التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نماذج من الباحثين في المؤتمرات الغربية


نُشرت في هذا التاريخ25 May 2011 at 09:01
كلما حضرت مؤتمراً من هذه المؤتمرات التي تعقد في الشرق أو الغرب وتتناول الإسلام والمسلمين وأسمع كلاماً وأحياناً أرى تصرفات لا تعجبني أتساءل لماذا أصر على المشاركة؟ وكيف أتجاوب مع هذه النماذج من الباحثين والباحثات. ولن أجيب قبل أن أقدم بين أيديكم توضيحاً لذلك.

ثلاث أديبات تركيات

        بحث قدمته باحثة تركية اسمها بينار كايالب بعنوان: "الأدب النسوي ما بعد الستينيات في تركيا"، وهي أمريكية الجنسية وتعيش في الولايات المتحدة الأمريكية ومتخصصة في التاريخ وقد اختارت ثلاث أديبات تركيات من خلفيات مختلفة شهدن كما تقول الباحث ولادة تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال (ولم تذكر كلمة عن إلغاء الخلافة)؛ إحداهن من الطبقة الراقية أو الأرستقراطية حيث كان أبوها سكرتير السلطان عبد الحميد الثاني، والثاني من الطبقة الفقيرة
وثالثة من الطبقة المتوسطة. وكان تركيز الباحثة على موقف الأديبات التركيات من تحرير المرأة وتعليمها وغير ذلك. وكان منطلقها أن المرأة تحتاج إلى تحرر على الطريقة الغربية ويدخل في ذلك دراسة اللغات الأوروبية والعيش وفقاً للمعايير الغربية. وكانت إحدى هؤلاء الكاتبات الأديبة خالدة أديب. وقد أفصحت هذه الباحثة عن مكنون نفسها في اتهامها لحزب العدالة والتنمية باعتقال المعارضين وأن الإعلام يسكت عن ذلك، ولم تقدم على هذا أي دليل وكان واضحاً من نبرة صوتها عداوتها لهذا التيار. كما أكدت في تعليق آخر أن ما سمي الإصلاحات اللغوية على الرغم من أنه فصل بين الأمة وتاريخها وثقافتها ولكن الشعب التركي كان في حينهايعاني من الأمية.  

باحث يهودي ملحد أو قريب من الإلحاد

        باحث من كلية رامبو بولاية نيو جرسي القريبة من نيويورك اسمه إيرا سبار Ira Spar
متخصص في العقائد يكاد ينتقد الأديان كلها حتى اليهودية، وهو أمر معروف أن يكون النقد والهدم لجميع الأديان. ويعرف عقائد الشعب البابلي وغيرها من الأديان والمعتقدات. ويتحدث عن المعتقدات على ما فيها من إلحاد وكفر بكل سهولة لدرجة يصل فيها إلى استحسان تلك العقائد. وقد ذكر أموراً لا أستطيع أن أعيدها تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً. ولمّا كان موضوع البحث نظرة تاريخية إلى الصراع بين تكوين القانون الإيجابي والقانوني العقدي. ويقصد بالأول هو ما صنعه البشر من قوانين والقانون العقدي هو الشرائع السماوية. وحاول الباحث أن يثبت أن هذا الصراع يعود إلى آلاف السنين حيث وقع الصراع عندما وضع حمورابي قوانينهالمعروفة. ومن الأمثلة على هذا الصراع قصة الشاب الباكستاني الذي تزوج في باكستانوانتقل للعمل في الولايات المتحدة في مجال صناعة المعلومات وكوّن ثروة تقدر بعدة ملايين ثم قرر أن يطلق زوجته فقال لها: طالق، طالق، طالق، وهنا لجأت الزوجة إلى المحاكم الأمريكية فهل يمكن للمحاكم الأمريكية أن تناقش عقداً تم في بلد آخر، وأصرت المحاكم الأمريكية أن يقدم الزوج جزءاً من ثروته للزوجة تعويضاً لها. ولم يذكر أن بعض الدول الأوروبية قبلت أن يتحاكم اليهودي إلى شريعتهم في مسائل الأحوال الشخصية ولكن يصعب عليهم أن يقبلوا تحاكم المسلمين إلى شريعتهم وقد أثار الإعلام البريطانيضجة كبرى عندما أعلنت بريطانيا أنها ستعطي المسلمين الحق في التحاكم إلى شريعتهم في مجال الأحوال الشخصية فقامت الدنيا ولم تقعد. وكم تمنيت أن تقوم حملة إسلامية لتوضح لهؤلاء الناس عظمة الإسلام في هذه التشريعات وفي غيرها. فالذين يرون أن الطلاق إنما هو قول الرجل: طالق، طالق، طالق ليس صحيحاً، فللطلاق مراحل يسبقها علاج الرجل لنشوز المرأة ثم الحَكَم من أهله ومن أهلها ثم الطلاق مرتان أي مرة فمرة وفي كل مرة ينتظران ثلاثة أشهر لعلهما يتراجعا عن قرار الانفصال حتى كتبت كاتبة إنجليزية ذات مرة إن الطلاق في الإسلام أرحم من الطلاق عند الغربيين. وأشار الباحث إلى وثيقة الماقنا كارتا
البريطانية التي حدّت من سلطات الملك ومنعته من الاعتداء على الرعية بالاعتقال أو
مصادرة الأموال أو جبيها بدون وجه حق، وذكر تفصيلات طريفة في الموضوع سأسعى إن شاء الله للحصول على تفاصيلها، ولكني تذكرت ما كتبه الشيخ محمود شاكر (أبو فهر) رحمه
الله عن أن المماليك في مصر عاثوا فساداً نهبوا الأموال وظلموا الرعية فما
كان من العامة إلاّ أن توجهوا إلى العلماء-وهذه مكانة العلماء الحقيقية-طالبين منهم إنقاذهم من الظلم، فما كان من العلماء إلاّ أن أمروا الناس بما يشبه العصيان المدني وتوجهوا إلى قصر كبير المماليك واحتجوا على ما يقوم به هو وغيره من المماليك من ظلم الناس وسلب أموالهم وانتهى الاجتماع إلى توقيع المماليك على حجة أو صك أن يعيدوا المظالم إلى أهلها ويتعهدوا بعدم ظلم الرعية. ويقول محمود شاكر إن علماء المسلمين سبقوا الإنجليز في هذا الصك أو الحُجّة.

بسام الطيبي ونوال السعداوي وأضرابهما في المؤتمر

         لفت انتباهي في المؤتمر ذكر بسام الطيبي الأستاذ العربي في عدد من الجامعات الغربية وإيراد اقتباس طويل من كلامه حول السياسة والإسلام. كما ذكرت نوال السعداوي وأشار عميد مدرسة الدراسات الأمريكية والدولية بكلية رامابو Ramapo في نيوجرسي الدكتور حسن مجيد (أصله من أصفهان) إلى أنهم دعوا نوال السعداوي لتحاضر عندهم. وهنا تذكرت أنني سبق أن كتبت عن آراء بسام الطيبي التي تحاول بعض صحفنا الترويج لها ومن ذلك الاقتباس الآتي: "وكان من الأسئلة التي أجاب عنها الطيبي (الشرق الأوسط 26شوال 1419هـ) أن اللجوء للإسلام إنما يحدث بسبب الأزمات واستشهد بما حدث في اندونيسيا حيث قال: "ففي وقت الأزمات يلجأ الناس إلى التشبث بمعتقداتهم الموروثة ويحاولون استخدامها كعلاج
لأزماتهم، وطالما لم نقدم لهم بديلاً علمانياً حداثوياً مفهوماً ومقبولاً لدى
الجماهير فسيظلون ميّالين إلى الاندفاع نحو الأصوليين عند كل هزة اقتصادية أو أزمة
سياسية.... وأتساءل الآن وبعد ثنتي عشرة سنة تقريباً من تلك المقابلة ماذا يسمى
بحث الغرب عن حلول لأزمتهم الاقتصادية الخانقة في القرآن الكريم حتى كان البابا في
الفاتيكان طالبهم بالرجوع إلى القرآن للإفادة من تشريعاته المالية؟

       ولمّا سئل الطيبي عن الإسلام والديمقراطية خلط بين الصحيح والخطأ فمما قاله: "تقليص الإسلام إلى مجرد عقيدة سياسية ما هو إلاّ تجاوز لروح رسالته." فالإسلام اقتصاد وسياسة واجتماع وثقافة وكل جوانب الحياة. ويضيف الطيبي في الإجابة نفسها: "ولا ترد أي إشارة في القرآن إلى الدولة أو النظام السياسي ولكن هناك دون شك ذكر لأخلاق سياسية محددة في
الإسلام…" إذا كان الطيبي لم ير في القرآن الكريم إشارة إلى الدولة فما ذا يسمي موقف يوسف عليه السلام في مسألة اقتصادية أو الأزمة الاقتصادية التي واجهها الرئيس المصري والاحتياطات التي اتخذها وقيامه بمسؤولية المالية. ماذا يسمي ذكر القرآن الكريم لفرعون سبعين
مرة أكثرها كان في سياق سياسي بحت مع أن الطيبي يدرك الارتباط بين العقيدة والإمامة. ألم يؤسس الرسول صلى الله عليه وسلم دولة ضمت جميع مرافق الدولة السياسية والاقتصادية والقضائية والثقافية والإعلامية وغيرها؟ أليس نموذج الدولة في الخلافة الراشدة كافياً لمعرفة أن الدولة أمر أساسي؟ فهل يبحث الغربيون عن نماذج تختلف عن الطيبي؟"

الأمة هي الأصل

        كان لنا في المؤتمر جلسة نقاش شاملة لأوراق المؤتمر وتقديم أفكار لمؤتمرات قادمة، فقلت لقد اطلعت على كتيب صغير للدكتور أحمد الريسوني من المغرب بعنوان (الأمة هي الأصل) ورسم على غلاف الكتاب مثلثين أو هرمين أحدهما سليم والآخر مقلوب، وقال إن الأمة كانت تقوم بمعظم شؤونها مما يمثل ثلثي الهرم السليم ولم يكن للدولة عمل سوى الأمن والجيش والعلاقات الخارجية والمالية. وكانت الأمة تقوم بشؤونها في التعليم والثقافة والصحة والتجارة وسوى ذلك وذلك من خلال قيام الأثرياء بالإنفاق على العلم والأعمال الخيرية ومن خلال مؤسسة الوقف التي سيطرت عليها الحكومات إلى أبعد درجة فأفرغتها من حقيقتها. ثم قُلِبَ الهرم فأصبحت الدولة تسيطر على ثلثي الهرم فتتدخل في التعليم وفي الصناعة والتجارة والمجتمع فكيف يستطيع العلماء في العصر الحاضر أن يعيدوا للأمة مكانتها في تدبير شؤونها. وهذا هو عين ما قصده الدكتور عبد الوهاب المسيري في عبارته (تغوّل الدولالقومية)، فرد الدكتور حسن مجيد بأن الموضوع حقيق بالدراسة وسأسعى ليكون هو موضوع مؤتمر قادم، ونسي ونسي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...