لدى المجتمع الغربي ما يوازي هذا؟ وقد كانت صفة الغض من البصر من الصفات التي افتخر بها بعض العرب في جاهليتهم وبخاصة إذا كانت المرأة جارة كما قال عنترة:
   وأغض طرفي إن بدت لي جارتي     حتى يواري جارتي مأواها.
    إن المرأة بجسدها ومفاتنها سلعة فلا تصح دعاية دون المرأة حتى إطارات السيارات لا تتم الدعاية لها دون المرأة فأين العفة والحياء. يحتاج المجتمع الغربي للقضاء على الاغتصاب إلى انقلاب شامل، وما هذه العلاجات التي توصف إنما هي لتسكين الآلام وليست للقضاء على المرض. إن العلاج في الحياء الحقيقي الذي يدعو إليه الإسلام الذي يحاربه الغرب ويزعم أنه رجعية ودعوة إلى القرون الوسطى. أين الدعاة المسلمون لتقديم العلاج للعالم كله وليس للغرب وحده.  




* -نشرت الصحف خبراً عن اغتصاب ضابطة في الشرطة في قطار ليلي في إحدى المدن الأوروبية ، فإذا كانت الشرطية لا تستطيع أن تحمي نفسها فكيف تستطيع غيرها من النساء؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...