الرياض
ع١٠٩٠٢، ٤ محرم ١٤١٩ه (٣٠ أبريل ١٩٩٨م)
■
قد يكون العرب من أكبر المشجعين للأدب والأدباء منذ هرم ابن سنان مع زهير بن أبي سلمى
وهو الذي قيل إنه أقسم ألا يحييه زهير إلا أعطاه فكان زهير إذا حيّا قوماً وفيهم هرم
استثناه منهم: تعففاً عن ماله.
وجاء الإسلام فشجع الشعراء ولنا من ذلك مثال
شهير في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام حين ألقى بيردته الطاهرة إلى كعب بن زهير
حين امتدحه.
وجاء الخلفاء الأمويون والعباسيون فساروا في
الأدباء والمثقفين على التشجيع والتكريم. - ولقد ذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء
أنَّ أبا عثمان الجاحظ ذكر لميمون بن هارون أنه أهدى كتابه (الحيوان: إلى
محمد بن عبد اللك الزيات فأعطاه خمسة آلاف دينار، وأنه أهدى كتابه (البيان
والتبيين)، إلى أحمد بن أبى دواد فأعطاه خمسة آلاف دينار، وأنه أهدى كتابه (الزرع
والنخيل إلى ابراهيم بن العباس الصولي فأعطاه خمسة آلاف دينار فاشتري ضيعة في البصرة
لا تحتاج إلى تجديد ولا إلى تسميد ولعل هذا الشأن العجيب من تكريم العلماء في
القرن الثالث للهجرة أن يكون مثالاً وهاجاً على مدى ما كان الأعيان وأهل الشأن من
الأثرياء الكرماء يشجعون به الأدب والأدباء، والعلم والعلماء، إذ لو حسبت هذه
المبالغ التكريمية الضخمة التي كُرّم بها أبو عثمان الجاحظ مقابل كتبه الثلاثة،
اليوم، بالعملة الصعبة لأصبنا بالذهول ولأخذتا العجب؛ من ضخامتها.
ولقد ظل هذا التقليد العربي قائماً إلى يومنا
هذا: وخصوصاً في بلدان الخليج، وبوجه أخص في المملكة التي لم تبرح تشجع المثقفين
بكل التكريمات الممكنة؛ ولعل جائزة الملك فيصل الدولية ان تكون أكبر برهان على تلك.
وعلي الرغم من كثرة هذه الجوائز في بلدان الخليج إلاّ أنها ربما لاتزال محتاجة إلى شيء من المراجعة والترقية. وإذا كانت المشكلة، في رأينا. وفي رأي كثير ممن تناقشتا معهم من المثقفين العرب في المشرق والمغرب، هي في كيفية حسن اختيار لجان التحكيم، فإن هناك مشكلة أخرى لا تقل عنها شأناً، وهي: ما الفائدة من منح جائزة مالية ضخمة المقدار لشيخ فان، أو لشيخة هرمه؛ قد بلغا من الكبر عتيا؟ وماذا سيُفيد منها الشيخ المسن وقد أمسى لا يستطيع التحكم في نفسه، فكيف في ماله؟ أوليس هذا التكريم، مع تقديرنا العظيم لكل شيوخ الثقافة والعلم، هو في حقيقته لأبنائه أو أحفاده الذين سيبذرون تلك الأموال أو يكنزونها أو يقتصدونها: ولكن في الحالين الاثنتين لا يستمتع بها الأديب المكرّم: إذ لا هو قادر على السفر فيسيح ولا هو قادر على ابتياع سيارة فارهة فيسعد بامتطائها.
فماذا إذن؟ وهل يحق أن تحرم شيوخ الأدباء والنقاد
والعلماء بعامة من بعض هذه الجوائز جملة وتفصيلاً؟ وإن جثنا ذلك قبأي كتاب أم بأية
سنة نقسو عليهم فتعقّهم، وتجحف في حقهم؟
إننا إن كنا نعترف بفضل هؤلاء الشيوخ الأجلّة، وبما أعطوا وبما أشعُّوا، وبما سخروا الثقافة العربية (ولا أقول: خدموها؛
لان الخدمة تكون غالباً بمقابل ومكافأة والحال أنهم لا يكادون يتقاضون مقابل ما
يكتبون شيئاً، ليس إلاَّ..) وصقلوا وجهها حتى اغتدى متوهجاً ناضراً، ومتورداً
ناعماً؛ فإنّ ذلك ما كان ليمنع من التفكير، في الوقت ذاته، في شباب المثقفين المتألقين
وكهولهم..
أم كأن القائمين على هذه الجوائز يصرون، من حيث لا يشعرون، على تجويع كهول
المثقفين والانتظار بهم حتى يهرموا ويعجزوا: فإذا أشرفوا على الثواء في المقابر
ألقوا إليهم بهذه الكمشة من الدولارات التي لا هي تزيد في أعمارهم، ولا هي قعدَ في
أمطهم، ولا هي تُفضي. إذن، إلى اسعادهم. إننا تُهيب بهذه اللجان الموقرة التي تحكم
بين الأدباء والمثقفين حين يترشحون لمثل هذه الجوائز أن تحاول مراعاة هنا الوجه من
الرأي فلا تتسرع في منحها، بما يشبه التلقائية، وفي معظم الأطرار، كما هو عليه الوضع
الآن: لوجه من الجغرافيا هو الشرق وحده، ولضرب من الأدباء هم الشيوخ الطاعنون في
السَنّ وحدهم.
تعليقات
إرسال تعليق