التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنا والجامعات العشرين الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية

 

بسم الله الرحمن الرحيم


    حرصت في مراحل الدراسة كلها من الابتدائية حتى الثانوية أن أكون من أوائل الطلاب فلم أكن أحصل على ترتيب أبعد من الثالث في فصلي و حتى في المدرسة وشاء الله أن أحصل على بعثة للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية فكانت أول مرحلة أنني التحقت في برنامج اللغة الإنجليزية في لوس أنجلوس وعند التقويم للمستوى في المدرسة وضعت في المستوى الثاني وربما في آخره بينما كان الطلاب العرب ومن المملكة بخاصة لا يتجاوزون المستوى الأول، وعندما وصلت المستوى الثالث ظهر تفوقي في اللغة حتى إن أستاذ المادة كتب في تقويمه لي: يمكنه الانتقال إلى المستوى الخامس دون المرور بالمستوى الرابع ولكن المدرسة حرصاً على الرسوم أصرت أن أدرس المستوى الرابع وأكملت المستوى السادس وأخذت اختبار ما يسمى اختبار ميتشجان وحصلت على درجات تؤهلني للالتحاق بالجامعة فوجهني الملحق لمدينة كورفالس حيث جامعة أوريجن الحكومية ثم نُقلت إلى جامعة بورتلاند (كانت كلية بورتلاند الحكومية وتحولت تلك الأيام إلى جامعة بورتلاند الحكومية، فالتحقت ببعض المواد في اللغة الإنجليزية وسُمح لي بتسجيل مواد جامعية.

        وكان من زملائي في بعض مواد اللغة الإنجليزية بعض أوائل الثانوية في السعودية الذين سبقوني في الابتعاث ولكني سبقتهم في برنامج اللغة وكانوا يعرفون أنني لم أحصل على درجات مثلهم في الثانوية العامة ولكن تفوقت عليهم في اللغة

        وشاء الله أن ألتحق بكلية وسط أوريجن في مدينة بند (كان عدد سكانها 13 ألف نسمة وكانت سمعة الكلية جيدة وهي سنتين فقط) فأكملت السنة بدراسة عدد من المواد منها الرياضيات (التفاضل والتكامل 201و202 و203) ودرست مادة علم نفس وجغرافيا وتربية بدنية وكانت درجاتي معقولة. وفي الصيف انتقلت إلى جامعة أوريجن في مدينة يوجين (الأمطار فيها طوال العام ولكنها مدينة جميلة وجامعة متميزة فتقدمت لإتمام الدراسة ي برنامج الإعداد للطب ولكن الجامعة كانت تمر بظروف مالية لم يسمح لها بقبول طلاب أجانب فاضطررت للتقدم لجامعة ولاية أريزونا في تمبي

        وفي هذه الأثناء كنت أتطلع للدراسة في إحدى الجامعات القمة حيث كانت عندي حب استطلاع فعرفت الجامعات القمة من بيركلي وستانفورد وبرينستون وكولومبيا وييل وهارفارد وغيرها.

        ولكني حين بدأت الدراسة في جامعة أريزونا الحكومية وجدت أنني بعيد عن التأقلم اجتماعيا في أمريكا فكنت أنجح وأحصل على درجات النجاح وأحيانا أرتقي إلى جيد جداً وأحياناً فليلة أصعد إلى مستوى الممتاز وهو ما كتبته لي أستاذة اللغة الإنجليزية حين كان عندنا واجب حول الفقرات والجمل وتقسيم الفقرات إلى جملة رئيسية والجمل المؤيدة وغير ذلك فأعددت الواجب بسرعة فكتبت لي (أتمنى أن ترتفع إلى مستوى إمكاناتك فأنت يمكن أن تكون طالب من مستوى ممتار أو تقدير أ)

        وفي صيف الذي قضيته في جامعة أوريجن التحقت بمادة الكتابة الإبداعية ومادة الأحياء وكان يلحق بالمادة معملاً منفصلاً وكان من بين الواجبات الكتابة عن النمو السكاني والتيار الذي كان رائجاً في ذلك الحين فكانت إجابتي أنكم إن واصلتم الحد من النمو السكاني فسينتهي الأمر بزيادة عدد كبار السن وتقلص الشباب واليد العاملة المنتجة وهذا سيؤثر في الاقتصاد فأُعجب الأستاذ بالإجابة وكان تعليقه (صديقي أنت تفكر جيداً ولكنك غير منظم)

        وواصلت الدراسة في جامعة ولاية أريزونا حتى أتممت خمس سنوات وكنت قد قطعت شوطاً طيباً للوصول إلى الحصول على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية ولكني كنت قد تأثرت بحركة رفض الشهادات واعتبار العلم لا يحتاج إلى هذه الأوراق أو الرخص.

        وبعد أن عدت إلى البلاد اكتشفت أن الحصول على أي وظيفة يتطلب الشهادة أو الرخصة فعدت إلى مقاعد الدراسة منتسباً لقسم التاريخ وحصلت على الدرجة الأولى ثم الثانية (الماجستير) ثم التحقت بقسم الاستشراق لدراسة الدكتوراه وكان عمري قد وصل إلى السادسة والثلاثين وحصلت على الدكتوراه بعد ثماني سنوات حين بلغت الرابعة والأربعين. ولكن ما إن بدأت بدراسة الدكتوراه حتى انطلقت في الكتابة الصحفية والتأليف فبلغ عدد مؤلفاتي قبل الحصول على الدكتوراة سبع كتب ومئات المقالات وعدد من المحاضرات العامة وعدد من المؤتمرات الدولية في الجزائر وتونس

        وبعد حصولي على الدكتوراة كان لي علاقة بالسفارة الأمريكية بجدة ثم الرياض وقابلت العديد من المسؤولين في السفارة من القنصل في جدة والمشرف على العلاقات العامة والإعلام حتى إنني تقدمت لمنحة فلبرايت في سنة من السنوات، ولما لم يكن اقتراحي مناسباً تحدث معي مسؤول العلاقات العامة والإعلام بأن وكالة الإعلام الخارجي في السفارة تقدم لي فرصة أن أكون ضيف برنامج الزائر الدولي فطلب إليّ أن أقترح برنامج الزيارة والجهات التي أرغب في زيارتها ومن أرغب في لقائه.

        فأعددت برنامجاً مقترحاً يتضمن زيارة عدد من الجامعات الكبرى التي تضم أقسام دراسات الشرق الأوسط أو دراسة الأديان وكان من هذه الجامعات برينستون وبيركلي ولوس أنجلوس وغيرها. وحينما وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية كان لي لقاء مع معهد التعليم العالمي المشرف على برامج الزائر الدولي وفي اجتماع مع عدد من المسؤولين في المعهد تحدثت عن أهداف الزيارة والنتائج التي أسعى لتحقيقها وبعد يوم أو يومين قدموا لي ملفاً من ثلاثين صفحة للأماكن التي سأزورها والمدن والجامعات على أن يكون معي مرافق (مترجم)

        وبدأت زياراتي للجامعات في واشنطن العاصمة فكان منها جامعة جورج تاون وجامعة جون هوبكنز وزيارة مكتبة الكونجرس ثم انطلقت الرحلة إلى فيلاديلفيا حيث زرت جامعة تمبل وجامعة فيلانوفا ومنها انطلقت إلى إنديانا حيث زرت جامعة إنديانا بمدينة بلومنجتون واللقاء مع جمعية الطلاب المسلمين. ومن إنديانا انطلقنا إلى سان فرانسسكو وبيركلي حيث زرت جامعة كاليفورنيا في بيركلي وقابلت رئيس برنامج دراسات الشرق الأوسط ولقيت أحد أساتذة دراسات الشرق الأوسط بجامعة سان فرانسسكو. وانتقلنا إلى لوس أنجلوس وكانت جامعة كاليفورنيا في إجازة ولكني قمت بزيارة الجامعة ولقيت بعض الأساتذة وكان لي زيارة لمؤسسة راند في سانتا مونيكا.

        وبعد زيارة مدينة سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس عدنا أدراجنا إلى الشمال وبخاصة الشرق فكانت الزيارة لجامعة برينستون حيث حضرت ندوة الأربعاء أو ما يسمّى غداء الكيس البني (يعني يحضر كل مشارك غداءه ويكون المحاضر مدة عشرين دقيقة ثم النقاش والأسئلة والأجوبة) وكنت ضيف وزارة الخارجية (برنامج الزائر الدولي) فجلست على رأس الطاولة وكان على رأسها من الجانب الآخر المستشرق برنارد لويس. وكان لي لقاء خاص مع رئيس القسم الدكتور هيث لوري الذي اشتكى من قناة السي إن إن المحلية بأنها مختلفة عن الدولية بأن أخبار المحلية معظمها تافه ولا تنقل أحداث العالم كما تفعل القناة الدولية.

        ومن برينستون انتقلنا إلى نيويورك حيث زرت جامعة كولمبيا ولقيت رئيس معهد دراسات الشرق الأوسط البروفيسور ريتشارد بوليت صاحب المواهب المتعددة وغزير الإنتاج ولقيت أساتذة آخرين في الجلسة نفسها. وانتقلت إلى جامعة نيويورك حيث زرت مركز كيفوكيان لدراسات الشرق الأوسط وكان اللقاء مع المديرة المشاركة التي كان الترتيب معها أن أشارك في حلقات البحث حول الرقابة الإعلامية والمصالح القومية في فبراير 1996 حيث سافرت من المدينة المنورة يوم الاثنين وعدت إليها يوم الجمعة وكان عندي محاضرات يوم السبت وقد تعجب الطلاب كيف تسافر إلى أمريكا وتعود في ثلاثة أيام وكان لي عدة نشاطات في جامعة نيويورك حيث حضرت ساعة القهوة العربية (تدريب الطلاب على التحدث باللغة العربية) وحضرت محاضرة لأستاذ تركي تحدث عن الإصلاحات الزراعية في مصر وإيران زمن الشاه وزمن عبد الناصر. كما زرت مجلس العلاقات الخارجية وهو مركز فكر مهم في صناعة القرار السياسي الأمريكي وبخاصة في السياسة الخارجية وقابلت جيمس بسكتوري

        أما هارفارد فقد زرتها في برنامج الزائر الدولي لأساتذة العلوم الإسلامية (ولكن بعض الجامعات لم تلتزم بذلك فحضر متخصص في التاريخ وآخر في التربية -واسطة) فقد كان لنا لقاء مع قسم الأديان لأن البرنامج كان عنوانه (التعليم الديني والتعليم العام في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان اللقاء ببعض الأساتذة في قسم الأديان وكان لي تواصل مع أحدهم بعد عودتي إلى المملكة

        وهكذا فالحلم القديم أن أدرس في الجامعات القمة تحقق فيما بعد وقد حصلت على الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فالاختلاف أنني كنت سأكون مجرد طالب في معركة إثبات الذات والحصول على درجة علمية (البكالوريوس) ولكني زرت جامعات القمة أستاذا زائراً وصاحب خبرة في دراسات الشرق الأوسط أو الدراسات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية

        واليوم يدرس ابني في جامعة نيويورك في تخصص علوم الحاسب والاقتصاد وقد أمضى ثمانية أسابيع في جامعة كارنيجي ميلون في دورة في مجال الروبوتات وهي من جامعات القمة في أمريكا فما تطلعت إليه في يوم من الأيام ولم أكن تجاوزت العشرين من العمر حققته حين أصبحت أستاذاً جامعياً وحققه ابني وهو في المرحلة الجامعية وبخاصة أنه مبتعث من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في برنامج الشباب السعودي الموهوب

 

 

 

 

 

 

تعليقات