الأربعاء، 15 مارس 2017

نحن والغرب والجهود الرسمية

   كانت أوروبا بحاجة لمعرفة العالم الإسلامي فبدأ الرحّالة والمنصّرون والجواسيس يجولون في أنحاء العالم الإسلامي، ثم بدأت الجامعات الأوروبية في إنشاء أقسام دراسات الاستشراق والدراسات الإسلامية يدرسون كل ما يتعلق بالعالم الإسلامي عقيدة وتاريخاً وشريعة ولغة وثقافة واقتصاداً. وقد استخدمت هذه المعلومات في تيسير احتلال الدول الأوروبية للدول الإسلامية، فمن الهند في القرن السابع عشر الميلادي إلى الفليبين إلى احتلال الجزائر في العام 1830م ثم تونس بعدها ومصر وبقية البلاد العربية الإسلامية.
        واستمرت حاجة الغرب لمعرفة العالم الإسلامي، والحق يقال بأنهم بذلوا جهوداً كبيرة في سبيل هذا الهدف حتى وصلوا كما قال الدكتور أبــو بكر باقادر -   أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك عبد العزيز- إلى معرفة التفاصيل وتفاصيل التفاصيل في حياتنا، ولعلهم في بعض الأحيان يعرفون عنّا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
        ولكن كل هذه المعرفة لم تصل بالغرب أن يكون موضوعياً منصفاً مع العالم الإسلامي بالذات فقد تحدث البروفيسور مراد هوفمان (السفير الألماني السابق في المغرب العربي) أن الغرب يقبل أن يصبح الأوروبي هندوسياً، بوذياً، يهودياً مجوسياً أو أن يعتنق اليوغا أو غيرها من الأديان والتقليعات أما أن يصبح مسلماً فهو الأمر الذي تقوم له الدنيا ولا تقعد، ويضيف هوفمان (في محاضرة له في إحدى ندوات الجنادرية الكبرى)" والأوروبيون لا يهمهم إزعاج الأجراس أو قرع الطبول أو أي صوت آخر يعبر عن ديانة من الديانات ولكن يقلقهم النداء الندي (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله.....)"
        إذا لماذا لم يصل الغربيون في تصورهم أو تصويرهم للإسلام والمسلمين والعرب إلى الصورة الحقيقية لا الصورة المشوّهة؟ هل نلومهم وحدهم، وهذا تاريخهم الطويل من بطرس الناسك والحروب الصليبية بظلالها الثقيلة أو ما بعدها من حملات الاحتلال بدءاً بالحملة الفرنسية على مصر إلى احتلال مصر والسودان والجزائر والمغرب وتونس إلى إندونيسيا والهند والفيليبين وغيرها من البلاد الإسلامية؟
يبدو لي إن الإجابة السريعة عن هذا التساؤل إنما هو تسطيح للموضوع وتبسيط له يخل بحقيقته، ولكن سأتوقف عن توجيه اللوم إلى الغربيين على ما في تاريخهم الفكري القديم والحديث والمعاصر من صور سيئة للإسلام والمسلمين والعرب إلى محاولة الإفادة من تجربة معرفة الغرب لنا وجهودهم في معرفتنا حتى إذا حاربونا أو عادونا كانت عداوتهم مبنية على معلومات وحقائق.
إن أقسام الاستشراق في الجامعات الغربية كانت في الماضي القريب جزءاً من اهتمام الحكومات الغربية في العلن، تقوم بتقديم الميزانيات وتقترح البرامج وتكون اللجان لدراسات احتياجات البلاد من الكوادر المؤهلة في فهم العالم العربي والإسلامي. وسأضرب مثلين فقط من بريطانيا ؛ المثال الأول هو اللجنة التي كونتها الحكومية البريطانية سنة 1947م وعرفت باسم لجنة سكاربورو لدراسة أوضاع الدراسات العربية والإسلامية والأوروبية الشرقية والسلافية والأفريقية في بريطانيا. وأصدرت اللجنة تقريراً مكوناً من مائتي صفحة تقريباً حول هذه الدراسات. والمثال الثاني هو اللجنة الحكومية البريطانية التي كونت عام 1961 وعرفت باسم لجنة وليام هايتر (التي كان يرأسها) للغرض نفسه. وكان من الممولين لهذه اللجنة بعض الجهات الخيرية الأمريكية مثل مؤسسة فورد وروكفللر، وقد قامت اللجنة بزيارة لعشرة جامعات أمريكية وجامعتين كنديتين لمعرفة طبيعة الدراسات العربية الإسلامية في القارة الأمريكية وما يمكن لبريطانيا أن تفيده من التجربة الأمريكية.

إن قادة الثقافة أو وزارءها في عالمنا العربي –الذين سيجتمعون خلال الأيام القليلة القادمة أمامهم مسؤولية ضخمة في قضية العلاقات بين العالم العربي وأوروبا وأمريكا ولكن أرجو أن يتنبهوا إلى قضية حساسة وخطيرة وهي أننا لا يمكن أن نصلح في أيام ما تأسس وتجذر خلال عدة قرون. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق