التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من الذاكرة (المخرومة) ما أبشع الظلم


      كانت الكلية بعد أن عدت إلى المدينة المنورة وأسندت الإشراف للدكتور محمد خليفة حسن أحمد وكان رجلاً طيباً ومشرفاً متميزاً علمياً وخُلُقيا. واشترطوا عليّ أن أكتب تعهداً بأن ألتزم النظام والطاعة، فما كان أمامي سوى التوقيع وكنت الوحيد الذي وقّعت مثل ذلك التعهد. وكان من طيبتهم (هو حقّي) أنهم لم يحتسبوا المدة التي كُنتُ فيها منفياً إلى الرياض بقرار تعسفي (صدر القرار يوم 15 من الشهر وكان عليّ أن أكون في الرياض بعد يومين، فاضطررت للسفر إلى الرياض وبقيت أسرتي في المدينة المنورة وعانى أبنائي من ظلم القريب قبل البعيد. وفي ذات يوم كنت مسافراً إلى الرياض بسيارتي فصحبني في الطريق مهندس مصري (مهندس زراعي ولكنه تحوّل إلى مهندس طرق) فسألته حينما تسافر من يعتني بأسرتك؟ فقال نحن مجموعة من الإخوة المصريين (...) عندما يسافر أحدنا أو يغيب عن بيته لأي سبب يتكفل أحدنا بإيصال الأولاد إلى المدارس، ويتكفل آخر بمستلزمات البيت وآخر بالعلاج والمستشفى، فقلت بارك الله في أخوتكم والله لإنها أفضل من بعض أخوة النسب والقرابة.

       وحين طلبت تمديداً وافق القسم على التمديد مدة سنة لأنه كان التمديد الأول ولما انتقل الموضوع إلى مجلس الكلية استبد العميد وجعل السنة ثلاثة أشهر وهي أغرب مدة في الجامعات وليس هناك جهة يمكن أن تشكو لها فالجامعة هي الخصم والحكم، ولكنهم نسوا أحكم الحاكمين الذي لا يقبل الظلم. ولزيادة النكاية كتب لي وكيل الجامعة وهو صالح سعود العلي يخبرني أن هذا هو التمديد النهائي والأخير، يا الله كيف يتجرأ من درس الشريعة والفقه أن يكون جريئا لهذه الدرجة، فسابقت الزمن أو الساعة كما يقال مع أن المشرف سافر في إجازة إلى بلده (مصر) وذهب في رحلة علمية مع الطلاب إلى الرياض مدة أسبوعين فلم يبق من الثلاثة أشهر سوى شهران وأتممت كتابة الرسالة ولكن بقيت الطباعة أو النسخ.

      حينما انتهت المهلة قال لي العميد العوفي انتهت مهلتك ولذلك عليك أن تتقدم بطلب الإذن لك بالطباعة ونكتب للرياض فقد يوافقون وقد لا يوافقوا، فقلت له ولماذا الرياض؟ ألا تستطيع أن تتخذ أنت القرار بالإذن دون استئذان الرياض، وهل من المنطقي أن أكون أمضيت ثماني سنوات وعند الطباعة قد لا يوافقون؟ قال الأمر هكذا وكأنّي غضبت من هذا التعنت، وربما رفعت صوتي غاضباً، ولكني في النهاية رضخت كما نرضخ دائماً وكما يرضخ الجميع، فكتبت الاستجداء المطلوب (جامعات تكرس ثقافة الاستجداء والاستخذاء)، وبدأت الطباعة قبل الموافقة لأنهم إن لم يوافقوا فستكون كتاباً وإلّا ستصبح الرسالة التي أنال بها الدرجة.

بعد أن أودعت الفصل لدى ناسخ الآلة (يعمل في المعهد أو الكلية صباحاً) واسمه محمد مقلة (في التاريخ الإسلامي خطاط اسمه مقلة وشتان بين المقلتين)، رجعت له بعد أيام وكان بيته في حي السحمان في شمال المدينة المنورة وهو من الأحياء العشوائية التي أشبهها بقصور التيه لأنه إن جئت صباحاً واهتديت إلى ما تريد فلا تضمن أن تهتدي للمكان نفسه مساءً، وقبل أن أصل إليه أصاب السيارة عطب في إحدى العجلات فأكملت المشوار مشياً على أن أعود للسيارة مساءً فلم يكن لدي عجلة احتياطية.

     فوجئت وهو يعيد إليّ الفصل يعيد معه الفصل الثاني وما بعده معتذراً عن إتمام النسخ، فقد وصلت الخسة والدناءة ببعضهم في كلية الدعوة أن تآمروا مع الناسخ ألا يُكمل النسخ، وربما تعهدوا له بمساعدة أو تجديد العقد (وما أقبح المكر السيء، وإنه ليحيق بأهله لا محالة)، فأخذت أوراقي وخرجت مهموماً حزيناً، أين أجد ناسخاً يُكمل المشوار؟ فاهتديت إلى مكتب جديد أسسه عميد متقاعد من الجيش واسمه القرني فذهب إليه.

     ونظراً لخبرتي بألاعيب النسّاخ من تكثير الصفحات باختراع فقرات ليست في الأصل وتوسيع الهوامش حتى لا يبقى من الصفحة إلّا نصفها وربما أقل، ولتكبير حجم الخط بطريقة سخيفة فقد اشترطت عليهم أن تكون الهوامش 2,5 من كل جهة وأن يكون البنط 15 وألا يزيد فقرة من عنده بل يلتزم بما هو مكتوب أمامه، فاتفقنا على أن الصفحة تُطبع ب 11 ريال ولكن بعد أيام اتصل بي العقيد القرني وقال نحن قررنا أن تكون الصفحة ب 15 ريال فإن قبلت وإلّا فخذ رسالتك. وعرف أنني مضطر فقبلت وقد كان عرضه مثل عرض المافياً تقبل أو يدنا على الزناد.

      ومن الطريف أن القرني كان يستخدم برنامج ماكنتوش والناسخ الأول يستخدم الحاسوب الآي بي إمIBM فخفت أن المناقشين لا يقبلون أو الكلية ترفض الرسالة لهذا السبب ولكنّ الله سلّم فلم يُدركوا الفرق في الخط بين الفصل الأول والفصول التالية.

     ولم يكن التعامل مع مكتب النسخ بالسهل فصاحبه عقيد وعقليته عقلية عسكرية فكان عليّ أن أصبر وأتحمل حتى انتهيت من الطباعة وسلمتها في محرم 1414هجرية وكانت المناقشة في 4رمضان 1414هـ

      عندما عانيت ما عانيت وعاني غيري حتى قلت في لحظة غضب: ما رأيت ظلماً كظلم ذوي اللحى (ليس كلهم)

       وقد قلت لعميد (ذي لحية طويلة):" كلما طالت لحاهم زاد ظلمهم" ومعاذ الله أقصد اللحية المباركة ولكن ثمة من اتخذوها للتمويه ولكسب الدقيق

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد.. وما أشبه الليلة بالبارحة

                                      بسم الله الرحمن الرحيم                                  ما أصدق بعض الشعر الجاهلي فهذا الشاعر يصف حال بعض القبائل العربية في الغزو والكر والفر وعشقها للقتال حيث يقول البيت:   وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلاّ أخانا. فهم سيقومون بالغزو لا محالة حتى لو كانت الغزوة ضد الأخ القريب. ومنذ أن نزل الاحتلال الأجنبي في ديار المسلمين حتى تحول البعض منّا إلى هذه الصورة البائسة. فتقسمت البلاد وتفسخت إلى أحزاب وفئات متناحرة فأصبح الأخ القريب أشد على أخيه من العدو. بل إن العدو كان يجلس أحياناً ويتفرج على القتال المستحر بين الاخوة وأبناء العمومة وهو في أمان مطمئن إلى أن الحرب التي كانت يجب أن توجه إليه أصبحت بين أبن...

المدينة المنورة في الشعر

المدينة المنورة في الشعر تذكرت المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وتذكرت أول أيام رمضان كيف أغذ السير لأكون مع الوالدة رحمها الله، وقد قدر الله عز وجل أن يتوفاها قبل رمضان بمدة قصيرة فصعب علي أن يكون رمضان بدون أمي، بل أذكر حتى وأنا في المدينة المنورة مقيم كنت أحرص على أن يكون أول أيام رمضان معها إفطاراً وأسعى لأكون أول من يبارك لها في الشهر. وغابت أمي ولم تغب تذكرت طيبة الطيبة وقلت لئن غابت أمي فطيبة هناك بالطيب المطيب بأبي هو وأمي ومسجدها ثاني المساجد التي تشد إليه الرحال وما أعظم الوقوف بقرب الحبيب صلى الله عليه وسلم تسلم عليه قريباً منه وتنال بركاته وشرف القرب وعادت بي الذاكرة إلى أربعين سنة مضت أو أكثر حين كان الوالد رحمه الله يحب أن يستضيف بعض المشايخ ينشدون بعض القصائد في مدحه صلى الله عليه وسلم والتغني بالمدينة المنورة حتى أقنعنا الوالد رحمه الله بترك الموالد وأنها بدعة ولكن تبقى الأبيات التي أنشدها أحدهم ترن في أذني تمايل الركب لما هب ريح قبا           كأن ريح قبا للركب خمار فبحثت عن بعض القصائد الجميلة ال...