الثلاثاء، 8 نوفمبر 2016

خواطر حول الغربة

                             
                                   
الغربة من الأحاسيس التي يشعرها الإنسان إذا غاب عن أهله ووطنه حيث يشعر أنه في غير مكانه أو الناس الذين حوله لا يعرفونه وهو قد لا يعرفهم كذلك . وقد تحدث الشعراء والأدباء في القديم والحديث عن الاغتراب . ولكن لماذا يشعر الإنسان بالغربة الدائمة إذا تغرب عدة سنوات في بداية شبابه حتى بعد عودته إلى وطنه وأهله؟ هل الغربة تؤثر فينا تأثيراً لا رجعة فيه؟ لقد عرفته من التلاميذ المجتهدين ولكن كان يميل إلى الانطوائية. ولكنه سافر إلى الخارج وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية حيث أمضى هناك عدة سنوات. وبعد عودته لقي أحد زملائه من الذين زاملهم ثلاث سنوات في الثانوية فلم يكد يمضي بعض الوقت حتى استنفدا كل الكلام الذي يمكن قوله. فتعجبت أليس هذا الزميل الذي كان لا يشعر بالملل من الجلوس إليه ساعات وساعات، وكم سارا على الأقدم نحو ثانوية طيبة ، وكم قضيا معاً من أيام في فصولها الدراسية؟
لكني بعد تفكير تأكدت أن الإنسان يتغير من مرحلة إلى مرحلة تؤثر فيه شتى العوامل الزمانية والمكانية. فإن الإنسان في شبابه يتعرف إلى أناس غير الذين عرف في المرحلة الثانوية. وكذلك الحال مع زملائه الذين رافقهم في الثانوية حيث إن البيئة التي عاشوا فيها سواءً كانت داخل الوطن أم خارجه لا بد أن تؤثر فيهم فتكسبهم أفكاراً وآراءً تجعلهم غير الذين كانوا في المرحلة الثانوية. كما أن الحياة العملية التي ينخرطوا فيها بعد الثانوية أو بعد الجامعة.
فبعض الزملاء القدامى يصبحون من أصحاب رؤوس الأموال وقد انخرط عدد منهم في الطفرة الاقتصادية التي عاشتها بلادنا فأصبح بعضهم لا يتحدث إلاّ بالملايين وبأسعار الأمتار وغير ذلك من المصطلحات التجارية . وقد ينضم بعض هؤلاء إلى الحياة الفكرية الثقافية فلا يملكون الملايين أو يكونون من أصحاب الملاليم فهل يمكن لهذين النوعين أن يلتقيا؟
وأذكر من الزملاء الذين تغربوا واحداً ذهب في بعثة دراسية للولايات المتحدة الأمريكية فعاش فترة في مدينة لوس أنجلوس ثم انتقل للعيش في قرية صغيرة في ولاية أوريجن حيث عاش مع أسرة أمريكية ، وكان رب الأسرة باحثاً في علم البيئة والمحافظة عليها وكان كاتباً للمجلات العلمية ومن الطريف أنه يتذكر أن هذا الأمريكي كان يتقاضى خمسمائة دولار على المقال العلمي الواحد. فتأثر بالحياة في هذه القرية الصغيرة ، وتأثر بالحياة مع هذه الأسرة العلمية.
 ثم انتقل إلى ولاية أريزونا حيث الصحراء وشجر الصبّار والحرارة العالية التي تشبه صحراءنا. ولكنها صحراء مختلفة حيث لا تكاد تسير ساعة بالسيارة حتى تجد الأنهار والبحيرات .
وفي الولايات المتحدة تعرف إلى زملاء جدد وحياة مختلفة كان أبرز ما فيها طابع عدم الاستقرار وصعوبة تكوين الصداقات. وقد اصطبغت حياة معظم الطلاب العرب المسلمين بالطابع المادي للحياة الأمريكية. ومع ذلك فقد كان هؤلاء الطلاب صنف مختلف من الناس بالنسبة للأمريكيين. وكان اثنان من زملاء الدراسة الأمريكيين يهتمان كثيراً بهذا القادم من العالم الإسلامي لأنه يمثل بالنسبة لهم قيماً لا يعرفونها أو يقرؤون عنها ولا يعرفونها في الواقع.
وعاد إلى بلاده ليعمل في الخطوط السعودية فكانت مرحلة وسط بين المؤسسات الغربية المتقدمة وغيرها من المؤسسات. فقد امتازت الخطوط حتى وقت قريب بنظامها الإداري وإجراءاتها التي تختلف عن غيرها من المؤسسات الحكومية. وإن كانت أرامكو أكثر تطوراً من الخطوط فإن هذا أمر لم أعرفه لبعدي عن تلك الشركة كما أن شركات أرامكو لم تكن قد انتشرت في المنطقة الغربية كما هي الآن. وقد ساهم العمل في الخطوط السعودية في تشكيل عقليته ونفسيته بطريقة تختلف عن الزملاء الذين لم تتح لهم فرصة السفر إلى الخارج أو الذين سافروا وعادوا ليعملوا في مؤسسات مختلفة.
ولعل من الأمور التي أسهمت في تشكيل عقلية الغريب هذه أنه انجذب إلى النشاطات الثقافية بجامعة الملك عبد العزيز التي كانت تقام في مسرح كلية العلوم كل أحد ، بالإضافة إلى المحاضرات والندوات الأخرى التي كانت تقام في أنحاء مدينة جدة .كما أنه لم ينجذب إلى ما انجذب إليه الكثيرون من الحرص على جمع المال وتحقيق ذاته من خلال تكوين الثروة بل كان يعيش في معظم وقته عيش الكفاف رغم الوظائف المرموقة التي تقلدها وتسمح لأمثاله أن يكونوا ثروات كبيرة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق