التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نماذج من نساء الغرب


                   

        الانبهار بالغرب القوي صاحب الحضارة المسيطرة في العصر الحاضر داء قديم أصاب أفراداً من الأمة الإسلامية فتأثروا بهذه الحضارة الغربية الوافدة، وكان لهم تأثير سيء في بلادهم ، وقد كتب جمال الدين الأفغاني عن ذلك قبل ما يقرب من مئة عام قائلاً:" علّمتنا التجارب ومواضي الحوادث بان المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء عليها،… ويصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل يفتحون الأبواب ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطانهم."(العروة الوثقى ص59)

        ولما كنّا ما نزال نعاني من حالة الانبهار هذه، ولا يمكن علاجها إلاّ بمعرفة الغرب معرفة دقيقة فإنني سأعرض في هذه المقالة -كما عرضت في مقالات سابقة- صوراً من حياة الغرب يمكن أن نعدها من الاستشراق المضاد أو ما سمّاه البعض الاستغراب، فلعل هؤلاء المنبهرين بالغرب يراجعون أنفسهم ويحاولون أن يعرفوا قدر هذه الأمة التي اختارها ربنا سبحانه وتعالى لتكون أمة الشهادة والأمة الوسط.

        وأبدأ هذه المقالة بما كتبته الكاتبة الأسبوعية بجريدة التايمز اللندنية (ليبي بيرفز) ومقالتها التي أترجم  منها فقرات ظهرت يوم 12 أغسطس 1994 بعنوان (عندما يتحول الخجل وتورد الخدين إلى وقاحة وتبلد) وقد جاء في الفقرة الأولى " ذكرت الأنباء أن رئيس البلدية الجديد لمدينة ليفربول قد حُكِم عليها ثلاث مرات بتهمة التسكع كمومس عمومي على مدى خمس سنوات حتى عام 1978،  وقد أُطلق سراحها بشروط رغم اتهامها بأربعة عشر اتهاماً عام 1980، وحكم عليها بدفـع غرامة قدرها خمسمئة جنيه عام 1990 بسبب حصولها على أملاك من  أملاك الدولة بطريق الخداع." وتعلق الكاتبة بقولها:" ثمة دهشة وصدمة مؤلمة بالطبع ، ولكن لدى عضوة المجلس البلدي التي ترى أن تقدمها في المناصب بخطوات ثابتة يجب أن لا يثير كل هذا الاهتمام فليس في تاريخها -كما ترى هي- ما يدعو إلى الخجل."

        أما الفقرة الثانية من مقالة الكاتبة نفسها فهي حول معلمة التربية الدينية في مدرسة كاثوليكية حيث حملت المعلمة سفاحاً من مساعد القسيس . وقامت المعلمة فيما بعد ببيع قصتها لوسائل الإعلام. وهي التي شعرت بالفزع والغضب فيما بعد حيث تحدثت بنبرة جريحة أمام المحكمة عن التصرف المخيف للمدرسة التي تعمل بها زاعمة أن المدرسة كانت قاسية حيث عرضت على المعلمة (الحامل سفاحاً) أن تدفع لها مصاريف الحمل ومكافأة الخدمة ومبلغاً نقدياً كبيراً بشرط أن تترك المدرسة ،لأن إدارة المدرسة (رغم الصدمة المخيفة للمعلمة) رأت أنها ليست الشخص المناسب لتعليم العقيدة الكاثوليكية والعلاقات الشخصية.

        نعم إن في الغرب عقلاء يغارون على القيم الإنسانية الرفيعة ، فقد ذكر القرآن الكريم أنه كان يظهر في زمن الأنبياء حين تشتد عداوة الكفر وتزداد وقاحته أناس تكون فطرهم سليمة يدافعون عن الحق ويؤمنون بالمثل العليا. فهذه الكاتبة صاحبة أسلوب أدبي رفيع أغاظها هذا الانحدار الأخلاقي ،وهذه الجرأة على القيم والأخلاق والفضيلة فكتبت مستنكرة ن ومع ذلك فسـوف يضيع صوتها في زحمة المدافعين عن المومس لتصبح رئيسة بلدية أو المعلمة التي لا ترى عيباً في الحمل السفاح من مساعد القسيس وترى قرار المدرسة ظالماً لأنه يطلب منها أن تترك التدريس بعد أن عرضت عليها عرضاً مغرياً ن وتصر على أنها صالحة لتدريس التربية الدينية والأخلاق.

        وقريباً من هذا الملف الذي خصصته مجلة التايم الأمريكية حول الخجل والحياء. وعجيب أمر هذا العالم يفتقد إلى الحياء والخجل ولا يدري أن الأخلاق إن لم يكن منبعها الدين فلا ثبات لها. نعم تتفق الفطر السليمة على مجموعة من الأخلاق الأساسية ، ولكن الفطر تعرضت لهجوم دام مئات  السنين فين يعيدها إلى سلامتها إلاّ الدين، وليس كالدين الإسلامي في تعليم الحياء. فهذا رسولنا وسيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كما يصفه أصحابه في الحديث الذي رواه ابن مـاجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشد حياءً من عذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئاً رئي ذلك في وجهه.) وكان يأمر بالحياء فقد روى الترمـذي في سننه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : ( استحـوا من الله حق الحياء ، قال: قلنا يا رسول الله إنّا نستحي والحمد لله، قال( ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.)

        فهل يتعلم الغرب الحياء ؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...