الأربعاء، 24 مايو 2017

من أروقة المؤتمر عن الاجتماعي السياسي 1


         لم أتمكن من حضور جلسة الافتتاح أو العشاء على النهر الذي لم أره، والسبب أن أوامراً صدرت بتأخير سفري فلبيت راضياً مطيعاً وكلفني تغيير الحجز ألف وثلاثمائة ريال وهي أساليب ابتكرتها شركات الطيران لتكسب المزيد فبعد أن يغروك بسعر مخفض ثم إن فكرت أن تغير الحجز قالوا عليك أن تدفع. ومع ذلك فيبقى السعر معقولاً، ومعقول أو غير معقول فالأمر أكبر من ثمن التذكرة.
         أما جلسات المؤتمر فقد كانت حافلة بالمعلومات والنقاشات والأفكار وأبدأ من سؤال قدمته كاترزينا أستاذة دراسات الشرق الأوسط بجامعة كراكوف حول قيادة المرأة للسيارة في السعودية واعتذرت أن السؤال ليس جوهرياً يتعلق بما قدمته من بحث حول المشاركة السياسة في العالم العربي بين العوائق والتطلعات. قلت له أوافقك الرأي أن قيادة السيارة ليست قضية جوهرية فقد أصبحت المرأة تقود السيارة في كل أنحاء العالم عدا في المملكة ولدينا جيش من السواقين أو السائقين جاءوا من كل أنحاء الأرض. ومنعت المرأة أن تقود سيارتها. والقضية كما قال وزير الداخلية ليست قضية فقهية وإنما هي اجتماعية. فالرافضون لقيادة المرأة للسيارة يخافون عليها من مخاطر الطريق من معاكسات ومعاكسات أو من شكوك في سلوك المرأة إن قادت سيارتها. فمن ناحية المعاكسات يمكننا أن نضع خطاً ساخناً لتتصل به أي امرأة تتعرض لمضايقة سواءً من جندي أو من مواطن، وأن يكون العقاب صارماً، ولا مانع أن يصحب المرأة في المرحلة الأولى بعض الأقارب إن وجدوا حتى يطمئنوا لضبط الأمور. وعندما يوقع العقاب في المعاكس فيتم ذلك في الحال.
        أما أن الشك في سلوكيات المرأة إن هي قادت فأمر لا مكان له فالمرأة التي تريد أن ترتكب أي خطيئة فلن تنتظر حتى يُسمح لها بالقيادة وإنما يمكنها فعل ذلك مع وجود السائق الذي يطيع المرأة لأنه موظف عندها ويمكنها أن تأمره بالتوجه إلى أي مكان، ونحن نعاني من مثل هذه الأمور حالياً حيث تصل الفتاة الجامعة أو السوق وإن أرادت انحرافاً فلن يمنعها شيء. ولو تجاوزنا مسألة القيادة ففي بعض الأوساط الاجتماعية ما تزال المرأة بحاجة إلى الحصول على حقوقها التي كفلها لها الإسلام بل يصل الأمر أن تعاني بعض النسوة من عدم معاملة المرأة معاملة كإنسانة.
منظمات حقوق الإنسان في العالم العربي أو الشرق الأوسط
        حاولت أن أتابع أحد الباحثين في تناوله لمنظمات حقوق الإنسان في العالم العربي فلم أستطع متابعة العدد الذي ذكره وأردت أن أعرف عدد هذه المنظمات فرجعت إلى الشيخ قوقل فوجدت أن الموقع الذي يرصد أسماء هذه المنظمات محجوب (لماذا يحجب؟) ففتحت الصفحة المخبأة فوجدت أن هناك العشرات من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية مع عناوينها على الإنترنت والهواتف وغير ذلك. ولا شك عندي مطلقاً في إخلاص كثير من هذه المنظمات وحرصها على أن تؤدي رسالتها وأن تفعل شيئاً ولكن تقف أمامها عقبات كالجبال بالإضافة إن بعضها أنشأته الحكومات وقالت هي أهلية وإن كانت هي التي اختارت أعضاءها وفرضت لهم رواتب ومكافآت. وأتعجب كيف لا يقدم الجميع استقالاتهم مستنكرين تكبيلهم وعدم تمكينهم حقاً من رعاية حقوق الإنسان. وقد يشتغلون بقضايا ويتركون ما هو أهم. وحقوق الإنسان عبارة ترددت في وسائل الإعلام العادية التي يملكها المتنفذون والقريبون من صناعة القرار أو صنّاع القرار أنفسهم. بل انتدب مدير جامعة ذات يوم لإلقاء بحث حول حقوق الإنسان لم يكتب منه كلمة واحدة وحقوق الإنسان منتهكة ومستباحة في جامعته أولها رفضه أن يقابل الأساتذة بموعد وإنما عليهم أن يسيروا خلفه بعد صلاة الظهر ليقابلهم مع الجمهور وعليهم أن يتحدثوا أمام الجمهور وإن كان يُجلسهم على يساره ويجلس العموم على اليسار.
وتبدي كثير من الدول العربية تحفظها على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان لأن القرآن الكريم فيه الكفاية، ولم يتحدث المحاضر عن البنود التي تعترض عليها الحكومات العربية والإسلامية، ولكن حتى لو لم يعترضوا ما سجلات هذه الحكومات في انتهاكات حقوق الإنسان. عندما يعتقل مواطن أوروبي أو أمريكي يقال له يمكنك أن تظل صامتاً حتى يأتي محاميك وإلاّ فإن أي كلام تقوله يمكن أن يستخدم ضدك. ولكن حقوق الإنسان عندنا أن قال الرجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه اتق الله، فقال له لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها. الإنسان في الدولة التي يحكمها الإسلام لا تحتاج إلى معاهدات دولية وسيف الأمم المتحدة المصلت على الرؤوس. حقوق الإنسان ليس أن يأكل ويشرب بل أكثر من ذلك وانظروا إلى الدكتور عبد الله فهد النفيسي كيف وصف حال المواطن في البلاد العربية:
"فسرطان النظام تسلل لكل ضروب الخلايا الاجتماعية. ويدخِل النظام في روع المواطن المستلب عن طريق الجريدة والمذياع والمدرسة والجامعة والتلفاز أن السياسة حشيش، شيء يحظره القانون وتأباه الأعراف الأسرية. وأن للسياسة رجال في الحكم، يعرفون أكثر، ويفهمون أكثر، ويلمّون بالأمور أكثر، ويطلعون أكثر، وحسب المواطن أن يأكل العلف كل يوم ويرعى في المراعي كل يوم، ويحلبه الرعاة كل يوم، وفي آخر النهار يعود للحظيرة كأي سائمة، لا ينطق حرفاً صائباً ولا يكتب جملة مفيدة، يملأ جوفه، وينزو على أنثاه، ويتقلب على ظهره كالبعير في المراغة، ويهذي، ثم ينام من غير أن يتجافى جنبه عن المضجع، ويشخر شخير من مات قلبه.."
الحركات الإسلامية
        لا يمكن أن يكون مؤتمر عن الإسلام والسياسة دون ذكر الحركات الإسلامية أو الإسلام السياسي أو سمها ما شئت التي تشكل أو تؤلف (على رأي الدكتور الخراط بخطأ تشكل) بعبعاً أو شبحاً مخيفاً للغرب. وكأن هذه الحركات حيوانات متوحشة لا همّ لها إلاّ أن تنقض على الشعوب الغربية المسكينة المسالمة لتنهش لحمها وتقتلها تيتم أطفالها وترمل نساءها وفي ذلك بلاء عظيم على الغرب. لذلك يكثرون من الحديث عنها وتقسيمها إلى حركات معتدلة وأخرى أقل اعتدالاً وإن كنت موضع حُكم الآخرين عليك فإنما لأنهم يرون أنفسهم أعلى منك لتكون موضع تقويمهم أو تقييمهم. فسمعت مواطناً من فلسطين المحتلة أكرمته إسرائيل أستاذاً في جامعة بن جوريون يقول إن الناس لا يريدون بالإسلام بديلاً فهذا الصوت هو الأقوى بين الفلسطينيين في داخل حدود دولة يهود. ولكن ما يزعجه أن الإسلاميين يقولون (الإسلام هو الحل) وهو أستاذ جامعي أكنّ له الاحترام ولكن لا يليق به أن ينساق وراء تفاهات المستشرقين أو الكتاب أو الباحثين الغربيين. فالإسلام هو الحل ليس مجرد شعار، إنه دستور حياة ونظام ينظم كل صغيرة وكبيرة في حياة المجتمع من سن القوانين لمن شتمك في الطريق أو لمن أخذ ثروتك وثروة البلاد أو لمن خان الأمة أو للعلاقات الدولية، إنه ليس شعاراً فعندما غرقت أوروبا في أزمتها المالية الاقتصادية تنادوا هاتوا لنا الإسلام هاتوا القرآن ليحل مشكلاتنا الاقتصادية، ولكن هيهات هيهات وهل يمكنهم أن يؤمنوا أن المالك الحقيقي للمال هو الله عز وجل؟ وهل يؤمنوا أن الله عز وجل قدر في الأرض أقواتها وأن الاقتصاد الإسلامي قائم على الوفرة وليس الندرة (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم)
        الإسلام هو الحل منذ أن تستيقظ من فراشك فتقول (الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي وعافني في بدني وأذن لي بعبادته) إلى أن تأوي إلى فراشك فتقول (اللهم إن كنت ممسكاً روحي فارحمها واغفر لها وإن كنت مرسلها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وما بين ذلك من بيع وشراء وتعامل مع الزوجة والأولاد والجيران وغير ذلك. وإليكم ما قلته في الرد على إذاعة لندن ذات يوم: "وفي أحد برامج الإذاعة قدّم سؤال من السودان عن تطبيق الشرعية الإسلامية وهل شعار "الإسلام هو الحل" عملي أو مجرد شعار فارغ" ([i])
        وهنا كان لي مداخلة أن الإسلام والحركات الإسلامية هي الأكثر قبولاً في العالم الإسلامي ففي أوائل الثلاثينيات والأربعينيات حينما تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر كانت أشبه بدولة داخل دولة فقد قدمت للمجتمع بديلاً عن النموذج الغربي المتعلمن بأن أسست المدارس والجمعيات والمؤسسات التجارية والعيادات وربما منحت الشهادات الدراسية وغيرها، لقد أوجدت مجتمعاً متكاملاً يحكمه الإسلام. وانظر إلى الاتجاه الإسلامي يكتسح الانتخابات في الجزائر فتقوم قائمة الغربيين ومن تبعهم وتابعهم من العرب والمسلمين لوأد تلك الحركة لتدخل الجزائر في حرب أهلية ضروس. وفاز بعض أفراد التيار الإسلامي في المغرب فتولى أحدهم رئاسة بلدية تمارا (ضاحية من ضواحي الرباط) فاستطاع خلال ثلاث سنوات أن يقضي على خمسة وسبعين في المائة من بيوت الصفيح ويسير بالضاحية سيراً عظيماً، وكذلك فعل أردوغان حين تولى أمانة مدينة اسطنبول. أما من يتساءل عن إسلام السلفيين وإسلام الإخوان فإنما هي مماحكة لا معنى لها.





  -[i] محسن محمد علي عطية. بعض قضايا المسلمين والمسيحيين في إذاعة لندن: دراسة تطبيقية على برامج الأخبار والأحاديث من 12/11/1406حتى 12/ 12/1406 (بحث تكميلي للحصول على الماجستير من قسم الإعلام بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة) بحث غير منشور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق