الثلاثاء، 24 يناير، 2017

من مِنى أحدثكم


لقد ابتلينا في السنوات الماضية بما يسمى البرمجة العصبية اللغوية، ولو تأملنا الكلمات الثلاث لخرجنا بتحليل طريف فثمة برمجة ومتعلقة بالأعصاب وثالثاً اللغة، وكيف تكون البرمجة العصبية لغوية ولا تكون شيئاً آخر لن أفصل في هذا الحديث الآن فليس لي المزاج للحديث في هذه البرمجة فقد وجدت بعض أسوأ الناس حرصوا عليها وبعض أخبث الناس كذلك ولكن كان من المخدوعين بها بعض أطيب الناس، فليس الأمر أحزورة ولكن حقيقة لعلي أبحثها في مرة قادمة.
ما ذكرني بالبرمجة العصبية اللغوية أنني أردت أن أتحدث عن مِنى فهل أبدأ من الإيجابيات وروعة منظر الكعبة وإن كان الوقت الذي كنت فيه كانوا ينزعون بعض الآيات لتقدم هدايا لمن يتبرك بها وربما لا يؤمن بها إلاّ قليلاً ولست من المنقبين عن النيات كجماعتنا الذين لا أحب أن أفسد أوقاتكم بذكرهم. ولكن الكعبة رائعة ومهيبة وجليلة ومنظر الحجاج من كل أنحاء العالم ومن مختلف الألوان واللغات والمشارب والأعمار والجنسيات يجتمعون في هذا المكان الطاهر لهو منظر يسر ويفرح ويشرح الصدر ولا تكفيه الكلمات لتعبر عنه. منظر هاشم حول الكعبة وفاطمة وحماتي (لمن لا يحبون الحموات) وخديجة زوجى (أم هاشم) كان منظراً رائعاً ومنظر أختي إكرام شقيقتي التي منّ الله علي في هذه الحجة أن ترافقني كذلك كان رائعاً لأن فيه صلة للرحم وإكراماً لأرملة كريمة ابنة رجل كريم وأختى...
وتيسر لنا دخول المشاعر على الرغم من الخوف من قضية التصريح ولكن عندما يريد الله يبطل كل التصاريح ورأيت حجاجاً جاؤوا بلا تصريح سوى أن دعوة إبراهيم عليه السلام وصلتهم وأراد الله لهم أن يحجوا فحجوا..
تذكرت البرمجة إياها عندما أردت أن أكتب فإذ بأول فكرة هي (حج خمسة نجوم) ومطاردة الشرطة للمفترشين... اليس بالإمكان وضع دراسات ميدانية عن أسباب الافتراش فلو كان الإنسان عنده فراش وثير وخدمة جيدة هل يحب أن ينام في الشارع وقد جلست أمام رجل لم أتبين إن كان نائماً أو مستيقظاً (العتب على النظر) ولكنه في حالة واحدة فظننت أنه صاحب همِّ أكبر من همومي ولكن عندما رأيته لا يتحرك علمت أنه كان نائماً في وضع الجلوس (قالوا أن رعيان الغنم في الجزائر كانوا ينامون وقوفاً) وهل يمكن ذلك؟
عندي تفاصيل كثيرة عن حج هذا العام وبعض المعاناة التي آمل أن لا يكون الحديث عنها مفسداً للأجر ولكن لعلنا نصل يوماً ما إلى احترام إنسانية الإنسان ونكرمه ولا نهينه. فقد رأيت أعداداً من الجنود كل همهم أن يقولوا تحرك تحرك امش من هنا، فتقول لماذا فيقول أنا مأمور... ولا يفهم معنى الأمر ولا يسألك عن سبب وقوفك.. لو قلت له إنني أرتاح قليلاً وأنتم لم توفروا مواصلات إلاّ للذوات لقال لك اخرس ما هذا الكلام...
تحدثت في الأسطر الماضية عن البرمجة اللغوية العصبية أو العصبية اللغوية وهل أبدأ بالإيجابيات وهي كثيرة والحمد لله لأن الله عز وجل قال عن الحج (ليشهدوا منافع لهم) والمنافع متحققة لأن الله عز وجل أخبرنا بذلك، (ومن أصدق من الله قيلاً) (ومن أصدق من الله حديثاً) ولكن نحن البشر ارتكبنا ونرتكب المصائب التي لا حصر لها فتكون السلبيات وتكون الكوارث والمصائب والضرر والظلم والتعسف.
وقبل أن أفصل في ذلك كله سأحكي اليوم عن مغامرة رحلة في نفق الملك خالد ، خرجت صباحاً أريد أن أشتري حليباً لطفلي هاشم وفاطمة لأن المطعم الذي نتاول فيها الوجبات في ضيافة رابطة العالم الإسلامي لا توفر الحليب للأطفال سوى علب حليب أبو ولد أو لونا ( والعجيب أن اسم لونا من أردأ أنواع التمر) المهم خرجت فرأيت النفق يسير في انحدار فقلت ما أسهل هذا المشوار ولم يغب عن ذهني أن الرجوع سيكون صعباً، وهكذا الصعود دائماً (ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر) ولا بد من نزول قليل ليعود الإنسان ليرقى إن كان من أهل الرقي وإلاّ فإن كثيراً من الناس لا يحبون إلاّ الحفر وحتى لو كانوا في أعلى المناصب وكانوا أكثر الناس جاهاً وأموالاً، وما أجمل حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرّه) ويعجبني أحياناً حينما يستصغرني بعض الحراس هنا وهناك ويسألون عن البطاقة والهوية فما أجمل أن يكون الإنسان مجهولاً ومجهولاً.
ومشيت في الطريق النازل إلى العزيزية ورأيت آلافاً من الناس يفترشون الأرض بل أحد المناظر كان طريفاً فأحدهم اتخذ من جسد رفيقه وسادة نام عليها، واقتراب الناس في المكان يوهم بأن الأرض ضيقة وقليلة ولو نظر الإنسان إلى حقيقة مساحة مِنى لعجب كيف تكون ضيقة وفي مخيمات يحتل عشرة أشخاص المساحة التي يسكن عشرة آلاف في أقل منها. ففي مخيم الرابطة بعرفات طريق يسمونه طريق المشاه في وسط المخيم الذي فيه أكثر من مائتي خيمة يسكنها عدد محدود من الناس فقد كنت وزوجي وحماتي وطفلاي في خيمة تتسع لثلاثين من الذين يسكنون في الشوارع ويطاردهم الجنود من كل مكان.
ومشيت حتى وصلت أسفل النفق فوجدت من يبيع حجارة يقول إنها حجارة كريمة وتباع كل حجر بريال فاشتريت عشرة، وسرت في طريقي لأصل إلى مطعم القرموشي وتناولت وجبة من الفول المحترم في مطعم جدرانه من الرخام الروز (الوردي) ومع رقي المطعم شكلاً وطعم الفول ولكن كان الخبز هو التميز البسكوت الذي لا يصلح للتغميس ولكن ليس الوقت وقت مجادلة. وقبل القرموشي وقفت لأشرب الشاي فكان الماء الحار في ترموس الماء العادي فسألت وهل يؤثر في طعم الشاي فقال شخص يشرب الشاي لا يؤثر والطعم رائع، فأخذت فنجاناً بالحليب بريالين ومر أشخاص وناقشوا البائع لماذا ريالان وكأنهم استكثروا المبلغ.وبعد أن شربت أعطيته عشرة ريالات وقلت إماّ أن تعطي خمسة مجاناً أو عشرة تعطيهم بريال لكل فنجان لقد أزعجني أن لا يستطيع شخص أن يشرب الشاي بريالين.
وبعد الفول توجهت لبائع عطور واشتريت فواحة ولما رجعت قالت زوجتي لا بد أن يكون عندنا متحفاً للفواحات أو قصراً نضع فيه ما تشتريه منها، قلت الحمد لله أن غرامي بأشياء لا تزيد قيمة الفواحة عن عشرين إلى ثلاثين ريالاً فقط. واشتريت عقالاً وأردت أن أشتري طاقية فكان التاجر قد شغل بآخرين والطاقية صارت بخمسة وعشرين ريالاً وأغلى طاقية اشتريتها من قبل بخمسة عشر ريالاً.
وذهبت إلى الصيدلي لأشتري علاجاً للضغط فقال عندنا محلي رخيص (ثلاثون قرصاً) بثمان وعشرين ريالاً ودواء للضغط بخمسة وستين ريالاً ولكنه أجنبي ونوعيته أحسن، قلت أليس هذا مما يأتي بالضغط أن يكون العلاج المحلي رخياً ولكن مستواه أدنى من العلاج الأجنبي....
وأردت العودة فمشيت وأوصلني صاحب جيمس بعشرة ريالات إلى إشارة محل أبي دواود (أو أبو داود_على العلمية) وبدأت المعاناة فقد كنت قد تجاوزت نفق الملك خالد دون أن أدري وسرت وبدأت أتفاوض مع سائقي دراجات نارية وكانت الأجرة كبيرة، ومع ذلك وجدت حافلة فنقلتني إلى مكان بعيد جداً عن مقر الرابطة وسألت جندياً فقال اركب دراجة نارية، وكان ولكن المكان كان بعيد فسار بي مشواراً بثلاثين ريالاً ولكنه لم يوصلني إلى المكان المطلوب وكان علي أن أسير قليلاً والحمد لله فكان المشوار خمسين ريالاً مع المشي أكثر من ثلاثة كيلومترات فالحمد لله.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق