الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

الآثار السلبية والإيجابية للاستشراق


وجّهت إلي إحدى الصحف المحلية (التابلويد) أسئلة حول الاستشراق، ولكنها نشرت الموضوع مختصراً اختصاراً مخلاً، فشعرت أنها خيانة حقيقية أن تطلب من متخصص أن يجيب عن أسئلتك ثم لا تعطيه المساحة الكافية أو لا تقدر الموضوع حق قدره وفيما يأتي إجاباتي حول سلبيات الاستشراق وإيجابياته.
        فأول السلبيات أن الاستشراق سعى وما زال يسعى إلى صياغة العقول والأفكار بناء على التوجه الفكري الغربي، فقد كان من أبرز أعمال الاستشراق كما أشار الأستاذ الكبير محمود شاكر في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) إلى قضية الابتعاث التي بدأت في عهد محمد علي سرششمة بمشورة من مستشاره المستشرق جومار. وانطلقت البعثات ليتم صياغة العقول وفقاً للتوجهات التي كان يريدها الاستشراق ومازال. وعادت إلينا أفواج بعد أفواج من الذين تتلمذوا على أيدي المستشرقين فبدأ كثير منهم في حملات التشكيك والطعن في الإسلام من النواحي العقدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية.
        فالطالب العربي المسلم يبدأ في الدراسة على أيدي المستشرقين الذين يصبحون شيوخه وأساتذته وبعضهم يملك شخصية مؤثرة أو حتى طاغية أو شخصية كارزمية فيصبح الطالب مسلوباً من أستاذه، ورأيت من هؤلاء التلاميذ من يقبل رأس شيخه المستشرق ويقبل كتفه وربما يقبل يديه. وإن كان هذا المستشرق يكن حقداً على الإسلام (وكثير منهم كذلك) فأي علم سوف يتلقاه هذا الطالب المسكين؟
        إن سلبيات الاستشراق لا تتوقف عند المرحلة التي يتلقى فيها الطالب العربي المسلم العلم على أيديهم بل يسعى بعضهم إلى أن تستمر هذه الصلات بطرق كثيرة مختلفة. فقد رأيت الطلاب والأساتذة يجتمعون في مؤتمرات وندوات، وفي مشروعات علمية. بل يحرص بعض الطلاب أن يأتي بأستاذه ليكون مستشاراً له أو لحكومة بلاده إذا تولى منصباً مرموقاً وقد ذكر جمال سلطان حين حضر أحد المؤتمرات العلمية الكبرى حول الشرق الأوسط كيف حضر المستشرقون وتلاميذهم يرددون الأفكار نفسها والرؤى والآراء.
        ومن سلبيات الاستشراق أن الذين تتلمذوا على يدي أساتذتهم المستشرقين عادوا ليبثوا كثيراً من سموم الاستشراق كما سماها الشيخ أنور الجندي رحمه الله(له كتاب بهذا العنوان) في كتبهم ومؤلفاتهم وفي دروسهم, تصور أننا كنّا ندرس في الصف الأول المتوسط عام 1382/1383هـ، (1962/1963م) فوائد البنوك الربوية البسيطة والمركبة دون أن يقول لنا أحد أن ذلك هو الربا فالمسألة مسألة حسابية فقط، حتى تغيرت المناهج في هذه النقطة وبقيت أفكار كثيرة يبثها تلاميذ المستشرقين وإن لم تكن موجودة في الكتب.
        والحديث عن الآثار السلبية للاستشراق لا يتوقف عند هذه الأسطر ولكني أجملت لك بعض هذه الآثار. وأختم بالآية الكريمة (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (آل عمران 69).
أما الحديث عن إيجابيات الاستشراق فأبدأ بالقول إنه من الصعب  أن تحكم على الاستشراق كله بأنه سلبي، فلا بد أن يكون لهذا الفرع المعرفي بعض الجوانب الإيجابية حيث إن من المستشرقين من كان صادقاً وأخلص في دراسته وتعلمه للإسلام ولم يقبل أن يكون أداة في أيدي الاستخبارات الغربية بل قدم الإسلام تقديماً جيداً منصفاً معتدلاً، وبعض هؤلاء قد وصل إلى الإيمان وما هي إلاّ إرادة الله عز وجل إن شاء هداه إلى الدين، وإن بعضهم قد آمن.
        وينسب للمستشرقين البدء في تحقيق كثير من المخطوطات العربية والمحافظة عليها وفهرستها، وقد يرى البعض أنهم لو لم يهتموا بمخطوطاتنا ويضعون لها الفهارس ويحفظونها لضاعت منذ مئات السنين. وأما ما قاموا به من تحقيق فإن الأمر يحتاج إلى دراسة فهل أخلصوا في التحقيق وأجادوا، فربما أجادوا كما أن بعض الباحثين العرب والمسلمين وجدوا لهم أخطاء طوام في التحقيق.
        أما ما ينسب لهم من فهرسة الحديث الشريف التي زعموا أن فنسنك قام بها فإنما قاموا بها لتسهل مهمتهم أصلاً كما أن تلاميذ هذا المستشرق من العرب والمسلمين هم الذين قاموا بالعمل تحت إشرافه كما أكد ذلك الدكتور قاسم السامرائي على أخطاء في مثل هذه الأعمال.
        وإيجابيات المستشرقين أنهم نبهونا إلى الفكر الغربي ونظرته إلينا من خلال ما كتبوه وما ناقشوه ومن خلال تأثيرهم في أبنائنا وفي العالم بأجمع، ألا ترى الياباني أو الكوري أو أي جنس آخر إن أراد أن يدرس عن الإسلام والمسلمين ذهب إلى الغرب ليدرس على يديهم.
        وأود أن أضيف إيجابية للمستشرقين أنهم عندما أعلنوا لبعض طلابهم كرههم للإسلام وبغضهم ثارت الحمية في نفوس بعض الطلاب فعادوا إلى دينهم وأصبحوا من كبار المنافحين عن الإسلام وحرصوا على فهمه والتعمق فيه وأضرب لذلك بالدكتور مالك البدري الذي كان يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت وكذلك الدكتور إسحق الفرحان.  وإن كان المستشرقون لم يقصدوا إلى ذلك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق