الأربعاء، 24 مايو 2017

ما أروع هذا التصريح!!

   
يظن البعض أن أوروبا بدأت مشروع اتحادها قبل  خمسين سنة فقط  عندما شرعت في اتخاذ الخطوات العملية والفعلية لإنشاء الاتحاد الأوروبي الحالي ، ولكن الأمر أبعد من ذلك فإن أوروبا اجتمعت قبل أكثر من مئة وخمسين سنة لبحث ما أسموه المسألة الشرقية وهي التخطيط لإسقاط الخلافة العثمانية والاستيلاء على ممتلكاتها وتقسميها. واستمروا يطلقون على الدولة العثمانية "الرجل المريض" أو حتى " رجل أوروبا المريض" حتى كان سقوط الخلافة العثمانية بعد نهاية الحرب "العالمية" الأولى وانحصار تركيا في حدودها الحالية.
أما الدول العربية التي كانت تابعة للدول العثمانية فقد جرى التخطيط لتقسيمها في اجتماعات سايكس بيكو عام 1917 في أثناء الحرب "العالمية" الأولى. فقد جلس المسؤولان الفرنسي والإنجليزي وبيديهما أقلام حمراء   أو كأنها السكاكين تقطع في أجزاء الذبيحة بعد سلخها. وكان للأوروبيين ما أرادوا فبعد أن كانت الدول العربية ولايات تحت حكم دولة واحدة أصبحت كل ولاية منها تتبع إمّا بريطانيا أو فرنسا. واخترعوا نظام الوصاية بإشراف عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة ليجعلوا بعض الدول لا هي محتلة ولا هي مستقلة ، فكأنها اليتيم الذي لم يبلغ الرشد بعد.
وشاء الله للدول العربية أن تستقل سياسياً عن بريطانيا وفرنسا ولكن المكر الاستعماري لم يغادر حتى ترك بؤر للصراع هي مشكلات الحدود. وقد كانت  المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول التي عالجت المشكلات الحدودية بحكمة واتزان وبدبلوماسية هادئة تملؤها روح الأخوة والمحبة. ولكن بعض المشكلات الحدودية أريد لها أن تكون فرصة للتوتر المستمر بين الاخوة. ونجحوا في بعض المرات ولم ينجحوا في الأخرى.
وقد أثيرت مشكلة الحدود بين مصر والسودان في منطقة حلايب، ومن العجب أن هذا الموضوع كان يتصدر نشرات أخبار بعض الإذاعات الموجهة ، وإنني وإن لم أتابع تصريحات المسؤولين السودانيين لكني قرأت قبل أيام تصريحاً لوزير الخارجية المصري فأعجبني أيما إعجاب وقد قال كلمات لا أكون مبالغاً إن قلت إنها توزن بماء الذهب. وأعتقد أن هذه الكلمات يجب أن تصل إلى مسامع الأمة الإسلامية أجمع فإنها تنبع من روح عظيمة تقدر الأخوة وتحترمها .
فما ذا قال الوزير المصري عندما سئل عن مشكلة الحدود بين مصر والسودان؟ فقال ليس هناك مشكلة فإن السودان حدوده إلى الإسكندرية أو ما بعدها وحدود مصر إلى جوبا. وكأني به أسكت السائل أو ألجمته الإجابة.
نعم ليس بين المصري والسوداني حدود وليس بين أي عربي وعربي حدود أو بين مسلم ومسلم إنما هي خطوط وهمية تؤدي دوراً محدوداً في تنظيم العلاقات ولكن الحقيقة أن هذه الأمة كما وصفها ربها سبحانه وتعالى تعيش وفق علاقة الأخوة { إنما المؤمنون إخوة} فهذه الأخوة لا تخضع لعوامل دنيوية أو مصالح مؤقتة ولكنها أزلية ما دام كتاب الله يتلى في هذه الأرض. والأخوة الإسلامية لا تعرفها أمة من الأمم. والتاريخ القديم والحديث  يشهدان  بأن هذه الأمة أكدت تمسكها بهذا الأمر. فمن هزم الصليبيين؟ ومن هزم التتار؟ ومن سيهزم اليهود بإذن الله إنها الأخوة الإسلامية حين يقول كل شي حتى الحجر والشجر يا عبد الله يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله إلاّ شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود ولذلك هم جادون في زراعته - كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فبعد هذا التصريح العظيم وما ينشر هذه الأيام عن السوق العربية المشتركة فإن الأمة العربية الإسلامية مدعوة اليوم أن تسعى إلى اتخاذ الخطوات العملية لتحقيق هذه الأخوة . وقد كتب الدكتور عاصم حمدان ذات مرة بأن هذه الروح يجب أن تبدأ بالتربية والتعليم بالتأكيد على روح الأخوة الإسلامية ، وكان يكتب منتقداً التفكير الثوري في بعض البلاد العربية الذي دعا إلى تحقيق الوحدة حتى لو كان الأمر بالقتال. نعم إن مبدأ الأخوة أمر يحتاج إلى تأكيد وترسيخ في النفوس قبل أن يصبح واقعاً . وهذا ما فعله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هاجر بأن آخى بين المهاجرين والأنصار حتى كان الواحد يرث الآخر حتى نزل قول الله عز وجل {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فنُسخ حكم التوارث وبقيت الأخوة أقوى ما تكون.
وكان لهذه الأخوة الصادقة أثرها العظيم في الفتوحات الإسلامية بعد نصر الله عز وجل وتمكينه للمسلمين . أليس هو الذي أمرهم بأن يتحدوا ويعتصموا بحبل الله في قوله تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} وأمرهم في موضع آخر بالبعد عن التنازع والاختلاف في قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}. فكان هذا الاتحاد بركة وأي بركة. إنه متى تشيع الأنانية في قوم ويختفي الإيثار فإن قوتهم ستضعف وتحل بهم الروح الانهزامية. وقد تحدث أستاذ في العلوم السياسية في المؤتمر السنوي لجمعية المختصين في العلوم السياسة الأمريكية قبل عدة سنوات عن الأوضاع الاجتماعية في المجتمع الأمريكي وتراجع أفراد المجتمع عن المشاركة في الأعمال الخيرية وضعف الروابط الاجتماعية، وذكر من بين الأسباب الإدمان على مشاهدة التلفاز. وإن كان التلفاز لا يمكن أن يكون السبب الوحيد فهو سبب هام ورئيس لأنه يشجع الروح الاستهلاكية والتطلع للماديات والشهوات، وقد كتب أبو الأعلى المودودي بأن الشح من أسباب زوال الحضارات. وصدق الله حين يقول {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}

مرة أخرى مرحباً بتصريح الوزير المصري وإلى مزيد من الخطوات العملية لحل الخلافات العربية العربية والله الموفق. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق