دخل التنظيم مجال الحياة العلمية في الولايات المتحدة الأميركية مع ظهور الثورة الصناعية في أواخر القرن التاسع عشر، بتشجيع الشركات الخاصة والهيئات الحكومية. وقد لاحظ أليكس دي توكفيل مبكرًا أن طبيعة تكوين الطبقة السياسية في الولايات المتحدة، والتي نشأت حُرَّةً وتميل في غالبها إلى الفئات المتوسطة، والمكافحة من أجل تحسين موارد كسبها ودورها في الحياة السياسية، جعلها تتعامل مع العلوم والمؤسسات العلمية من منطلق عملي واقعي، ممَّا ضاعف الاهتمام بالمنحى العملي في الاكتشافات والأبحاث العلمية، بخلاف طبيعة تكوين الطبقة السياسية الأوروبية المكونة من فئات أرستقراطية حائزة أصلًا على مصادر الثروة والنفوذ، وفئة متوسطة ديمقراطية، وطبقة واسعة ضعيفة وراديكالية، فتراها منشغلة بالنظريات والأيديولوجيات: يسارٍ يمينٍ، بَدَلَ الاهتمام بالجوانب العملية . وتخصص الولايات المتحدة للأبحاث والتطوير سنويًّا (1989) أموالًا تبلغ 100 بليون دولار، وتُقدَّر بـ 2.6% من الناتج القومي الإجمالي. ويُقدَّر إنفاقُ الدول النامية بمجموعها في مجال البحث والتطوير بخُمسِ المبلغ المخصص في الولايات المتحدة. وتبل...
قراءة في كتاب "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر" للدكتور مازن بن صلاح مطبقاني بقلم الدكتور محمد سعيد آركي
أولاً: المدخل والمنهج – "لماذا هذا الكتاب؟ رحلةٌ في متاهات الاستشراق " تمهيد: يأتي كتاب "بحوث في الاستشراق الأمريكي المعاصر" للدكتور مازن مطبقاني ليمثل نقلة نوعية في مشروعه الفكري، فهو ليس مجرد مجموعة بحوث أكاديمية، بل هو مشروع استراتيجي متكامل يهدف إلى كشف تحيزات الاستشراق الأمريكي، وتوثيق نشاطاته، وتقديم رؤية إسلامية لمواجهته، مع دعوة صريحة لإنشاء "دراسات استغرابية" في الجامعات الإسلامية . هذه القراءة التحليلية تسعى إلى كشف الأبعاد الإيجابية للكتاب، وتقديم صورة متكاملة عن قيمته، مع الإشارة إلى الأسس المنهجية التي بنى عليها الكاتب رؤيته، والدروس التي يمكن استخلاصها للباحثين والمسؤولين والمثقفين على حد سواء . بين قاعات الجامعات وسطور الكتب: منهجٌ يجمع بين العين والعقل من أبرز إيجابيات الكتاب، التي تتكرر في ثناياه، هو الاعتماد على المشاهدة الميدانية المباشرة، وليس فقط على القراءة النظرية. فمطبقاني لم يكتفِ بقراءة كتب المستشرقين، بل سافر إلى أمريكا وبريطانيا، وعاش في جامعة برنستون مدة شهر، وحضر المحاضرات، وقابل الأساتذة، وتنفس أجواء الاستشراق...