الأحد، 6 نوفمبر 2016

هوية الأمة الإسلامية بين الاستقلال والتبعية




هوية أي أمة هي ذاتها ووجودها، وقد تحددت هوية الأمة الإسلامية منذ بدأت آيات القرآن الكريم تتنزل على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى:{اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى قوله تعالى:{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}تحددت هذه الهوية بالأسوة التي كان يقدمها الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة، حتى قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يصف دعوة الإسلام بقوله: "كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام والأوثان ونأكل الميتة ونسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف حتى جاءنا من نعرف صدقه وأمانته فدعانا إلى عبادة الواحد الأحد وإكرام الجار والأخلاق الفاضلة"، واتضحت صورة الهوية الإسلامية في قول ربعي بن عامر أمام كسرى: " إنّ الله جاء بنا وابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، وعرفنا الهوية الإسلامية من موقف بلال بن رباح رضي الله عنه من صناديد قريش وهم يعذبونه في رمضاء مكة وشمسها المحرقة بأن أصر على الرد عليهم بكلمة واحدة "أحدُ أحد".
هذه الهوية هي التي جعلت الأمة الإسلامية تنشر العدل والرحمة في العالمين كما وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}، وفي قوله تعالى:{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} وفي هذه الآية يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "نحن وإن كنّا الأخيرين زمناً لكنّا الأُوَل مكانا" هذه الأمة التي وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }،هذه الأمة حين مكّنها الله سبحانه وتعالى كانت كما وصفها: {الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }، ومن الهوية الإسلامية التعامل مع أهل الكتاب وفقاً لآيات الكتاب الكريم ومنها قوله تعالى { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} وانظر كيف قدم (البر) على (القسط) والبر كما عرفّه العلماء: هو جماع الخير كله، وجعل معاملة الوالدين أساسها البر فهكذا نحن مع غيرنا من الأمم التي لم تعادينا، وأضيفُ أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قد بعث رحمة للعالمين ألا نكون نحن – الأمة الإسلامية – أيضاً رحمة للعالمين؟
      إن الذين يملكون هذه الهوية يعرفون الهويات الآخرى التي تحيط بهم فهم يعرفون الجاهلية العربية التي عاصرتهم، وعرفوا من خبرتهم وتجاربهم الأمم الأخرى من يهود ونصارى. كما عرفوا هذه الأمم من خلال وصف القرآن الكريم لليهود والنصارى وللعرب الجاهليين.
الهوية الإسلامية هي التي دعت إلى الصدق والأمانة والوفاء بالعهود والوعود وجعلت الوفاء بالعهد ديناً. وجعلت الصدق من البر الذي يهدي إلى الجنة والكذب من الفجور الذي يهدي إلى النار. ولله ما أعظم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حين وصف الكذب بالفجور وجعله علامة من علامات النفاق. إنه لم يصف الكذب بالذنب فقط أو الخطأ ولكنه وصمه بالفجور.
ولقد أحاطت آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم المسلم بسياج متين من أن يندمج بغيره أو يفقد هويته، هذا ما أطلق عليه الدكتور طه جابر العلواني ( الحاجز النفسي) حيث ذكر أن النصرانية تضع حول أتباعها حاجزاً نفسياً حتى لا يندمجوا بغيرهم ويفقدوا هويتهم. وصاح بعض كبار قساوستهم عندما رأى شباب أمته يقلدون المسلمين في ملبسهم ومأكلهم ولغتهم حتى إن بعض أبناء النصارى أصبح يكتب الشعر باللغة العربية ولا يحسن اللاتينية لغة قومه، وقال غاضباً لئن لم يرعو هؤلاء عن تقليد المسلمين فإن الكنيسة ستنزل بهم العقاب. وليس كاليهود في منع أتباع ديانتهم من الذوبان في الأمم الأخرى فهم يزعمون أنهم (شعب الله المختار) بل مضوا أبعد من ذلك فعاشوا في أحياء خاصة بهم أطلق عليها (الجيتو) وأصروا على ارتداء ملابس خاصة وقص شعرهم بطريقة خاصة حتى أصبح تطويل السوالف من الأمور التي ميزت اليهود.
استقلالية الهوية أمر مهم وخطير ينبغي أن نغرسها في نفوس أبنائنا وبناتنا مع حليب أمهاتهم. بل قبل ذلك نغرسها في نفوس الآباء والأمهات لينقلوها إلى الأبناء. لا يمكن المحافظة على استقلالية الهوية دون معرفة هذه الهوية بالتفصيل من أصغر سلوك إلى أكبر قضية في الأمة وهي الحكم الذي يعيشون في ظله. وأصغر الأشياء التي لا تبدو مهمة ولكنها جزء من الهوية أن يبدأ الإنسان ارتداء النعلين باليمين وعندما يخلعهما يبدأ بالشمال. وفي دخول المسجد وفي الخروج منه، وعندما يطفئ المصباح في الليل أو يبقي باب بيت الخلاء مغلقاً.
بعد المعرفة يأتي الاعتزاز، والاعتزاز يقود إلى المحافظة والاستقلال، بل إن ذلك يقود إلى دعوة الآخرين إلى هذه الهوية. ولكن مر بالأمة الإسلامية أزمنة بدأت فيها تفقد هويتها ويرجعها الدكتور طه جابر العلواني إلى التنازلات التي بدأ تقديمها بعض السلاطين العثمانيين بدعوى التسامح مع الكفار. وكان تسامحاً حقا،ً ولكن في غير محله وذلك حين تركوا للقناصل الأجنبية أن تعيث في بلادهم وأن تستوطن وتؤثر. ثم جاءت الطامة الكبرى في فتح المدارس الأجنبية في بلاد المسلمين وظهور هذه المدارس بأنها الأرقى وأن المدارس الإسلامية مدارس متخلفة. وقد صرح كرومر حاكم مصر في عهد الاحتلال بأن أبناء مدرسة فيكتوريا سيكونون جسراً بين الثقافة الإسلامية والثقافة الأجنبية. وهي عبارة مخففة أن هؤلاء سيكونون أتباعاً للغرب ينادون بالهوية الغربية ويحاربون الإسلام والمسلمين.
وفي الجزائر أنشأت فرنسا عدداً من المدارس سميت زوراً (المدارس العربية) وصف الشيخ محمد السعيد الزاهري_أحد علماء الجزائر- تلامذتها بأنهم لا يصلون ولا يصومون ويتحدثون فيما بينهم باللغة الفرنسية بل إنهم – في رأيه- لا يكادون يؤمنون بالله وباليوم الآخر.
وجاء الاحتلال الأجنبي لمعظم الديار الإسلامية ليعمق الشعور بالتخلف وانتشر بيننا الفقر والجوع والمرض، ونُسب كل ذلك ظلماً للإسلام. فكيف نتمسك بالإسلام أو بالهوية الإسلامية ونحن نرى هذه الأوبئة خاصة بديار المسلمين؟
وكما قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله جاء نابليون إلى مصر وأراد أن يأخذ عدداً من الأشراف وشيوخ القبائل ورؤساء الناس ليعيشوا في فرنسا فترة من الزمن فيتشبعوا بالحضارة الفرنسية حتى إذا عادوا إلى بلادهم كانوا أعواناً لفرنسا. ولمّا لم يتم ذلك تفتقت عبقرية مستشاري محمد علي باشا –سرششمة_ عن فكرة إرسال عدد من أبناء مصر النابهين للدراسة في فرنسا، وهناك يعيشون بين ظهران الفرنسيين فيتأثرون بهم. وقد وردت في المراسلات الخاصة بالمبتعثين المغاربة أن المشرف على البعثة لما أكمل الطلاب مدة ابتعاثهم طلب أن يبقوا في فرنسا بعض الوقت ليتشبعوا بالحياة الفرنسية والحضارة الفرنسية.
وغُزينا في عقر دارنا بالإعلام صحافة وإذاعة وتلفازاً وقنوات فضائية. فكان من أوائل من عمل في الصحافة النصارى وبخاصة نصارى لبنان، فبثوا من خلالها السموم لمحاربة الهوية الإسلامية. واستمرت سيطرتهم على الإعلام حتى إن السينما المصرية وهي رائدة السينما في العالم الإسلامي بدأها أناس من اليهود فكانت أداة لمحاربة الهوية الإسلامية.وكذلك كان المسرح وظهرت الفرق المختلفة منها على سبيل المثال فرقة (فاطمة رشدي) التي كانت تقدم قصص جورجي زيدان وتسيء إلى التاريخ الإسلامي والهوية الإسلامية، حتى إن بعض علماء الجزائر قال لها إنك امرأة مسلمة واسمك فاطمة فما هذا السفور والاختلاط ولماذا تؤدين مسرحيات جورجي زيدان التي تفتري على التاريخ الإٍسلامي. فأجابت إجابات غير شافية أنهاعفيفة وشريفة وإن سفرت عن وجهها وشعرها.
التبعية اليوم في الهوية إنما هي جزء من الروح الانهزامية التي انتشرت في هذه الأمة بسبب جهلها بحقيقة هويتها وبانهيار الحاجز النفسي، وأذكر في هذا المجال ما قاله وزير خارجية دولة العدو الصهيوني حينما أسقطت بعض دول الخليج المقاطعة الاقتصادية من الدرجة الثالثة قال ليس المهم ما نحققه من مكاسب اقتصادية بقدر ما حققناه من بداية انهيار الحاجز النفسي.
     نعم نحن بحاجة إلى حملة كبيرة لاستعادة الهوية الإسلامية والتأكيد على استقلاليتها. وأود أن أذكر كلمة عن برنامج لممثل مشهور (عالم الصغار) حيث سأل دريد الطفل أنت تريد أن تكون مدير إذن سيكون لك سكرتيرة فقال الطفل وإذا كانت جميلة فسأتزوجها. فقلت أين عالم مسلم أو فنان مسلم يعلم الأطفال ويحاورهم ليؤكد في نفوسهم الهوية الإسلامية وليس الهوية التي تقوم على وجود سكرتيرة تكون بينها وبين المدير ما لا يرضي الله ولا رسوله.
إن العولمة أو ما يطلق عليه البعض الأمركة تريد أن تذيب الهويات كلها في هوية واحدة هي هوية الجينز وهوية الهامبورجر والموسيقى الصاخبة. إنها لا تخيف الأمة الإسلامية، بل إنه تحد لهم ليقدموا للعالم أن يعرفوا هويتهم أولاً ثم ينتقلوا إلى العيش بهذه الهوية وتطبيقها في شؤون حياتهم كلها. وبعد ذلك ينطلقون ليقدموها للعالم، وأذكر لقاءً جمعني بالشيخ أحمد ديدات رحمه الله حين طلبت منه أن يزور قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة قبل أكثر من خمس عشرة سنة حيث قال لي: "لعلكم في هذا القسم تنتظرون الغربيين أن ينتقدوا الإسلام ويشوهوه ثم تردون عليهم بما يسمى الدفاع التبريري، عليكم أن تخرجوا إليهم لتقولوا لهم إنكم بحاجة إلى الإسلام لأنكم تعيشون حياة تعيسة، انظر إلى مدينة نيويورك مثلاً كم عدد الشواذ جنسياً فيها؟ كم عدد المدمنين على المخدرات أو الكحول؟ كم عدد حالات الطلاق ؟ كم عدد حالات القتل أو السرقة؟ إنكم بحاجة إلى الإسلام ليصلح لكم أحوالكم وأموركم"، وكان ديدات رحمه الله صادقاً فقد خرجت مجلة اجتماعية لندنية بعنوان ضخم (مستقبل لندن الإسلامي) في شهر يونيه 2007م تتحدث عن حاجة لندن (بريطانيا والعالم أجمع) إلى الإسلام – وهو موضوع مقالة أخرى إن شاء الله- فهل نحافظ على استقلال الهوية الإسلامية ؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق