السبت، 26 نوفمبر، 2016

أمريكا تحتـــــــضر

                              (*)

كان حديثي في الصفحات السابقة يتناول تجربة شخصية استطعت من خلالها النفاذ إلى أشياء كثيرة في المجتمع الأمريكي، ومع أن ما كتبته حتى الآن ليس إلاّ بقايا ذكريات دونت بعضها في دفاتري والبعض الآخر بقي في خبايا الحافظة ينطلق من مكمنه كلما أثار الحافظة أمر مهم. إلاّ أن هناك حقيقة مهمة وهي أنني ذهبت إلى أمريكا في بعثة دراسية، وكان عمري عندها ثمانية عشر عاماً، ولم يكن لدي منهج واضح في التفكير والسلوك، فلو كنت صاحب منهج وطريق لكانت مشاهداتي أعمق بكثير مما ترى، ودراستي للمجتمع الأمريكي أدق وليس هذا بطبيعة الحال اعتذار عما كتبت وأكتب ولكن حقيقة أحببت إيضاحها قبل أن نقطع منتصف الطريق مع هذه المشاهدات.
واليوم أكتب عن احتضار أمريكا ليس كخاتمة لهذه السلسلة من المقالات، فالموت هو النهاية لكل كائن حي وموت أمريكا سيكون حدثاً كبيراً بقدر ما احتلت من مكانة أيام شبابها وفتوتها، وإنما أكتب عن الاحتضار لأن هذه فترة قد تخفى عن الكثير من الناس بل ربما معظمهم لأنه تتخللها سكرات الموت، ومن رأى أحداها ظن أن أمريكا لا تموت ولكنها في الواقع صحوة سريعة الانقضاء، وهناك من العوامل التي تساعد على إخفاء احتضار أمريكا عن الأعين، سأحاول تجليتها وكشف الحقائق التي تشير إلى أن انهيار أمريكا أمر وشيك الوقوع. وإليك هذه العوامل:
        أولاً: الأجهزة الدعائية القوية التي تمتلكها الولايات المتحدة ومنها ما تتكفل بالصرف عليه كوكالات الأنباء، وهذه يديرها الصهاينة اليهود -أو لهم تأثير كبير فيه- الذين يقومون بالترويج للحياة العصرية بكل فسادها، لأن ذلك سيساعد على نقل العدوى إلى بقية دول العالم فيتهاوى مما يمكن لهم الإجهاز عليها بالتوالي، وحينئذ يشرعون في إقامة مملكة صهيون. وينبع هذا الحقد الدفين الذي لا يتوفر بهذا الشكل إلا عند اليهود، وثاني الأجهزة الدعائية صوت أمريكا التي تبث بلغات شتى وتضع السم في الدسم، ونجد ذلك بوضوح في نشراتها الإخبارية وتعليقاتها السياسية التي يهمها أن تظهر أمريكا في مركز القوة.
وثالث الأجهزة الدعائية السفارات الأمريكية التي تنبثق عنها المراكز الثقافية والتجارية والبعثات التنصيرية، ففي المراكز الثقافية نجد برامج تعليم اللغة الإنجليزية واحداً من نشاطات كثيرة متعددة بينما تعليم هذه اللغة في حد ذاته أمر بالغ الخطورة لما يتضمنه من نشر عادات وتقاليد وعقائد الغرب، وأذكر هنا أنني وجدت في أحد كتب تعليم اللغة الإنجليزية صورة لربة بيت منهمكة في أعمال المنزل وصورة لزوجها في عمله وكتب تحت الصورتين: "السيد فلان سعيد لأنه يعمل خارج البيت، أما السيدة فلانة فتعيسة لأنها قابعة في المنزل طوال اليوم." ولا يخفى على ذي عقل المقصود من هذه الجرعة (البريئة) التي نقدمها لأبنائنا. وهذه الكتب لا شك أن خبرات المراكز الثقافية الأمريكية الاستشارية لها يد طولى في تأليفها وإقرارها.
ورابع هذه الأجهزة الدعائية المساعدات الاقتصادية والعسكرية والخبرات الفنية وغيرها من مساعدات، وهذه وسائل دعائية ولكن بطريق غير مباشر إذ الهدف الأساس منها هو ربط الشعوب بعجلة الغرب في جميع المجالات، وما هذه المساعدات إلاّ ممهدات له ولأبعد من ذلك حيث استغلال خيرات الشعوب والتسلط على مقدراتها.
ولا يفوتني هنا أن أذكر إعلامنا العربي والإسلامي الذي كثيراً ما يهول صور الأشياء فيلبسها الوجاهة والعظمة وهي غاية في الحقارة، يحاول بين الحين والآخر إظهار أمريكا بأنها الدولة التي تتربع على عرش العالم، ولا يحدث هذا عن حسن نية لأن الله عز وجل يقول {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}([1]) وكم يبدو العالم الإسلامي صغيراً في أعين هذه الصحف حينما يكون الحديث عن المدنية الغربية.
وخامس هذه الأساليب الدعائية وهو الأكبر أثراً والأشد خطراً وهو ما يجب استئصاله سريعاً هو الجسم الحامل للميكروب؛ لأن الجسم الذي يحمل الميكروب ينقله إلى كل من حوله وبسرعة مدهشة، هذا الجسم هو أبناؤنا الذين بعثنا بهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول الغرب لتلقي علومهم وآدابهم في الوقت الذي يفتقرون فيه إلى العقيدة الصحيحة الراسخة، وإلى التربية السليمة على هدي من هذه العقيدة وللأستاذ أحمد محمد جمال بحثاً شيقاً في هذا الموضوع تضمنه كتابه (محاضرات في الثقافة الإسلامية)، ويجمل الأستاذ جمال أسباب الانحرافات الأخلاقية التي يقع فيها الشباب في ثلاث: الأسباب الخارجية، والأسباب الذاتية، والتناقض الذي يعيشه المجتمع الإسلامي، ويقترح أننا حين نرسل أبناءنا إلى الخارج نهيئ لهم الجو الإسلامي في الخارج من سكن ورفقة وإرشاد وتعليم، ولا شك عندي أن هذا اقتراح وجيه حبذا لو أخذنا به خاصة لو دعمت هذه البيوت ببرنامج تثقيفي إسلامي قبل ذهاب الشباب إلى الخارج،([2]) لأنه إن تذوق الشاب حلاوة الإيمان وقويت العقيدة الإسلامية في نفسه وعرف كيف يدعو {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}([3]) واطلع على مخططات الغرب والصهاينة ضد الإسلام وفهم المنهج الإسلامي في الآداب والعلوم والفنون حينها لا ضير لو أرسلناه إلى هناك إن كانت الحاجة ماسّة لإرساله، أما لو كانت هذه البيوتات هناك في الغرب فقط، فإن تلقي الغث مع السمين قد يضر بما يتعلمه من العقيدة الصحيحة لأنه سيكون أكثر تأثراً بالحياة الغربة والدراسة وفقاً لمناهجهم، وعندما لا يؤخذ بأي من هذين الاقتراحين وهو الحاصل فإن خيرة أبنائنا والصفوة الممتازة منهم والمتفوقين في دراساتهم يلقون في أيدي معادية لنا ولديننا، فيلقنون العلوم والآداب حسب مناهج لا دينية كما تتولد لديهم أنماط من التصورات والرغبات والشهوات مخالفة للإسلام، ويجدون أن لا حرج في اقتراف كثير من الآثام التي تعدّ من الكبائر لكنها أمور عادية جـدّاً في تلك المجتمعات، والمعروف أن الإسلام يقرر قاعدة مهمة (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الغير)، وعندما يضعف الضمير ويغطيه صدأ الآثام فتضعف حساسيته نحو الخير والفضيلة، وكلما طالت المدة ازداد الصدأ وكثر الشر واستمرأت النفس الإثم، ولا يخفى علينا مدى تأثير هؤلاء في المجتمع الإسلامي عند عودتهم حيث إن المجتمع يهيئ لهم –بوعي وبلا وعي فالتخطيط استعماري قديم- المراكز الحساسة ليحتلوها وهذه أشد ما تكون ضرراً إن تكن في مجال التربية والتعليم والإعلام بفروعه المختلفة. وأما إن أحضر الواحد منهم زوجة فهي زيادة على أنها قد لا تؤمن بقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا فلربما تسخر منها وتنظر إليها باحتقار، ذلك أنها من أمة قوية لها اليد الطولي في المدنية والتقدم مما يجبر الشاب المسكين على مشاركتها لتستقيم حياته معها، وإن لم تكن هذه مشاركة هدامة تنتج الخراب فإنه يضطر إلى الانعزال عن جسم المجتمع ولا يعيش إلاّ مع الغرباء يكمل معهم تلك الحياة التي بدأها هناك، ومع ذلك سيكون له تأثير في غيره عن طريق قرابته الآخرين وأصدقائه والعاملين معه.
والعامل الثاني الذي يساعد على إخفاء احتضار أمريكا عن الأبصار هي تلك الصناعات المزدهرة كالأسلحة والطائرات المدنية والحربية والسيارات وغيرها، ومن المعلوم أن هناك كثيراً من الدول التي بدأت تنزل إلى الأسواق بسلع منافسة كاليابان وغيرها من الدول الأوربية التي تنتج سلعاً مماثلة وإن كان ذلك على نطاق ضيق، أما الأسلحة فالعالم كله يتسلح ليوم دمار لا يعلمه إلاّ الله.
والعامل الثالث من هذه العوامل هو الأحلاف العسكرية- التي يضم بعض منها أقطاراً إسلامية- وتتبوأ أمريكا منها مركز القيادة والسيطرة، وتذكرني هذه الأحلاف بتلك التي كانت تنشئها أثينا في عهود اليونان القديمة وتتحكم في مصائر أعضاء الحلف، ولكن هؤلاء الصغار لا بد أن يكبروا يوماً ما ولابد للضعيف أن يقوى، وإننا لنذكر أنه كان يحدث في أحلاف أثينا العسكرية أن يجتمع الصغار فيهاجمون القوي المتغطرس فيهزمونه شر هزيمة، وهذا ولا شك واقع في أحلاف أمريكا إن هي استمرأت سياسة الكبرياء والصلف الحاليين والإصرار على تأييد شرذمة صهيون في إسرائيل رغم معارضة حليفاتها.
أما فقدان أمريكا لمركز الثقل في هذه الأحلاف فيمكن تبريره بالأسباب الآتية التي قد لا تبدو ذات أثر مباشر ولكنها مهمة في ذاتها ومنهاً:
1-                              أن أمريكا تمول بعض البحوث التي يقوم بها عدد من الجامعات والمعاهد وتكون نتائج هذه البحوث من حق وزارة الدفاع الأمريكية، كما يوجد في كثير من هذه الجامعات مراكز تدريب مرشحي الخدمة العسكرية (ROTC)، وقد علمت أثناء وجودي هناك أن هذه الجامعات بدأت ترفض مثل هذه البحوث، لأنها تنصب على حقل واحد وهو الدمار والتخريب ويجعل الجامعة خاضعة لسيطرة وزارة الدفاع تلك السيطرة غير المحببة.
2-                              أن الإقبال على مراكز تدريب مرشحي الخدمة العسكرية آخذ في الانخفاض فما كان الإقبال عليه مرتفعاً إلاّ لوجود التجنيد الإجباري، فتكون فرصة الطالب أن يجند كطالب جامعي أفضل من أن يكون جنديـّاً عاديـّاً كما أن وزارة الدفاع تتكفل ببعض نفقات هؤلاء المرشحين. ومن الطريف أن معظم هؤلاء الشباب الملتحقين بهذه المراكز من مغسولي الدماغ الذين لا يعرفون عن أمريكا إلاّ أنها تنافح وتكافح الشيوعية، وعنده إيمان أعمى بمصالح أمريكا حتى ينسى معه أحقية الأمم الأخرى في الحياة. وهذا فعلاً ما تزرعه فيهم الصحف الأمريكية المحافظة. وزيادة على أن الإقبال على هذه المراكز أخذ في النقصان فإن المعارضة بين صفوف الطلبة تأخذ صورة عدائية تجاه هذه المراكز. وأذكر على سبيل المثال كيف تحرك المتظاهرون ضد سياسة الحكومة الأمريكية العدائية في فيتنام نحو مبنى هذا المركز في جامعة إوريجنOregon فحطموا زجاج النوافذ وأخذوا يدقون على الجدران بعنف كما حضروا تدريباتهم العسكرية وأخذوا يرددون الأغاني الساخرة من هؤلاء المتدربين، ووصمهم بالجبن واتباع العم سام في جنون، وقد جرت محاكمة لهؤلاء المتظاهرين وكان من بين المتهمين في التحريض عليها أستاذ يحمل شهادة الدكتوراه في ا لكيمياء.
3-                              نعلم حقّاً أن المواطن الأمريكي (على الرغم من ضعف تكتلاته) لا يفتأ اليوم يعارض الحكومة المركزية في مصروفاتها على سباق التسلح التي أصبحت أمريكا نتيجة له تمتلك من أدوات الدمار ما يمكن تدمير العالم من 3-5مرات.
4-                              سبق أن ذكرت أن كفاءة المنتسبين لأسلحة الولايات المتحدة الأمريكية قد انخفضت بشكل مثير للانتباه وذلك لانصراف الناس إلى الملذات والإغراق في المتع الجسدية التي لا تحطم الجسد وحده بل العقل والتفكير أيضاً.
5-                              أما عن منافسة الأمم الأخرى فمن المعلوم أن المعسكر الشيوعي خطا خطوات كبيرة في صناعة الأسلحة المتطورة هذا عدا عن الأمم الأخرى التي لم ترض أن تبقى في المؤخرة أو أن تكون عالة على غيرها، ونحن المسلمين حالما نعود إلى العقيدة الصحيحة فلن نكون اليد السفلى ولن نمد أذرعنا للمعسكرات الدولية لتمن علينا بالسلاح حيناً وتمنعنا أحياناً أخرى كثيرة. أما قوة الأحلاف العسكرية التي تملكها أمريكا فإنها تحتم علينا ذكر قول الله تعالى {وتلك الأيام نداولها بين الناس}([4]) وحكيم قول الشاعر:
     هي الحياة كما شاهدتها دول      من سرّه زمن ساءته أزمان
        ونصل الآن إلى العامل الرابع  من العوامل التي تخدع الناظر بأن أمريكا لا تحتضر بل صحيحة العافية وهو الانتعاش الاقتصادي الزائف؛ هذا الاقتصاد الذي بني على غير أساس عقدي، مبني على أن إنماء المال يجب أن لا يرتبط بأي قوانين دينية إنسانية، ومن ذلك ترى أن حمى رفع الإنتاج تطحن العمال بحرارتها حتى لا يجدون وقتاً أو جهداً للبحث عن صالحهم بل هم كالدمى أو أحط في أيدي مخدوميهم. أما المستهلك فهو إنسان يجب أن تُدرس نفسيته من جميع النواحي لاستغلال كل ثغرة أو نقطة ضعف لجعله فريسة لسلعة قد تضر ولا تنفع، ولجعله في النهاية غبيّاً لا يحسن التفكير. و لابد لي من ذكر أمثلة على هذا كله.
أ‌-       مهاجمة ذكاء المستهلك بمعنى احتقار ملكة التفكير لديه ففي صناعة آلة غسل الصحون والأطباق مثلاً جعلوها مستديرة ثم مربعة، وطليت بألوان مختلفة حتى تستهوي المشتري هو في غنى عنها.
ب‌-  أما وضع عبارة جديد أو حديث على المنتوجات فحدث ولا حرج فـ "تايد الجديد"، وصابون كذا الجديد، وأقلام كيت الجديدة، وكلها في الواقع ليست جديدة، وهناك تعبير آخر يحلو للمنتجين أو لأصحاب المتاجر استعماله وهو كلمة مريح أو سهل (convenient) ومعنى ذلك أن استعمال السلعة سيكون سهلاً أو أن التسوق من مكان كذا سهل أو مريح، ولكن المستهلك يضطر للشراء بأثمان عالية نزولاً عند هذه الكلمة الخادعة
        ج- ومن هذه الوسائل أيضاً ما يسمى بالتنزيلات الكاذبة التي يسميها الفرنسيون أوكازيون فهي خدعة واضحة حيث تكون بعض البضاعة بالية، فيمكن وضع بضاعة جيدة بأقل من سعرها ويقل الربح ولكن الربح موجود حتماً، ومن المعلوم أن الأعياد والمناسبات الدينية والتاريخية كلها تستغل لتصريف جميع أنواع البضائع سواء تلك التي يحتاجها المشترى أم لا فقط كون الدعاية تركز عليها؛ ففي عيد ميلاد جورج واشنطن تجد دعايات كثيرة لأدوات كهربائية مثل المكانس والمباشر والمفارم والمناشير ودعايات لبضائع أخرى مثل الأحذية والملابس وحتى السيارات وكل ذلك للبيع بأسعار زهيدة في ذكرى من؟ ذكرى جورج واشنطن الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية ومن الغريب المدهش أن يشعر الأمريكان بالشكر والعرفان لخالقهم والمنعم عليهم، ومع ذلك فهناك عيد يسمى عيد الشكر وهذا يستغل تجاريـّاً إلى أبعد حد، أما أكاذيب التنـزيلات فأذكر أن صاحب متجر للأثاث المنزلي كان يدّعي أنه أصاب متجره حريق فهو مستعد لبيع البضاعة بأبخس الأثمان، كما ادعى مرة أخرى بأن تصفية الحسابات السنوية قد قربت ولذلك فلا بد من التخلص من البضاعة وذلك بتخفيض الأسعار، ولكن كم حريق أصابه في تلك السنة؟ وكم تصفية سنوية يجريها هذا المحل أما عن أكاذيب بائعي السيارات فحدث ولا حرج ولا أجد بي حاجة إلى ذكر ذلك فقد يمل القارئ.
        على الرغم من هذا كله فإن البعض يدعي لأمريكا انتعاشاً اقتصادياً ولم أر هذا، فالأمريكي يعيش مديوناً ويموت مديوناً ذلك أنه محاط بالتقسيط من كل جهة وبتسديد بطاقات الاعتماد وما ترفه إلاّ زيف في زيف، والحقيقة أن تلهف الأمريكان وتطلعهم للامتلاك أكثر من الفرص الحقيقية المتاحة لهم لامتلاك أي شيء.
        فلا عجب إذن أن اقتصاد أمريكا المبني على الاستغلال الفاحش لمقدرات الشعوب وثرواتها الطبيعية والبشرية والهيمنة العسكرية كل هذه أشياء بدأت تتكشف أوراقها وتظهر الحقائق من تحتها مما يؤدي إلى انتفاضة الشعوب الصغيرة شيئاً وشيئاً، ولنتذكر المثل القائل "وعظيم النار من مستصغر الشرر" يكاد ينطبق تماماً على هذه الانتفاضات الصغيرة
        أرى خلل الرماد وميض جمر  وأخشى أن يصير لها ضراماً
        إذا كانت السطور السابقة قد أوضحت شيئاً ما عن احتضار أمريكا، ولم تعط الموضوع حقه من البحث والاستقصاء فإنني أرجو أن أكتب مستقبلاً في هذا الأمر محاولاً تقديم صور للداء اللعين الذي هدّ قوى أمريكا وألقاها أرضاً وجعلها حبيسة سكرات الموت، وما أجمل وصف الشهيد سيد قطب رحمه الله لهذا كله في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) حيث يقول: "وما تزال البشرية تهوي إلى هاوية الدمار الأكيد. وعجلة الحياة الجامحة مجنونة تلهبها سياط الأجهزة المتعددة حتى يأذن الله فتتسلم القيادة يد غير تلك اليد الرعناء المجنونة الشاردة المحمومة" {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}([5])






* - كتبت هذه المقالة في مسودتها الثالثة سنة 1395هـ الموافق 1975م. وقد نشرت الحلقات الثلاث من هذه السلسلة في مجلة المجتمع سنة 1395هـ الموافق 1975م. وتوقفت عن نشر هذه المقالة لنصيحة أحد أساتذتي في جامعة الملك عبد العزيز الذي أشار إلى أنه من المبكر وأنا طالب منتسب في قسم التاريخ أن يكون لي مقالات منشورة قد تزعج بعض الأساتذة ممن درس في الغرب....
[1] - سورة آل عمران، آية 139.
[2] - كتبت هذا الاقتراح عام 1395هـ، ولم أنشره، ولكن أخذت به وزارة التعليم العالي فيما بعد، ولكن فيما أعلم اقتصر تقديم البرنامج على جامعة واحدة، وحبذا لو أعطيت الفرصة للجامعات الأخرى لتقديمه فلديها أساتذة في العلوم= =الشرعية وكذلك أساتذة عاشوا في الغرب ويستطيعون أن يقدموا برامج متميزة في تثقيف الشباب المبتعث.
[3] - سورة آل عمران آية 8
[4] -سورة آل عمران، آية 140.
1- سورة يوسف آية 21

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق