الاثنين، 22 مايو 2017

إنهم يأتمرون أو يتآمرون ولكن أين نحن؟


كلما حضرت مؤتمراً من تلكم المؤتمرات حول العالم العربي والإسلامي والذين يصرون على أن يسموه بالشرق الأوسط وتلك تسمية غاشمة، فنحن شرق بالنسبة لمن وأوسط لمن؟ ولكن ليس هذا هو المهم ولكن أن يعقد مؤتمر يستمر خمسة أيام من الاثنين إلى الجمعة وتنعقد جلساته من التاسعة صباحاً حتى السابعة مساء ويكون هناك ثلاثون جلسة في وقت واحد (متزامنة) لأمر كبير وكبير جداً. فماذا يريد القوم؟ إنها ليست تسلية وهم لا يقيمون الدنيا ويعقدونها من أجل التسلية أو التوصيات المكتوبة قبل أن ينطلق المؤتمر، ويحضر البعض ويغيب الغالبية. إنه مؤتمر تزدحم بعض القاعات حتى لا يبقى مقعد خال بل جلسنا على الأرض في إحدى الجلسات وقد كان الجالسون على الأرض (وكنت أول من جلس على الأرض) أكثر من ثلاثين شخصاً.
وليس هذا المؤتمر مؤتمر المجاملات التي تقبل الورقة في اليوم نفسه، وتقبل أوراق كتبت قبل ثلاثين سنة أو هي جزء من كتاب، أو مؤتمر تطبع بحوثه وتباع قبل أن ينطلق المؤتمر ليتقاضى اتحاد الجامعات الإسلامية (أمينه ومساعده لم يتغيرا منذ عقود، فأي اتحاد هذا؟) والجامعة المستضيفة ثلاثمائة دولار لكتاب لا حقوق نشر له ولم يكلف عشرة دولارات للنسخة الواحدة. وليس مؤتمراً علمياً صارماً، فهم يقومون الباحث من خلال الموضوع الذي اختاره وملخص البحث وإلاّ فإن لديهم (أقصد القائمين على المؤتمر) مجموعة من الباحثين الذين يهمهم إبراز بحوثهم واختيار أنسب الأوقات لهم وأنسب القاعات، ولاحظت هنا أن التقرير الصحفي اختار مجموعة لأنهم من المقربين لهذه اللجنة، فلا يخدعونا بالعلمية والموضوعية والمنهجية.
فماذا يبحثون في هذا المؤتمر وأشباهه؟ يبحثون السياسة وما أدراك ما السياسة؟ يبحثون كيف نعيش تحت حكومات شمولية وماذا تفعله بنا تلك الحكومات؟ ويبحثون في الديمقراطية وما بعد الديمقراطية. إن نشر الديمقراطية في نظرهم مرحلة قد انتهت. وهل بدأت حقاً لتنتهي؟ فما يكاد بلد يقترب منها حتى يوقعوه في حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس. لقد ضحوا بعشرات الألوف أو حتى مئات الألوف حتى لا تنعم الجزائر بحكم إسلامي ولا حتى على مستوى البلديات.
وجاءنا الغزو الأمريكي إثر هجوم صدام على الكويت فأعلن لنا بوش الأب عن النظام العالمي الجديد وأن الشعوب العربية سوف تنعم بالديمقراطية فيه وستكون البداية في الكويت لأنه الأضعف بعد خروجها من احتلال العراق، وهذا ما صرحوا به في صحفهم ووسائل إعلامهم. وصدقهم من صدقهم.
ثم جاء بوش الابن يزعم أنه يريد أن ينشر الديمقراطية في العالم العربي وابتدع أو اخترع ما أسماه مشروع الشرق الأوسط الكبير، وحشد له تأييد الاتحاد الأوروبي بل أعلن بوش أن سياسة أمريكا كانت خاطئة في الستين سنة الماضية (هل فقط ستون سنة؟) لأنها فضلت الاستقرار على نشر الديمقراطية أو التعامل مع الشعوب. وأعلنت أمريكا الندم على تلك السنوات، ووعدت الشعوب بأن تميل إلى جانبها في مقابل الحكومات. وأنشأ الاتحاد الأوروبي إدارة خاصة بنشر الديمقراطية في العالم العربي سمّاها (ترويج الديمقراطية Democracy Promotion) وفي أحد المؤتمرات كان أحد خبراء هذا الفن يلقي محاضرة (في مدينة هامبورج بألمانيا) واحتشد الناس من كل أنحاء المؤتمر ليستمعوا إليه. حتى إذا انتهى ألحّيت المنطقة أن أعلق فقلت : جميل أنكم تفكرون فينا وتحاولون نشر الديمقراطية، ولكن ما بال وزراء الدفاع والخارجية الأوروبيين لا ينقطعوا عن زيارتنا لبيع السلاح لنا لنستخدمه فيما بيننا ولا نستخدمه ضد عدونا الحقيقي. ثم إن شراء السلاح يحرمنا من أموال كانت من الممكن أن تبني المدارس والجامعات والمستشفيات والطرق وتفتح الفرص للشباب للعمل. هلاّ كففتم شركات السلاح عنّا ووزراء دفاعكم ورؤساء وزاراتكم وتركتمونا وشأننا.
والآن هم في مرحلة ما بعد الديمقراطية لأن تلك المرحلة أثبتت فشلها فلم تنتشر الديمقراطية وإنما أعطت دعماً وتشجيعاً للشعوب العربية والإسلامية أن تسعى إلى الأحزاب الإسلامية لأنهم يعرفون هذه الأحزاب وأنها الأولى بحكم الشعوب لو ترك لها الأمر ولم تحاربها قوى الشياطين من إنس وجان وعرب وعجمان.
ولو تركنا السياسة جانباً لوجدناهم يبحثون في التعليم العالي فعولمة التعليم العالي أي الدكاكين الجامعات التي انتشرت في عالمنا العربي وبخاصة في دول الجزيرة العربية التي يطلقون عليها لقب دول الخليج الذي لم يعد له اسم فحتى خليج الخنازير يا عالم له اسم، فلماذا تصر إيران على خليج فارس وقد ذهبت فارس وجاء الله بالإسلام والخليج من شاطئيه عربي فكيف يكون فارسياً ورضينا أن نتنازل عن الاسم من أجل ماذا لا أدري. فما التعليم العالي المعولم؟ ليست هي الجامعة الأمريكية في بيروت أو القاهرة أو الشارقة أو الكويت أو دبي، ولكنها الجامعات أو بقالات الجامعات في دولنا؛ تخيلوا شهادة السوربون من دبي وشهادة جامعة نورثوسترن (وما نورث وسترن هذه وما تصنيفها بين جامعات العالم، ولكنها جامعة أجنبية تدرس فيها أستاذة مجموعة من المواد ومؤهلها أنها أجنبية ذات عيون زرقاء أو خضراء، أما أن يفهم الطلاب اللغة ويتقنونها فأمر ليس ضرورياً.
ومع الاهتمام بالتعليم العالي يأتي الاهتمام بالشواذ من أبنائنا وبناتنا وبخاصة الذين كونوا فرقاً موسيقية تصدح أو تصدع أو تُصدع بالآلات الحديدية أو المعدنية، ويدور حديث طويل عن هؤلاء وما يفعلون في عالم الموسيقى وكيف تعلموها وما علاقاتهم بمجتمعاتهم وما علاقاتهم بالغرب. وتعجبت أن هؤلاء نالوا كل هذا الاهتمام من الباحثين الأجانب ونحن لا نحس بهم؟ لماذا لا يعرفون في عالمنا العربي وندرسهم ونقترب منهم ونعرف لماذا اختاروا هذه الألوان من الموسيقى وما مقصدهم من ذلك؟ أتعجب نروي قصة القسيس الذي رأى بعض الشباب النصراني في الأندلس يتعلم العربية ويتحدث بها ويرتدي الملابس العربية فحذرهم أن يتوقف هؤلاء الشبان الرقعاء عن هذه الأعمال وإلاّ أصدرت الكنيسة قرار الحرمان ضدهم. وما أعجب ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالثلاثة الذين خلفوا بأن أمر بمقاطعتهم، فهل يستطيع المجتمع اليوم أن يقاطع أمثال هؤلاء الخلعاء كعبدة الشيطان وغيرهم أسوة بما فعل سيد الخلق بثلاثة لم تصل ذنوبهم وأخطاؤهم إلى ما تصل إليه ذنوب بعض شبابنا وشيبنا اليوم.
ويبحثون في المنحرفين والضالين ممن ينتسبون إلى العلم فيتحدث شاب اسمه لؤي ردهان من إحدى الجامعات الأوروبية عن علي عبد الرازق وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد ويبدي حزنه على وفاة أبو زيد وكأنه صديق حميم. يتحدث عن الإسلام والسياسة ويزعم أنه قرأ كل النقد الذي وجه إلى على عبد الرازق فهل هو الوحيد في الغرب الذي يعتنق هذا الفكر وهذا التشويه العجيب؟ لا وألف لا فمثله كثيرون والمصيبة أن هذا من أصل عربي وربما يعيش حياته كلها في الغرب ولكن المصيبة الأكبر أن يصاب بمثل هذه اللوثات أبناؤنا وبناتنا ويعودون إلينا ليبثوا هذه السموم.
المؤتمر خلا فيما رأيت من التوجه الإسلامي الصحيح وبخاصة في القاعات الكبرى والأوقات المختارة المتميزة. والعيب فينا وليس في المنظمين، نحن لم نسع السعي المطلوب لنكون موجودين في مثل هذا المؤتمر ولو قام بنك عربي إسلامي بتبني حلقة أو حلقتين أو ثلاثة واختار لها من يمثل الصوت الإسلامي بقوة لحققنا بعض الوجود. ولنتفاءل فقبل يوم القيامة إن شاء الله سوف نشارك بفعالية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق