الثلاثاء، 18 يوليو 2017

الغربة في حياتي - من أيام المنتديات


أكاد أقول إن كل مراحل حياتي غربة، غربة بدنية وغربة عقلية ونفسية، بدأت الغربة من المرحلة المتوسطة حين انتقلت من الكرك بالأردن إلى المدينة المنورة فكنت أرتدي البنطلون فسمعت من كان يقول لي (أبو شام) ودخلت المدرسة فكانت لهجتي مختلفة فلم أتعلم أن أنطق الكلمات بالساء بدل الثاء ولا بالزاي بدل الذال، ولا أعرف أن أقول يا واد، وكانت غربتي أكثر حين وجدت صراعاً على من يستطيع أن يسيطر على غيره أخلاقياً ولا أخلاقياً فانطويت على نفسي وتركت الاختلاط بزملائي إلاّ قليلاً جداً، بل إنني كنت لا أعرف الخروج من البيت إذا غربت الشمس، وكان والدي يرى أني مثل البنت في البقاء في البيت. ولكن إذا كنت لا أمتلك النفسية المقاتلة أو محبة القتال البدني فماذا أعمل. ولكن استطعت المحافظة على قوتي العقلية بأن كنت أقضي وقتاً طيباً في القراءة والاطلاع. وكان والدي رحمه الله يصحبني معه في رحلاته مع زملائه وذات مرة سمح لي أن أذهب معهم لمشاهدة السينما (كانت في حوش أحد المنازل في حي من أحياء المدينة) وسمح لي مرة أن أرافق أحد زملائه لأداء العمرة.
وعندما وصلت الثانوية كانت غربتي تشتد فثلاث سنوات لم أعرف طريقاً لمقصف المدرسة أو البوفيه، والسبب أنه لم يكن لي مصروفاً ثابتاً وكانت نفسي لا تطيق أن يضيفني أحد ولا أستطيع أن أرد دينه، فكنت أقضي تلك الأوقات في الفصل أو في المكتبة.
وزادت الغربة حين سافرت إلى أمريكا وكان الأهل يدفعونني إلى دراسة الطب أو الهندسة ودرست العديد من المواد العلمية من رياضيات وفيزياء وكيمياء وحتى كيمياء حيوية وعلم النبات وعلم الحشرات والتشريح. وكنت أدخل قاعة المحاضرات وأخرج فالطلاب عادة يبحثون عن طالبة جميلة يتعرفون إليها، وما كنت أتقن هذا الفن، والأمر الآخر أنني لم أكن أؤمن بالعلاقات السريعة هذه القائمة على الكذب والخداع –في غالبها- إلاّ التي يصدق فيها الطرفان ويريدان الزواج حقاً ولكن دون عمل المحرمات، فكم من مواد دراسية درستها لم أتعرف إلى أحد. وما أصبح لي معارف وأصدقاء من الأمريكيين إلاّ عندما بدأت أدرس اللغة الإنجليزية وفي ذات مرة تحدثت أستاذة المادة عن الوجودية وكانت تتحدث بالذات عن قصة الحائط لجان بول سارتر فأخذت تطعن في الوجودية، وما كنت أعرف ما الوجودية ولكني اعترضت أن تستغل الفصل الدراسي لعرض أفكارها الخاصة، فقالت سألني أحد الطلاب عن رأيي، فأجبت ولكن نحن ستة وثلاثون طالباً ولو كل واحد سألك عن رأيك في قضية لما عرفنا ما القصة القصيرة ولما درسنا المادة. فردت في الأخير بإصرار هذا فصلي وأنا أعمل فيه ما أريد. وهنا تجرأ عدد من الطلاب عليها ولكنهم عادوا ليعتذروا لها خوفاً على درجاتهم، فقابلت بعضهم فقلت لهم أنتم منافقون لماذا الاعتذار، ولما لم أعتذر فقد حصلت على مقبول فقط ( D) وفي تلك الجلسة سأل أحد الطلاب عن دفتر كنت أحمله فكان فيه بعض خربشاتي (التي أطلقوا عليها شعراً) فدعوني للمشاركة في ورشة الكتاب، وهنا كانت لي علاقة بعدد منهم استمرت سنوات طويلة وحتى بعد أن عدت كانت بيني وبين اثنين منهم مراسلات.
وكان من مظاهر الغربة في أمريكا أنني كنت أرى معظم الطلاب هناك يلهون أكثر مما يدرسون وحتى إني شاهدت المسؤولين في جمعية الطلاب العرب يلعبون القمار ويشربون فتعجبت من النضال الذي يزعمون كيف يتفق مع هذه السلوكيات المنحرفة. وكذلك كنت أحمل في يدي دفتراً أسود أدون فيه ملاحظاتي ومشاهداتي فاعتقد بعضهم أنني أتجسس عليهم، ومن الغباء أن الذي يتجسس يحمل معه دفتراً ليدون أمام الناس، ولكن لم تنعقد بيني وبينهم صلات، كما أن الحياة المادية في الغربة أو التي تحول إليها كثير من الطلاب أبعدتني عنهم.
وربما كانت أشد غربة حين ظننت أنني وجدت المكان المناسب وهو المعهد العالي للدعوة الإسلامية بل كان اعتقادي أنني جئت لأعيش حياة الصفاء والطهر والنقاء، حياة أشبه بحياة الصحابة الكرام، وكنت متقدماً في السن وعرفت المال الوفير والسفر وكانوا أغلبهم أصغر مني سنّاً وطموحاتهم تختلف عن طموحاتي. فعرفت كيف يمكن أن يكون الدين ستاراً وفرصة لكسب العيش وليس للدين نفسه.
تجتاحني الغربة كثيراً عندما أفكر في مسيرتي في الحياة وأين أخذتني وأين يمكن أن أكون، وأسمع عن أخبار بعض زملائي، بل حدث أن اجتمعت ببعضهم فرأيت أننا نعيش عوالم مختلفة.

بل إن الغربة هي الشيء الجميل في حياة الإنسان ففي الحالات التي أشعر فيها بهذه الغربة تكون الفرصة لمعرفة موقعي في هذه الدنيا وأين وصلت وإلى أين أريد أن أصل، ولكن هل الإحساس بالغربة جزء من حياة الكفاح والعمل والإنجاز؟ لا أعرف كيف يشعر غيري ولكني أستمتع بالغربة وأحياناً أحب لحظات الضياع حين أسير في شارع في مدينة ما ولا يعرفني أحد ولا أعرف أحداً فأهيم على وجهي دون أن يكون لي أي هدف. ولكنها لحظات مؤقتة حيث إن كل هذه اللحظات لا بد أن تنتهي لأعود إلى واقعي وما ينبغي أن أفعل لأواصل مشوار الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق