الاثنين، 10 أبريل، 2017

رحلة ثانية إلى تونس ومعركة فكرية



قبل أن أنطلق في رحلتي إلى تونس دعيت من مركز حي الأزهري بالمدينة المنورة لأقدم محاضرة حول الاستشراق وكانت بعنوان (حوار مع مستشرق) يوم 19/11/1416هـ وانتشرت اللوحات الإعلانية في شوارع المدينة. ولكن أحد الإخوة الطرفاء  وهو الدكتور خالد أبو الخير فقال لا تفاجأ بالحضور القليل فإني (الدكتور خالد) حضر لي خمسة عشر شخصاً أما فلان وهو أكثر شهرة وله شعبية فقد حضر محاضرته ثمانون ولكن  كم تتوقع أن يحضر المحاضرة قلت لا يهم، وشاء الله وكان وقت المحاضرة فغصت القاعة بالحضور وجاءوا بكراس إضافية، وكانت محاضرة جميلة.
وبعد المحاضرة بأيام كان لي عودة لحضور المؤتمرات وسبب الدعوة لحضور هذه المحاضرة أن الدكتور عبد الجليل التميمي دعي لإلقاء محاضرة عن الاستشراق في مهرجان الجنادرية (تلك الدورة التي مات فيها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله) فطلبت المداخلة فانتقدت ما قاله التميمي ثم دار حديث بيني وبينه خارج المحاضرة فأخبرني أن لديهم مؤتمراً بعد عيد الأضحى وسألني هل يمكنني أن أحضر.
      وبالفعل تلقيت دعوة من مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بتونس لحضور مؤتمر علمي. ولما كانت  الدعوة قد وصلتني في شهر ذي القعدة ولم يكن ثمة متسع من الوقت للحصول على إذن رسمي بالحضور كما لم أكن متأكداً من إمكانية إعداد بحث لإلقائه في المؤتمر وترتيب الأمور المالية للحضور.([1])
      وأحمد الله عز وجل أن مكنني من السفر لأشارك في هذا المؤتمر الذي تشترك مؤسسة كونراد إديناور الألمانية في رعايته -وهي مؤسسة ترعى مؤتمرات علمية في إسرائيل، وللاطلاع على إحدى مـؤسسات البحث العلمي الفاعلة في العالم العربي وذلك لكثرة المؤتمرات والندوات التي تعقدها وما تنشره من بحوث ودراسات ودوريات علمية.
وبعد ثلاثة أيام من المحاضرات والنقاشات اتضح لي أن هذه المؤسسة إنما هي امتداد للمؤسسات الاستشراقية من حيث النهج الفكري والميول. بل لعلها أكثر أهمية من كثير من المؤسسات الاستشراقية لأنها تستقطب عدداً كبيراً من قادة الفكر والرأي في العالم العربي وتركيا. ومما يؤكد أهمية دراسة هذه المؤسسة واتجاهاتها أن الباحث الغربي حين يطعن صورة الإسلام أو يشـوهها فإنه إنما يفعل ذلك عن جهل أو تعمد، ولكنه في اعتقاده يخدم مصالح قومه وأمته . ولكن عندما تصدر أراء مخالفة للنهج الإسلامي من أشخاص مسلمين فليس من السهل اكتشاف ذلك كما إنه مدعاة لقبول هذه الآراء.
أما ورقتي التي قدمتها فكانت حول منهجية التعاون العلمي بين البلاد العربية وتركيا والعالم الغربي بين الواقع والمثال. وقد تناولت في هذه الورقة بعض الجوانب الإيجابية والسلبية في واقع هذا التعاون، وحاولت أن أقدم بعض المثاليات التي ينبغي التطلع إليها في هذا التعاون.
وأوضحت أن من الصور الإيجابية للتعاون العلمي ما يقوم به الحرس الوطني في ندواته السنوية حيث يتيح الفرصة للعديد من علماء الغرب تقديم وجهات نظرهم في القضايا المطروحة ولعل مثال ندوة الإسلام والغرب يوضح هذا أجمل توضيح.
أما الصورة السلبية في هذا التعاون فهو اهتمام الجامعات الغربية ومراكز البحوث بالباحثين العرب من ذوي الاتجاه العلماني أو اليساري. وذكرت نماذج لهؤلاء عرفوا من خلال آرائهم المنشـورة ونشاطاتهم العلمية ومن هؤلاء على سبيل المثال: صادق جلال العظم، وعبد القادر الزغل، ومحمد سعيد العشماوي، ونوال السعداوي، ونصر حامد أبو زيد، وعزيز العظمة، وبسام طيبي وفضل الرحمن وغيرهم. ومن السلبيات أيضاً أن كثيراً من الندوات والمؤتمرات التي تعقد في الغرب لا يدعى إليها المتخصصون أو يدعى لها أصحاب الاتجاه العلماني الذين لا يخرجون عن كونهم صدى للفكر الغربي العلماني. ومثال على ذلك أن جامعة نيويورك عقدت ندوة في 27 فبراير   1996م بعنوان" الرقابة الإعلامية وأثرها في المصالح القومية: الجزيرة العربية" ودعت إليها متخصصة في العلوم السياسية وبخاصة في اليمن حيث هي رئيسة المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية في جامعة ريتشموند وكان المدعو الثاني مراسل لبعض الصحف الخليجية عدة سنوات. وقد شاركت في هذه الندوة بناء على طلب مني لاهتمامي بالإعلام، وكانت مشاركتي هي المشاركة الوحيدة اللصيقة بالموضوع. أما المراسل الصحفي الفلسطيني فقد قدّم صورة سلبية جداً عن الرقابة الإعلامية في دول الجزيرة كلها وبخاصة دول الخليج.
أما المؤتمر فاستمر ثلاثة أيام تناول قضايا كثيرة في المناهج العربية والمناهج الغربية في الدراسات الاجتماعية والإنسانية التي  تخص العالم العربي وتركيا. وكان أحد البحوث يتحدث عن المقدس عند المسلمين ومن استطاع أن يتجاوز أو يهاجم المقدس وذكر أحد الخلفاء الأمويين وهو الوليد بن يزيد بزعمه أنه مزّق المصحف الشريف عندما فتحه وكانت آية (وخاب  كل جبار عنيد) وهنا انبرى الدكتور عبد العظيم رمضان وكان شيوعياً فاعترض على هذا الأمر وقال لا يمكن أن يقوم خليفة أموي بتمزيق المصحف، وأن هذه الروايات غير صحيحة وقد لمحت أنه قال سيدنا محمد فقلت سبحان الله كيف تنتفض الفطرة أحياناً. وأشاد الباحث وهو أستاذ تاريخ إسلامي في جامعة الزيتونة وممن درس في السربون بعدد من المنحرفين في تاريخ الأمة الإسلامية الذين يحب هؤلاء أن يضفوا عليهم البطولة والتحرر مثل الجعد بن درهم وغيره. ولقيت هذا الباحث خارج قاعة الندوة فقلت له:دعك ممن المقدس الذي تزعمون أنكم تنتقدونه ألم يصبح في حياتنا المعاصرة مقدسات ومناطق محرمة ومحرمة جداً: رئيس القسم كلامه مقدس، وعميد الكلية كلامه مقدس ورئيس الجامعة كلامه مقدس ووزير التعليم العالي ورئيس الوزراء وبن علي كلامهم مقدس، لقد أضفينا القداسة أو أضفت القداسة نفسها على أشياء كثيرة ونزعنا القداسة من الأشياء التي تستحقها.
ومما كتبته عن المؤتمر بعد نهايته أنه مؤتمر لتجمع العلمانيين المنحرفين الفاسدين، لقد كنت كما وصف الدكتور عباس ارحيلة نفسه أغرد خارج السرب. ولكن شاء الله عز وجل أن أسمعهم ما يكرهون، وأهزه  هزاً بل لعلي ذبحتهم وألقيت عليهم قنابل وفجرتهم تفجيرا، وقد صاحوا بصوت واحد هذا الأصولي رجل الدين المتزمت الذي جاء إلى مؤتمرنا ونحن لا نعرف هذه الصور التي أتيت بها.
وأحمد الله أنني شعرت بلذة الانتصار ونشوته لقد هزمتهم وسفهت آراءهم في عقر دارهم من هذا المنبر الذي يطعنون فيه بالإسلام وقيمه ومسلماته أعلنت هذه المسلمات وارتفعت أنوارها وإشعاعاتها.
بدأت محاضرتي بالبسملة وكدت أقول الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ولني تراجعت فقلت لم يقل أحد بسم الله فيكفي قولها ولو قلت الحمد لله لأوقفوني ولمنعوني من إكمال محاضرتي، وانطلقت أتحدث عن موضوعي لا أقرأ الورقة بل أتحدث من رؤوس أقلام أعددتها وكنت أقرأ بعض الفقرات، وقد أدركت أن قراءة البحث كله سوف يثير غضباً علي ولست بحاجة لإغضابهم أكثر. وكنت أتحدث وحال بعضهم أن يشاغب ولكني لم آبه به ولعله أمر طبيعي ولكني  أتممت موضوعي. وملخص الموضوع
ولما بدأت المناقشة ارتفعت الأيدي من كل مكان فالجميع لديه ما يعترض على ورقتي فالجميع يريد التعقيب. وبعد أن أكملوا مداخلاتهم أعطيت خمس دقائق للرد عليهم، فبدأت بالقول: أشكر جميع المنتقدين وجميع المعترضين وجميع الذين أرادوا الانتقاد ولم يفعلوا فأنا جئت هنا لأتعلم ولأقول كلمتي كما أنا مقتنع وليس لكلامي قداسة ولا لكلام أي منكم قداسة. أما الأول فردي عليه كذا والثاني والثالث وفي الأخير قلت أشكركم على صبركم عليّ فقال رئيس الجلسة الدكتور علي محافظة نحن نشكرك على جوابك الجميل. فقد كنت هادئاً بعيداً عن الانفعال والغضب وهذا ما أزعجهم أكثر، وقد ذكر لي أحد الإخوة أنني نجحت في الانتصار عليهم.
ولم تكن الورقة هي مشاركتي الوحيدة فقد داخلت في عدد من الجلسات ومنها التعقيب على ورقة عن البحوث الاجتماعية الميدانية وكيف أن الشعوب العربية الآن لا تتعاون أو لا تتجاوب مع الباحثين الاجتماعيين وبخاصة الذين ينتسبون للمؤسسات الرسمية أو حتى الأهلية أو الخاصة فبدأت حديثي أن دارس التاريخ يمر بقضايا اجتماعية بينما الباحث في الاجتماع فيهم في مجاله فقط، ثم أوضحت أن المسلمين عرفوا مثل هذا الأمر في حدود مجتمعهم ونجحوا فيه فقد كانت الثقة موجودة بين الحاكم والمحكوم أو بين الجمهور والسلطة ففي عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعث من يسأل القبائل عن عدد أفرادها وعدد أغنامهم وعدد ضيوفهم أو من ينزل بهم من ضيوف ليحدد مقدار أعطياتهم ولم تورد المراجع أن أحداً كذب أو تلاعب وإذا كنّا نعد من المسح ما يقوم به عمر بن الخطاب من العس ليلاً للتعرف على أحوال الرعية، كما تساءلت لما لا نبحث عن أسباب عدم الثقة بين السلطة والجمهور مما يجعل الجمهور لا يتجاوب مع الباحثين الاجتماعيين. وهنا شكرني مقدم الورقة وقال بالفعل فهناك كتب جغرافيا البلدان التي تضم قضايا اجتماعية.
مشاهدات في العاصمة
وجئت تونس وكانت لي جولات في شارع الحبيب بورقيبة، فتساءلت هل اسمه الحبيب لأنه حبيب وهل هو حقاً حبيب؟ وحبيب لمن؟ وتساءلت لماذا تقبل الملايين من البشر هذه الأوضاع الاستبدادية والديكتاتورية. لماذا تصبر الشعوب العربية والإسلامية على هذا الضيم والذل؟ وكأني بنا ينطبق علينا قول الشاعر
ولا يقيم على ضيم يراد به....إلّا الأذلان عير الحي والوتد
أما في الغرب الذي لا يعرف ديناً عموماً فقد وضعوا أنظمة تنصف الفقير قبل الغني ولله در عمرو بن العاص رضي الله عنه حين وصفهم بقوله  كما ورد في كتاب الفتن في صحيح مسلم (وخامسة لطيفة وهم أبعد عن ظلم الملوك) وفي هذا المعنى قال ابن تيمية رحمه الله (إن الله لينصر الدولة الكافرة إن هي عدلت ولا ينصر الدولة المسلمة إن هي ظلمت)  
وفي تلك الأيام كان أحد رؤساء فرنسا قد أهدى تونس إمكانية مشاهدة القناة الفرنسية الثانية مجاناً فما أكرمك أيها الرئيس كل هذا من أجل سواد عيون التونسيين وكانت تلك القناة تبث أفلاماً فاحشة وأفلاماً مخربة وأفلاما وبرامج مفسدة، ومن بين البرامج التي شاهدتها وفهمت مغزاهاً فيلما يحارب الحجاب ويصور حياة فتاة تتحجب ثم تخلع الحجاب وتعود إلى ما يسمونه الحياة الطبيعية من رقص واختلاط وخمور وصداقات وغير ذلك.
وفيما أنا في شارع الحبيب إذ بي أمر من أمام وزارة الداخلية فكان العسكر والحراس يطردونني فلماذا تكون وزارات الداخلية أكثر الوزارات هيبة أو الوزارة التي من المفترض أن تبعث الأمن والطمأنينة في النفوس فإذا هي التي تشيع الخوف والرعب. وهل هذا الأمر مقتصر على تونس أو هذه هي حال البلاد العربية والإسلامية كلها؟

1- تمكنت والحمد لله من الحضور، وكان الوقت بعد عيد الأضحى لتلك السنة فلمّا أخبرت العميد بصدق بسبب غيابي اليومين الأولين من بدء الدراسة بعد الإجازة استشار الجامعة فأمرته أن يخصم من راتبي أربعة أيام أي ضعف الأيام التي غبتها غير مقدرين أهمية حضور المؤتمر أو الصدق في إخبارهم بما حدث.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق