التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أما المسلمون فلا بواكي لهم


مقدمة: نردد دائماً أن الغرب يكيل بمكيالين والدم الأوروبي مقدس ولا حرمة لدماء المسلمين فها هو وحش سوريا يرتكب الأفاعيل والعالم صامت صمت الموتى، تبّا لهم وتبّا لكل حاكم صامت وهو يستطيع أن يفعل شيئاً. وإليكم المقالة التي كتبتها قبل سنوات ولكن ما أشبه الليلة بالبارحة:
      لماذا هذه الضجة الكبرى حول الجنرال التشيلي أوغستو بينوشيه (حاكم شيلي السابق) الذي يتهم بارتكاب مجازر ضد قومه؟ فدولة تريد الإفراج عنه بينما تريد دول أخرى احتجازه لمحاكمته. والهدف من ذلك كله كما يزعمون تحقيق العدالة ومعاقبة متهم بارتكاب مجازر ضد قومه. وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية المتخصصة لأحداث التطهير العرقي السابقة في رواندا على جون كمباندا –رئيس وزراء رواندا السابق- بالسجن مدى الحياة بسبب ضلوعه في جرائم ضد الإنسانية.
      وهناك قرارات دولية لمعاقبة الذين اشتركوا في ما يسمى بالهولوكوست، وبدأت المحكمة الدولية لجرائم الحروب في مدينة لاهاي الهولندية بمحاكمة بعض الذي اشتركوا في المجازر ضد المسلمين في البوسنة والهرسك. لكن حظ المسلمين في عناية هذه المحاكم الدولية ما زال قريباً من الصفر فالجرائم التي ترتكب ضد المسلمين تمر في الإعلام العالمي مرور الكرام ولا تعتني بهم المحاكم المخصصة للجرائم التي ترتكب بسبب الاضطهاد العرقي أو الديني.
    وقد كتب إليّ الدكتور أحمد فريد مصطفى المشرف العام على منارات المدينة المنورة يذكر بما حدث للمسلمين في ما يسمى تنزانيا الآن ففي عام 1386هـ (1966م) قام القس نيريري بضم زنجبار بالقوة وألقى بآلاف المسلمين في البحر ليموتوا غرقاً بالإضافة إلى الآلاف من المسلمين الذين أخذوا إلى المقابر ثم قتلوا بالرصاص. وقد صوّرت بعض الصحف الغربية هذه الجرائم ولم يكتب عنها سوى عدد محدد من الصحف العربية الإسلامية. ويشير الدكتور أحمد فريد مصطفى إلى أن الأستاذ محمد صلاح الدين قد كتب في هذا الموضوع في صحيفة المدينة المنورة حينذاك. هل كان السكوت على نيريري لأنه قس نصراني والضحايا من المسلمين الذين لا بواكي لهم. واستمر القس نيريري يحكم تنزانيا سنوات عديدة ولا أحد يشير إلى جرائمه ضد المسلمين.
     ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح على محاكم (العدل) الدولية هو لماذا تمر المجازر ضد المسلمين دون أن يتناولها أحد أو يثيرها في الإعلام الدولي. فهذه إسرائيل منذ عام 1948 وهي ترتكب المجازر ضد الشعب الفلسطيني وما زالت سجونها تزدحم بأعداد كبيرة من الفلسطينيين، فالذين ارتكبوا هذه الجرائم يستقبلون استقبالاً رسميا في الدول الغربية ولا يستطيع أحد أن يتفوه بكلمة ضدهم وآخر من احتفت بهم واشنطن أريل شارون وزير الخارجية الإسرائيلي ودوره معروف في مجزرتي صبرا وشاتيلا.
     ولا تنحصر الجرائم ضد المسلمين بالمجازر فهناك المسلمون خارج السجون ولكنهم لا يتمتعون بحقوق المواطن التي يتمتع بها المواطن العادي؛ فهذه دولة تدعي أنها علمانية ولكنها تحرم مواطنيها من أبسط حقوقهم المدنية مثل التمسك بالشعائر الدينية كالحجاب أو إطلاق اللحية أو أداء الصلوات. وفي إسرائيل تنحصر الحقوق المدنية فيمن ينحدر من أصل يهودي ويهودي غربي بالذات.
   وأين هذه المحاكم الدولية مما حدث ويحدث للمسلمين في كشمير وفي الفلبين وفي بورما وفي اليونان؟ ففي بورما مثلاً يطرد مئات الألوف من المسلمين لينتقلوا إلى جارتهم لتي لا تنقطع معاناتها بنجلاديش ولا تتحرك المحاكم الدولية لإعادتهم إلى بلادهم. أما السياسية البورمية المتزوجة من إنجليزي فلا تنقطع أخبارها عن وسائل الإعلام الدولية فهل سياسية واحدة أهم من مئات الألوف من المسلمين؟ ولماذا لم تتحرك محاكم (العدل) الدولية لمعاقبة المتسبب في مجازر حلبجة في العراق ضد المسلمين الأكراد؟ لقد عرفها العالم ولكن لم يفكر أحد يومها بتقديم رئيس النظام العراقي يومها إلى محاكم (العدل) الدولية. ولماذا لم يعاقب النظام الروسي الذي دمّر العاصمة الشيشانية تدميراً شاملاً، بل إن البنك الدول ضخ آلاف الملايين من الدولارات في الاقتصاد الروسي – وما يزال- لدعم الروس.
    لقد طرحت ذات يوم فكرة إنشاء محكمة عدل إسلامية دولية وما زلنا ننتظر أن يتحقق هذا فإن المسلمين يجب أن يأخذوا قضاياهم بأيديهم ولا يتركوها لمحاكم (العدل) الدولية التي توجهها الأمم الغربية ولا تهتم إلاّ بما تريد أن تهتم به. فالرئيس الصربي يتم التفاوض معه والتعامل معه على أنه رئيس دولة بينما الأدلة والشواهد والقرائن كلها تتهمه بارتكاب المجازر في البوسنة ثم في كوسوفا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...