التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خادم الحرمين وتقدير العلماء


 [1]
وفي طيبة الطيبة كان اللقاء بين مليك البلاد (الملك فهد) وأبناء طيبة فتحدث إليهم حديث الأب... حديث الأخ... حديث المسؤول ...حديث الراعي. وكان مما تناوله في هذه الكلمة التي كانت موجهة إلى أبناء المملكة جميعاً مكانة العلماء في الدولة فأوضح رحمه الله   أن الدولة تكنُّ للعلماء كل تقدير واحترام وأنها لا تألوا جهداً في الاستنارة برأيهم واستشارتهم فجزاه الله خيراً على ما بيّن وأوضح.
        والعلماء هم ورثة الأنبياء كما جاء عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت لهم دائماً المكانة السامية في الدولة الإسلامية. وقبل أن نوضح هذه المكانة نستعرض بعض الآيات الكريمة التي حثت على العلم والتعلم وبيّنت مكانة العلماء ثم نأتي بأمثلة من التاريخ الإسلامي لأهمية العلماء في حياة الأمة الإسلامية.
        يحث القرآن الكريم المسلمين على طلب العلم والسؤال عنه كما جاء قول الله تعالى (وما أرسلنا قبلك إلّا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقد جاء في الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وقد بيّن القرآن الكريم أن أكثر الناس خشية له سبحانه وتعالى هم العلماء (إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء) والعلماء لهم مكانتهم الخاصة كما أوضح القرآن الكريم (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وقوله تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)
        ومسؤولية العلماء كبيرة وقد صنّف العلماء المسلمون الكتب والرسائل في مسؤولية العلماء وفي أخلاقهم ومن هذه الكتاب كتاب الشيخ عبد العزيز البدري الإسلام بين العلماء والحكام أوضح فيه كيف تأثر العالم الإسلام بالغرب وتأخر دور العلماء وضرب الأمثلة من التاريخ الإسلامي عن مكانة العلماء في الأمة وكيف كانوا هداة للحق آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر لا يخشون في الله لومة لائم.
        ومن هذه الرسائل ما كتبه الإمام المحدّث الفقيه أبو بكر الآجرّي بعنوان أخلاق العلماء وقد قام بالتعليق عليها وتخريج أحاديثها الدكتور فاروق حمادة وقد أعجبني من مقدمة الدكتور حمادة قوله:"وما أحوج أمتنا الإسلامية اليوم إلى العلماء الذين يدركون مسؤولية العلم، ويعلمون مهمتهم الملقاة على عاتقهم في الحياة فينتفضون من أوضارهم ويستيقظون من سباتهم وينطلقون للعمل بعلمهم ورد الذين جرفتهم المادية بطغيانها منهم ويعودون بهؤلاء الذين بهرهم القرن العشرين فنسوا تراثهم ونسوا أنهم أفضل أمة في الوجود بميزة هامة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أ.هـ
        وقد حرص الحكّام المسلمون على تقريب أهل العلم فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه "وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته" وجاء في كتاب الخراج أن عمر رضي الله عنه قال "واستشر في أصحابك الذين يخشون الله، لأنه من ليس كذلك فلا قول له في حادثة ولا يسكن إلى قوله" عن كتاب: منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم
        ومن الخلفاء الذين حرصوا على تقريب العلماء والاستنارة برأيهم أبو جعفر المنصور الذي لمـّا حج بحث عن سفيان الثوري فلما جاءه قال له: لأي شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتنا بشيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه، ثم سأل سفيان الثوري الخليفة عن نفقته في الحج، وكان الخليفة لا يدري (يبدو أنها كبيرة وهناك من يتولى الأمر) فذكّره سفيان بما كان من عمر بن الخطاب في الحج، قال لغلامه كم أنفقت في سفرنا هذا؟ قال يا أمير المؤمنين ثمانية عشر ديناراً، فقال له عمر، ويحك أجحفنا بيت مال المسلمين.
     ولابن تيمية موقف مشهود من غازان التتاري حينما غدر ببعض الحكام المسلمين وغزا ديارهم، فذهب إليه ابن تيمية وقال له كلاماً قاسياً لخيانته للعهد وغدره.
      وقد صنّف الغزالي العلماء إلى ثلاثة أصناف:
    الأول: إما مهلك نفسه وغيره وهم المصرّحون بطلب الدنيا المقبلون عليها.
     الثاني: المُسعِدُ نفسه وغيره وهم الدعاة إلى الله ظاهراً وباطنا.
    الثالث: المُهلِكُ نفسه المُـسْعِدُ غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقصده في الباطن قبل الخلف وإقامة الجاه.
        وأختتم ببيت كان الغزالي رحمه الله يتمثل به
        يا معشر القراء يا ملح البلد
                                 ما يُصلح الملح إذا الملحُ فسد.

       



[1] المقال الخامس والستون، المدينة المنورة العدد 9358 في 4 رجب 1413هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد.. وما أشبه الليلة بالبارحة

                                      بسم الله الرحمن الرحيم                                  ما أصدق بعض الشعر الجاهلي فهذا الشاعر يصف حال بعض القبائل العربية في الغزو والكر والفر وعشقها للقتال حيث يقول البيت:   وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلاّ أخانا. فهم سيقومون بالغزو لا محالة حتى لو كانت الغزوة ضد الأخ القريب. ومنذ أن نزل الاحتلال الأجنبي في ديار المسلمين حتى تحول البعض منّا إلى هذه الصورة البائسة. فتقسمت البلاد وتفسخت إلى أحزاب وفئات متناحرة فأصبح الأخ القريب أشد على أخيه من العدو. بل إن العدو كان يجلس أحياناً ويتفرج على القتال المستحر بين الاخوة وأبناء العمومة وهو في أمان مطمئن إلى أن الحرب التي كانت يجب أن توجه إليه أصبحت بين أبن...

مؤتمر الاقتصاد ودروس التاريخ

                    يسعى أصحاب "مشروع السلام" إلى دفع عجلة هذا المشروع بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة، وقد تفتقت أذهانهم عن فكرة التعجيل فيما يسمى بالتطبيع الاقتصادي فعقد مؤتمر الدار البيضاء ثم مؤتمر عمّان وها هم يسعون إلى عقد مؤتمر القاهرة ويصرون على عقده رغم تردد الدولة المضيفة في قبول انعقاده قبل أن تظهر إسرائيل احترامها الحقيقي ل " مشروع السلام". وقد جمع المؤتمران السابقان عدداً كبيراً من رجال الأعمال أو التجار من العرب المسلمين واليهود بالإضافة إلى المسؤولين الرسميين، وإن تهافت اليهود على هذه المؤتمرات إنما هو بسبب حرصهم الشديد على اختراق أسواق البلاد العربية لعلهم يصيبوا من ثرواتها ما يرون أنهم حرموا منه حتى الآن.      والمسلمون يعرفون اليهود معرفة جيدة، يعرفون طباعهم وأخلاقهم وسلوكهم وحبهم للمال والحرص عليه بأية وسيلة فقد حرصوا أن تكون لهم الهيمنة الاقتصادية في مجتمع المدينة المنورة قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى الهيمنة السياسية والفكرية. ويقول الدكتور أكرم العمري: "ولا شك أن ا...