السبت، 28 يناير، 2017

الإعلام الجامد ومؤتمر عن الإعلام


        عندما اتصلت بالأستاذ جاسم المطوع وسألته عمّا سيدفع من تكاليف سفري من المدينة المنورة إلى بيروت وإقامتي فيها فأخبرني أن ميزانية البرنامج لا تسمح بأكثر من دفع تكاليف السكن بمعدل مائة دولار في الليلة فقط، تعجبت من رخص الإعلام العربي وإن كان ينطبق عليه المثل (بحار تشكو الري وصحار تشكو الظمأ) فقد يغدقون على المعدّين والممثلين وكبار الموظفين ويبخلون على من يقدموا عصارة فكرهم للعالم. وقد كان لي تجربة بائسة مع الإعلام في السعودية فكم قد شاركت في برامج إذاعية وتلفازية ويقال لي إن التعرفة موضوعة قبل أربعين سنة. فيا عجبي من إعلام يبخس أصحاب الفكر حقهم. وقد طالبت فسخروا مني، لقد شاركت ذات مرة في أعداد حلقتين عن الاستشراق حيث وضعت المحاور والأسئلة ثم تلقيت الأسئلة ممن أطلقوا عليه (من إعداد وتقديم) وأجبت عنها وحضرت إلى الأستوديو قبل الموعد بنصف ساعة وسجلنا الحلقتين وغيرت مكاني من حلقة لأخرى وخرجت ليس بخفي حنين ولكن حتى بدونهما إلاّ إن كان شيء من الأجر فأسأل الله حسن النية. ولكن هل يجوز بخس الناس أشياءهم وحقوقهم؟ فقد كنت ذات يوم عند وكيل وزارة الإعلام للشؤون المالية الشيخ الشنقيطي فقال انظر إلى هذه الفواتير، علينا أن ندفع لشركة آرا ستين مليون والمادة الإعلامية أساسها من عندنا، أما أنتم أيها الأساتذة والمشايخ فليس لكم عندنا شيء كما قال موظف الأحوال المدنية عندما سألته هل للمتقاعدين معاملة خاصة؟ قال ما لهم شيء وكأنهم يطلبون الصدقة، أرجو الله أن لا يحاسبه بسوء أدبه بل يحاسب من وضعه في ذلك المكان.
        ومن صور الجمود أن محطة الإذاعة والتلفزيون في المدينة لا تدفع إلاّ نقداً ولا بد من توقيع ما يسمى المسيرات، وإياك أن تحضر ولا يكون حضرة أمين الصندوق موجوداً فهو وإن كان مطلوباً منه الحضور من السابعة والنصف صباحاً حتى الثانية والنصف بعد الظهر فهذا أمر نظري وليس هو الواقع. والمكافأة عن المشاركة في الحلقة الواحدة التي يمكن أن تكون نصف ساعة أو ربع ساعة مائتين وخمسين ريالاً. فما أرخص العلم عندهم، أو كما يقول أهل الحجاز (طاح الرخا في الديرة) وفي مثل آخر يميل إلى اللهجة البدوية (ما بعنا بالكوم إلاّ اليوم) ولا أدري ما الذي يباع بالكوم وقد كان يباع بالحبّة. وقد تأتي لطلب مكافأتك المتواضعة فيقول لك الموظف لقد تسلمها شخص آخر وأنت لم توكل أحداً، فتستحي أن تقول ومن هو هذا الشخص الذي لم أوكله وأكل حقي، فيضيع حقك القليل أو حتى التافه أيضاً.
        وعدت إلى بيروت لأحضر المؤتمر السنوي الرابع لمعهد بيروت لفنون الاتصال بالجامعة اللبنانية الأمريكية بعنوان (وسائل الإعلام والتحولات الاجتماعية في  العالم العربي) في الفترة من 16-19مارس 2004م وكانت مشاركتي ببحث بعنوان (الإعلام والاستشراق:دراسة حالة هيئة الإذاعة البريطانيةBBC) ولاحظوا الحديث عن التحولات الاجتماعية فكرة ليست جديدة، ولكن التحولات الاجتماعية والسياسية منذ بداية الثورة التونسية لا تقاس بأية تحولات أخرى. وشاركت في المؤتمر وتحدثت باللغة العربية وإن كنت قد كتبت معظم البحث (ولم أتمه حتى الآن) باللغة الإنجليزية، وما أن أنهيت تقديمي باللغة العربية حتى طلب مني الدكتور رامز معلوف رئيس المعهد ورئيس المؤتمر (وإن كان الغربيون عموماً لا يعترفون بهذه المسميات) أن أتحدث قليلاً عن بحثي باللغة الإنجليزية وفعلت. وفيما يأتي مقدمة ما كتبت:
يعتقد كثيرون أن المستشرقين إنما هم باحثون يعيشون في بروج عاجية يشغلون أوقاتهم بالبحث والتنقيب في أمهات الكتب، لا صلة لهم بالإعلام ووسائله المختلفة. كما يرى البعض أن المستشرقين باحثون يعملون في البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث ليقدموا أبحاثهم في المؤتمرات والندوات أو ليقدموا نتائج أبحاثهم للجهات الحكومية المختلفة من وزارات الخارجية أو المؤسسات النيابية أو الاستخبارات.
كل هذا صحيح ولكن صلة الاستشراق بالإعلام قديمة وقد تنبهت  إليها من خلال أمرين: أولهما أنني كنت أعد رسالة الماجستير في التاريخ الحديث حول جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فاطلعت على الصحف الجزائرية الإصلاحية وقد وجدت الكثير من المقالات ترد على كتابات المستشرقين في الصحف الفرنسية وكان من ذلك مقالة عبد الحميد بن باديس يرد فيها على إحدى كبريات الصحف الفرنسية وهي الطان Le Temps وكانت مقالة بن باديس بعنوان " الطان وسياسة وخز الدبابيس" أما الأمر الثاني فهو البحث الذي قدمه مارتن كريمر- مدير معهد موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – في المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن العشرين وذكر فيه أن صحيفة فرنسية سألت في أوائل القرن العشرين خمسة عشر مستشرقاً عن توقعاتهم للعالم العربي الإسلامي في القرن العشرين .
وقد أتيحت لي الفرصة في أثناء حرب الخليج الثانية –  هم وضعوا لها أرقاماً كأنهم يخططون لتكرارها لأنها أصبحت ثلاثاً حتى الآن- أن أتابع وسائل الإعلام المختلفة منها إذاعة لندن، وصوت أمريكا وإذاعة مونتي كارلو كما تابعت بعض الصحف الإنجليزية والأمريكية. فوجدت أن الصلة بين الاستشراق والإعلام صلة قوية وكبيرة. فللمستشرقين وجودهم في المجلات الأسبوعية السيارة وبخاصة السياسية منها، كما أن كتاباتهم تظهر في الصحف والمجلات الثقافية المتنوعة.  وقد راجعت وسائل الإعلام المطبوعة منذ الثلاثينيات حين صدرت أول مجلة لهيئة الإذاعة البريطانية القسم العربي وكان يطلق عليها (المستمع العربي)  ثم أصدرت الإذاعة مجلة هنا لندن ثم المشاهد السياسي. وقد بذلت الجهد للحصول على أعداد هذه المجلات فلم أجدها في المكتبات السعودية وكانت تجاوب إذاعة لندن سيئاً فاكتفيت بعدد من مجلدات المستمع العربي من مكتبة جامعة الإمام حيث لم تكن كل الأعداد متوفرة وكأنهم اشتروا بعضها من حراج في مكان ما وليس كما تفعل المكتبات المحترمة بالحصول على كامل المجلدات.
وحين عدت إلى الرياض وصلتني رسالة من مجلة الشرق الأوسط باللغة العربية يطلبون مني البحث إن كان مكتوباً باللغة العربية، ولكن البحث لم يكن كاملاً. وهذه من عيوب الأساتذة حين يستطيعون البحث في موضوع وتقديم فكرة عنه تجعل المستمع يظن أن البحث كامل وجاهز للنشر. وربما كان أول بحث يربط بين الإذاعة البريطانية والاستشراق. ولو كان لي من الأمر شيء لاقترحت على  أحد الطلاب أن يعد رسالة دكتوراه في الإعلام والاستشراق بالتطبيق على إذاعة لندن في فترة ما، وقد عوّضت النقص في الإعلام المكتوب بجهد كبير بذلته في الاستماع لإذاعة لندن (يوم كان يمكننا أن نستمع للموجات القصيرة من مذياع السيارة) وكذلك من خلال الراديو الروسي الذي انتشر في حرب الخليج الأولى (احتلال الكويت) فقد كنت أستمع للإذاعة ما لا يقل عن ساعتين يومياً.


  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق