الجمعة، 9 يونيو، 2017

الاستشراق ومشكلة المجتمع المدني في الإسلام من كتاب (الاستشراق والإسلام والمتخصصين في الإسلام)

Orientalism, Islam and Islamists. Edt. Assaf Hussain and others (Brattlebrough: Amana Books, 1984)
في الوقت الذي نجد فيه أن مشكلة الفهم والمقارنة والترجمة تثير قضايا حساسة في الفلسفة واللغة والوعي الاجتماعي، فإنها تظهر بوضوح أكثر حدة في علم الاجتماع. فبالإضافة إلى الصعوبات الفنية من تحيّز وتشويه وإساءة تمثيل في المنهجية في العلوم الاجتماعية فهناك أسئلة أكثر عمقاً كالنسبية والتعصب والإيديولوجية تثير الشكوك حول قواعد التحليل المقارن. ذلك أنه من الصعب تخيل ما يمكن عدّه علم اجتماع صحيح دون استخدام المنهج المقارن. بيد أن هناك العديد من الصعوبات المنهجية والفلسفية التي غالباً ما تظهر وتحد من مصداقية علم الاجتماع المقارن. وقد وقع اختلاف كبير حول استخدام الوضع الذي تبناه ماكس وبر Max Weber في علم الاجتماع اللاقيمي هل هو ممكن أو حتى مرغوب فيه.([1])
وفي السنوات القريبة الأخيرة ازدادت الحساسية لدى علماء الاجتماع حول الحقيقة التي مفادها أنه بالإضافة إلى قضية الصعوبات الفنية والفلسفية فإن بناء سياسة القوة ذات تأثير عميق في تشكيل محتوى البحث في العلوم الاجتماعية واتجاهه. وباختصار فوجود العلاقات الاستعمارية الاستغلالية بين المجتمعات كانت ذات أهمية رئيسة للتطوير النظري لعلمي الانثروبولوجيا(علم الإنسان) والاجتماع. وكان دور السياسة الإمبريالية حساماً في تكوين صورة الإسلام في الغرب وفي تخيل المجتمعات الشرقية.([2])
وثمة افتراض من المنظور المعرفي والمتحرر بأن القوة والمعرفة ليستا وحدهما تضاديتان، ولكن المعرفة الصادقة تتطلب كبت القوة. ففي التاريخ المتحرر للأفكار يكون انطلاق العلم من الأيديولوجية والاعتقادات الفطرية مشتركاً مع نمو الحرية الفكرية وانحسار الإرهاب السياسي القهري. هذه النظرة لتنافض السبب والقوة من قبل الفيلسوف الفرنسي مايكال فوكوMichael Foucault الذي يجادل بأن نمو السيطرة البيروقراطية على السكان بعد القرن الثامن عشر تستلزم أشكالاً أكثر انتظاماً من المعرفة في صورة علم الجريمة والعقاب وعلم النفس والطب. فاستخدام القوة في المجتمع يقترح مسبقاً صوراً جديدة من المعرفة العلمية التي يمكن أن نتوصل من خلالها إلى تحديد المجموعات المنحرفة والسيطرة عليها. وفي مقابل التقاليد الليبرالية ومن خلال تحليل التقليد الغربي العقلاني نجد أنفسنا مضطرين للاعتراف ب:
إن القوة والمعرفة يتضمن أحدهما الآخر مباشرة، وأنه ليس ثمة علاقات دون المحتويات المتلازمة للمعرفة الميدانية، وليس فقط أي معرفة لا تفترض مسبقاً وتتضمن في الوقت نفسه علاقات قوة.([3])
        وهكذا فإن نمو المعرفة العلمية لا يعطي البدء لفترة الحريات الفردية، ولكن يشكل قاعدة لصور أكثر اتساعاً للقوة المؤسساتية من خلال الصلة بين السجن والقوبة، والعفو والطب النفسي والعلاج الإكلنكي وفي المستشفيات والمدرسة والبداغوجية. وتوجد المعرفة اختلافات من خلال التصنيف والتبويب والمقارنة. فالتصنيف المتمثل في "إجرامي" و"جنوني" و"انحراف" هو من مظاهر المعرفة العلمية التي يمارس من خلالها الطبيعي والمجنون القوة في تقسيم منظم للتشابه والاختلاف. ولا يمكن التقليل ببساطة من شأن ممارسة السلطة على الأتباع إلى مسألة الآراء والدوافع من جانب الأفراد مادامت القوة مندمجة في اللغة نفسها التي نصف العالم ونفهمه بها. فلا يمكن تحقيق المقارنات الصحيحة بين كل من الفرد المنحرف والطبيعي وبين العاقل والمجنون وبين المريض والسليم من خلال إعادة تشكيل المواقف والدوافع، حيث إن هذه الفروق نفسها تفترض مسبقاً علماً يكون فيه الاختلاف في الفهم تعبراً عن علاقات القوة.
        وتقدم لنا المعرفة/القوة في عمل ميشال فوكو القاعدة لدراسة إدوارد سعيد الخطيرة للاستشراق بصفته معرفة للاختلاف يكون فيها التناقض الواضح والمحايد بين الشرق والغرب تعبيراً عن علاقات القوة () فالاستشراق علم يمثل الشرق المثير والمهيج والغريب كظاهرة واضحة قابلة للفهم من خلال شبكة من المجموعات والبيانات والمبادئ التي من خلالها وفي الوقت نفسه يُعرف الشرق ويُسيطر عليه. أن تعرف هو أن تسيطر.
وهكذا كانت معرفة المستشرق بصورة رائعة إطار عمل صارم من التحليل الذي تم التعبير عنه من خلال العقيدة والآداب وفقه اللغة والاجتماع، ولم يعبر فقط عن علاقات إمبريالية ولكنه تضمن في الواقع مجالاً من القوة السياسية. لقد أوجد الاستشراق علم دراسة الأفراد منظماً حول التناقضات بين الغربي العقلاني والشرقي الكسول. وكانت مهمة الاستشراق التقليل من تعقيد الشرق اللامنتهي وجعلها في نظام محدد من الأنواع والشخصيات والقوانين. وإن المختارات الأدبية التي تمثل الشرق المثير بيان منظم لمعلومات ميسورة كانت إنتاجاً ثقافياً نمطياً للسيطرة الغربية.
"فالحقيقة" الحاسمة في تحليل إدوارد سعيد حول مقولة المستشرق كانت إننا نعلم ونتكلم حول الشرقيين بينما هم لا يفهمون أنفسهم ولا يتكلمون عنّا. وفي لغة الاختلاف هذه ليس هناك علم مساو للاستغراب. فالمجتمع الذي تنطلق منه المقارنة يمتلك مجموعة من المظاهر الأساسية العقلانية والتطور، والمؤسسات الديموقراطية والنمو الاقتصادي. بينما تفتقد المجتمعات الأخرى لمثل هذه المظاهر المسؤولة عن الشخصية الخاصة بالمجتمع الغرب، وهي التي تشرح النقص في المني المجتمعية البديلة.فالاستشراق كنظام محاسبي ينطلق ليشرح المظاهر التقدمية للغرب والركود الاجتماعي للشرق () إن أحد الأسئلة المكونة لعلم الاجتماع الكلاسيكي هو: لماذا ظهرت الرأسمالية الصناعية في الغرب أولاً؟ -وهذا يشكل بالتالي مظهراً من النظام المحاسبي الذي يتعلق بالاختلاف الأساسي بين الشرق والغرب. ويمثل الإسلام دائماً في المجال الواسع للاختلاف بين ما هو غربي وما هو شرقي مشكلة سياسية وثقافية للنظام المحاسبي الغربي.
يختلف الإسلام عن الهندوسية والكونفوشسية بأنه يرتبط ارتباطاً دينياً رئيساً باليهودية والنصرانية ويثير تصنيف الإسلام بأنه دين شرقي صعوبات رئيسية في فكر المستشرق، بينما تمثل كون النبوة أمر فريد قصة مستمرة فثمة نقاشات قوية تقترح بأنه من الممكن لنظر لليهودية والنصرانية على انهما صورتان مختلفتان من العقيدة الإبراهيمية()



     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق