الأربعاء، 24 مايو، 2017

الاتجاهات الفكرية المعاصرة ملامح وآراء

كلية التربية
قسم الثقافة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم
تقدم الجامعات منذ سنوات مادة في المرحلة الجامعية وفي الدراسات العليا باسم (الاتجاهات الفكرية المعاصرة) أو (التيارات الفكرية المعاصرة) أو (المذاهب الفكرية المعاصرة) وكان ما يدرس في هذه المادة اتجاهات فكرية مثل الشيوعية، والرأسمالية، والوجودية، والحداثة، والعلمانية وغيرها. لكن هل هذه الاتجاهات الفكرية التي ينبغي أن ندرسها في مادة مقدمة لطلاب الدكتوراه في مسار العقيدة بجامعة الملك سعود في الفصل الثاني من العام الدراسي 1426/1427هـ
إن الاتجاهات الفكرية التي دُرِست في الماضي مازال بعضها قائماً وربما ازداد قوة ووضوحاً وسلطة ونفوذاً بينما خبا البعض الآخر أو أصبح موجوداً تحت أسماء أخرى. فماذا ندرس؟ إن متابعتي للساحة الفكرية في المملكة العربية السعودية على مدى عقود وبخاصة حين كنت كاتباً أسبوعيا مدة ثماني سنوات في صحيفة المدينة المنورة، ثم كاتباً يومياً مدة تسعة أشهر في الصحيفة نفسها رأيت أن أقدم بين أيديكم هذه الأفكار لعلها تكون مفتاحاً أو مفاتيح لهذه المادة.
التيار المادي العلماني الليبرالي القومي تيار نشأ منذ أكثر من مائة سنة، وازداد قوة بعد ما يسمّى الاستقلال وتكون حكومات في البلاد العربية أسماء الحكام إسلامية ولغتهم عربية فأخذوا بالقوانين الغربية فهنا يطبق القانون الفرنسي وهناك الإنجليزي وفي دولة ثالثة القانون البلجيكي وهكذا دواليك. وبدل أن يزدهر العلم حقيقة ازدهر الفنون من تمثيل وطرب وغيرها. وعندما قوي التيار الإسلامي وبدأت قوته تظهر في الفرص القليلة لانتخابات فيها شيء من النزاهة، رأت الحكومات أن تسمح من جديد للتيار العلماني ليعود من جديد بدعم من هنا وهناك.
والذين رأوا ضرورة الرجوع إلى الدين لم يكونوا سواء؛ فمنهم من انطلق من علم الحديث وأطلقوا على أنفسهم (السلفيون) وما أدراك ما السلفية، وبعد قليل أصبح لدينا مائة سلفية. وظهر من السلفية من قالوا إنهم "الإخوان" يعيدون سيرة "الإخوان" الذين كانوا أنصار الملك عبد العزيز رحمه الله. ولكن من "الإخوان" إن صحت النسبة ظهر جهيمان رحمه الله واحتل المسجد الحرام ومعه من زعم أنه المهدي ونادى بأمور كثير منها جيد وموافق لشرع الله سبحانه وتعالى.
ومن السلفيين أو أهل الحديث كما يحبون أن يطلق عليهم من أصر على أنهم الطائفة الناجية، وأشاع أصحاب الحديث أو من يزعمون أنهم كذلك أنهم الذين يفهمون الإسلام، فأخذوا يدرسون الحديث من جديد ويحكمون على رجال الحديث حتى لم يسلم منهم حتى صحيح البخاري وصحيح مسلم رحمهما الله. ويرى البعض أن الألباني رحمه الله يزعم هذه الطائفة. وأنه استطاع أن يجمع الفقه إلى الحديث أو الرواية والدراية كما يقال.
ومن الذين ينتمون إلى التيار السلفي طائفة أطلق عليها (الجامية) نسبة إلى محمد أمان الجامي، وكان من أبرز ملامح هذه الجماعة توزيع الاتهامات على العلماء كافة (يكاد لم ينج أحد من اتهاماتهم)، وقد فهموا من الإسلام أمراً واحداً وهو طاعة ولي الأمر، والتأكيد على هذه الطاعة بشتى الوسائل ومنها البحث في أحاديث الرسول e عن الأحاديث التي تأمر بالطاعة، ونسوا أو تناسوا أن الأمر بالطاعة يقابله أمر آخر وهو قول الحق من غير خشية لأحد من الناس، كما في بيعة العقبة الثانية (بايعنا رسول الله e على الطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، وعلى أثرة منّا وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق لا نخشى في الله لومة لائم)، واتخذ هؤلاء من سيد قطب رحمه الله عدوهم الأكبر فأخذوا يؤلفون الكتب والرسائل ويعدون الأشرطة المسجلة وكانت لهم مجلة (فخمة شكلاً) وعادوا العلماء وتسببوا في تحويل عدد من الأساتذة في المعاهد العلمية إلى العمل الإدراي وكذلك عدد من أساتذة الجامعات، ومن الأساتذة من طلب منهم أن يعمل في إدارة الامتحانات في كليته، يرصد الدرجات ويراجع الكشوف والبيانات ويراقب الطلاب ....)
وجاء "الإخوان المسلمون" ينتسبون إلى دعوة الشيخ حسن البنا رحمه الله، رجل كأمّة اغتالته يد الاستعمار والأذناب دون أن يبلغ الخمسين، وقدم "الإخوان المسلمون" برامج للشباب في الجامعات وفي المدارس الثانوية وانتشروا في جميع المجالات. ووجد الإخوان المسلمون من ينتقدهم لأسباب كثيرة. و"الإخوان المسلمون" في مصر ظهر منهم علماء كبار ألفوا مئات الكتب التي تناولت قضايا لم يتناولها غيرهم. وقد لفتت هذه الحركة المستشرقين منذ عهد مبكر، ربما لإدراكهم بخطرها الحقيقي عليهم كما يزعمون فظهرت عدة كتب عنها منا رسالة الدكتوراه التي أعدها ميتشال وصدرت في طبعتين إحداهما بتعليق صالح أبو رقيق (أحد قيادات الإخوان المسلمين) والثاني بتعليقات علمانية. ومازال رأي بعض المستشرقين أو المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط الذين يُطلق عليهم خبراء الشرق الأوسط أن حركة الإخوان المسلمين أخطر الحركات على الإطلاق.
وانشق من الإخوان من انشق، لو سبّقنا الظن الحسن لقلنا إنهم رأوا أخطاءً في الجماعة فأرادوا الإصلاح، ولكن نتائج الأمور تقول غير ذلك فقد نصّب هؤلاء أنفسهم أعداءً للإخوان أكثر من عدائهم للكفار. فيا لضياع الأوقات والجهود في مسلم يحارب مسلماً. ومن أبرز المنشقين من أطلق عليهم (السروريين) نسبة إلى نايف زين العابدين سرور الذي بدأ إخوانياً ، ثم عاش في القصيم (بريدة أو عنيزة) ودرس ودرّس ونال ثقة الكثيرين بسلامة نهجه وعقيدته. وانطلق في حركته في المملكة ثم انتقل إلى بريطانيا، وغير ولاءه من جهة إلى أخرى، ولكن يجب أن نذكر أن له جهوداً مهمة في الدفاع عن الإسلام لولا أن اختلط بعمله بعض العداوة لمسلمين آخرين. وهناك أخبار عن عودته للتصالح مع أنظمة الخليج العربي وبخاصة المملكة العربية السعودية.
ورأت أمريكا أنها ربما أخطأت في دعمها للأنظمة المستبدة في العالم الإسلامي وأن العصر الحديث لا يصلح أن تستمر فيه مثل هذه الحكومات فرأت أنها رسول الديمقراطية المعاصرة فأصدرت بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي فيما يطلق عليه "قمة الثمانية" مشروع الشرق الأوسط الكبير. ورأى البعض كثيراً من الخير في هذه الدعوة إلى الديمقراطية، أو ما شبّه لهم أنه الخير ونعوا علينا أننا لا نحب التغيير، ولماذا لا نقبل الديمقراطية وبخاصة أن تقارير الأمم المتحدة التي صادف (لا أدري هل هي صدفة حقاً)، تقول لنا إننا متخلفون في السياسة والاقتصاد؛ فبالطالة لدينا مرتفعة، والأميّة عندنا أكثر من غيرنا من الأمم بل ربما نحن أشد البشر أمّية، وليس لدينا حركة نشر ولا كتابة ومطابعنا تطبع التافه من الأعمال، ولا نترجم، وتركز هذه التقارير على أهمية إخراج المرأة أو مشاركتها في الحياة العامة وفي الحياة السياسية. فلماذا لا تأخذوا بالديمقراطية؟ إن كانت الديمقراطية شفافية وأمانة واختيار الحاكم أو المسؤول، أو كانت الديمقراطية كفالة حرية التعبير وتكوين الأحزاب والنقابات فلنرجع إلى النظام السياسي في الإسلام ونضع له الآليات لتطبيقه، فلسنا والله عاجزين عن ذلك إن أردنا.
ومن الاتجاهات الفكرية في العالم الإسلامي النزعة البربرية أو الأمازيغية التي ظهرت في بلاد الشمال الإفريقي منذ احتلال فرنسا لتلك البلاد، حيث نشرت فرنسا مدارسها ومعاهدها وأيدت الحركات التنصيرية لبث منصريها ورجال الدين والقساوسة حتى ظهر أحدهم وهو الأب لافيجري الذي أصبح كاردينالاً لقاء ما قدّم للكنيسة من خدمات، والنزعة البربرية ليست مقتصرة على الاعتزاز باللغة والعادات والتقاليد والفولوكلور ولكنها نزعة إلى التمرد على الإسلام والخروج منه. فبعض قادة هذه الحركة يبدأ بتقديم التحية باللغة العربية ثم ينطلق إلى الحديث بالفرنسية فقد أصيب بعجمة اللسان والفكر. ويبدو أن فرنسا استطاعت بوسائلها وأساليبها أن تجد لها أعواناً في حكومات بلاد الشمال الأفريقي {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً} وهذا اتجاه فكري يستحق أن يدرس بما يطلعنا على ما يدور في عالمنا العربي الإسلامي.
وقريب من هذا الاتجاه الفرانكفونية التي عقدت أحد مؤتمراتها هنا في الرياض قبل سنوات وقدّمت لمديرة مدرسة من المدارس الخاصة جائزة. فما الفرانكفونية وما جذورها وما مظاهرها وما أعمالها ونشاطاتها؟  إنها رابطة الدول المتحدثة باللغة الفرنسية ورئيسها الرئيس الفرنسي جاك شيراك ونائبه بطرس غالي. وقد اطلعت على كتاب عن السياسية الاستعمارية اللغوية للدكتور عبد العلي الودغيري يتحدث فيه عن المخطط الماكر الفرنسي لفرض اللغة الفرنسية على البلاد التي كانت(!) خاضعة للاستعمار الفرنسي. ولكن أين الجهود المحلية أو الوطنية أو الإسلامية لمقاومة الفرانكفونية؟ ألا تعجب أن تكون الإعلانات في قسم اللغة العربية في دولة شمال أفريقية باللغة الفرنسية؟ أليس من العيب أن تسيطر اللغة الفرنسية في بلد لم يخضع للاستعمار سوى سنوات قليلة. ولكن ما قام به الزعماء الوطنيون !!!! أكثر ألف مرة مما كان من الممكن أن يقوم به الاستعمار أو الاستدمار.
 أرجو أن تكون هذه الأفكار محركة للهمم للقراءة والاطلاع، وما ورد في الصفحات السابقة ما هو إلاّ لإثارة الرغبة لديكم للتفكير في هذه القضية للقراءة والاطلاع والبحث. وربما كانت هذه المادة مناسبة لكم لدراسة أحد هذه الاتجاهات الفكرية في بحوث معمقة أو لرسالة الدكتوراه. والله ولي التوفيق



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق