الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

مرايا عربية -روسية شخصيات عربية في الاستشراق الروسي بقلم:م.النجار-ر.السلطاني


          قد يكون من الصعب إطلاق مصطلح  ((مستشرق)) و  ((مستغرب)) على أولئك العرب، الذين لعبوا دورا مرموقا في وضع وتمتين الأسس الثقافية  (اللغوية والمعرفية) للاستشراق الروسي بشكل عام والاستعراب بشكل خاص. وربما يسهل حصر أثرهم في ميدان العلم المجرد، إلا أن ذلك يبقى، إذا أمكن القول، نوعا من الإفراط ب  ((الموضوعية))، التي تنزع في توجهها نحو إغراق عواطف الانتماء الثقافي والمصير التاريخي لرجال الفكر في ما وراء القيم المجردة للأحكام العلمية. وإذا كان لهذا الموقف ما يبرره من وجهة الأحكام الدقيقة، فإن هذه الأحكام تفقد لمعانها الجميل ومآثرها الحية بوصفها جزءا من شعور الانتماء الثقافي، سيما وإن الإنتاج لبعض أولئك الذين قضوا الشطر الأكبر من حياتهم في الغربية الروسية، لم يكن غريبا على القارئ العربي، بل ساهم في تنوير بعض جوانب الوعي الاجتماعي من التراث الثقافي للعرب والمسلين. ويمكن أن نشير إلى أسماء عديدة لعبت دورا كبيرا في مد الاستشراق والاستغراب الروسيين بمعلومات دقيقة وموثقة ومعارف عديدة أسهمت بدورها في تربية أجيال من المستعربين الروس. وفي طليعة تلك الأسماء الشيخ محمد الطنطاوي  (ت-1861م) وجرجيس مرقص  (ت-1911م) وبندلي الجوزي  (ت-1942م) ومجموعة من مدرسي العربية ومترجميها فكل واحد منهم حسب قدراته عن إمكانيات التفاعل الحضاري. بالتاريخ الروسي ما بعد بطرس الأكبر، ظل مرتبطا بالشرق الإسلامي أوثق الارتباط، وبغض النظر عن توجهه الغربي ظلت تختمر على الدوام فاعلية الشرق الخفية في خلايا الكيان الروسي. وقد أبدع ذلك نفسا مفعما بالقوة يمكن العثور على آثاره في مختلف جوانب الحياة، وبالأخص في صياغة معالم الأمزجة الروحية لأعداد من النخبة الروسية المفكرة. وذلك بالقدر الذي أثر فيه الفكر الروسي بمختلف مدارسه واتجاهاته على صيرورة الوعي الفني- الجمالي والسياسي لأعداد غفيرة من مثقفي العام العربي في غضون القرن الأخير.

          ولم يكن هذا التأثير والتفاعل بمعزل عما أثمرته جهود الاستشراق والاستعراب الروسيين اللذين ساهم في تكوينهما كوكبة من طلائع المثقفين العرب الذين لمّ شملهم في الأصقاع الروسية شعور الانتماء الثقافي لعالم العربية  (لغة وتراثا). وليس من قبيل الصدفة أن تشترك جهود النصارى والمسلمين في توجههم الموحد في هذا المضمار ز إذ من الصعب حصر ذلك بشعور الغربة الذي عادة ما يؤدي إلى صيرورة الالتقاء المعنوي والاقتراب  ((الجسدي)) بين عناصر الثقافة  ((المجهرية)). فوراء الالتقاء والاقتراب يمكن عالم الانتماء الذي تتكشف ملامح قوته في كيفية انعكاسه في مصير المثقفين والمفكرين.
          فهؤلاء يكشفون في مصائرهم عمّا هو جوهري في حيويته ن فيشيرون إلى ملامح الصعود والانحطاط ويعبرون بالتالي عن معالم الدراما الواقعية لتاريخهم الفعلي. ومن هنا يأتي تباين الإبداع الفكري والتأثير الثقافي لكل منهم. فإذا كان الشيخ الطنطاوي يعبر في ملامح تأثيره عن صعود الفكرة العربية وقوة الدولة المصرية زمن محمد علي. فإن جرجيس مرقص وبندلي الجوزي قد عبرا عن الحالة التي ميزت ظروف الشام في نصف الثاني من القرن التاسع عشر. عشية الانهيار الوشيك للسيطرة العثمانية على العالم العربي، ومعالم الانفتاح العربي على ما وراء قيود الاستبداد الإقطاعية. أي أنهما كشفا في حياتهما عما هو مميز لمراحل الاضطهاد الفكري والديني والقومي. وبالتالي عن خصوصية هجرة المثقفين الجديدة. فإذا كان المتنبي قد تمكن من الهرب من الشام إلى مثر ومنها إلى العراق، فليس فقط لأنه أراد تجنب مقتله على أيدي خصومه، بل وبفعل شعوره بضرورة وجوده في أحضان العالم العربي، أي أنه بذلك عبر عن ملامح  ((العزلة)) الشموخة للثقافة التاريخية.
          غير أن افتقاد الكيان العربي لحدوده الثقافية وأصالتها عند تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، قد أفرز أنماطه الجديدة في  ((التغرّب)) و  ((الهجرة)) التي كانت قدر أعداد كبيرة من نخبة الفكر والثقافة العربيين.
          وينبغي القول بأن لهذه الظاهرة أصولها و  ((معناها)) عند جميع الأمم في مراحل تكونها أو إعادة انبعاثها الثقافي، أي أنها تناسب مع مستوى تعمق وعيها الذاتي وإدراكها لقيمة الكلمة ومعنى الحق. ولهذا كان للهجرة بحد ذاتها وفي أن واحد إيجابياتها وسلبياتها. فقد فسحت المجال أمام النخبة المغتربة للإبداع، غير أنها في الوقت نفسه  ((كبحتها)) عن التأثير المباشر والفعال في محيطها الاجتماعي والقومي. ولكن هذا التناقض الحيوي يبقى، إن أمكن القول، من مكونات وإفرازات المصير الفردي لكل منهم. إلا أنهم في نشاطهم العلمي، واقعيا وتاريخيا، أدوا أدوارهم كل حسب طاقته، وذلك كاستجابة مناسبة للحق والحقيقة. فإذا كان نشاط الشيخ الطنطاوي، على سبيل المثال، يتزامن مع أولى مراحل التكون العلمي الاستشراق والاستعراب الروسيين، مما أملى انصباب جهوده الأساسية على ميدان التعليم اللغوي والثقافي  (لعقائد الإسلام) وآدابه، فإن نتاجات بندلي الجوزي تزامنت مع انتقال روسيا من القيصرية إلى عالم السوفيت، أي مع مراحل الهيجان السياسي والثقافي العارم، وهو ما انعكس أيضل في أبحاثه عن المضمون الاجتماعي للحركات الفكرية في الاسلام. بينما ساهم القسم الأكبر من المتخصصين العرب في تدريس لغة الضاد ونشر إبداعها الأدبي تدريسا وترجمة، كما هو الحال بالنسبة إلى جرجيس مرقص. لقد مثل هؤلاء الثلاثة نماذج مختلفة للحصيلة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفها العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. 
          إن ذلك لا يعني انحصار تأثر الاستشراق والاستعراب الروسيين بهؤلاء الثلاثة فقط، إذ كان مناك مدروسة عرب آخرون. وبغض النظر عن تبيان أصولهم الاجتماعية والدينية، إلا أن ما جمع بينهم هو اللغة العربية وتدريسها. فقد قام عبد الله كلزي  (1819-1912)، الحلبي المنشأ والولادة بممارسة التدريس، في أوديا عام 1837 ثم في بطرسبورغ بقسم اللغات الشرقية في أعوام 1856-1881وكتب بعض الأبحاث وتجدر الإشارة إلى قاموس المحادثة العربي الروسي الذي وضعه وصدر في العاصمة الروسية عام 1863. واشترك معه في تدريس العربية بجامعة بطرسبورغ أحمد بن حسن المكي ما بين  (1856-1858) الذي درس قبل ذلك أيضا في قازان عام 1852. وساهم في التدريس أيضا فضل الله صرّوف  (1826-1903) الذي عمل مساعدا عند ف. أوسبينسكي _المستشرق والمستعرب المشهور بجمع المخطوطات) حيث درّس العربية بعد كلزي. أما سليم نوفل  (1828-1902) المولود في طرابلس فقد درّس العربية عام 1947 في القسم التعليمي للغات الشرقية في وزارة الخارجية الروسية بعد الشيخ الطنطاوي. ومن مدرسي العربية المرموقين تجدر الإشارة إلى ميخائيل يوسف الطائي  (1852-1924) الدمشقي المولد، الذي درّس العربية في معهد لازويف في موسكو، وعرف أيضا بكتابته اللغوية مثل  (المرشد لدراسة اللغة العربية) الذي صدر في فازان عام 1884والقاموس العربي -الروسي  (موسكو 1913). وهو من مترجمي دستور جمهورية روسيا الاتحادية السوفيتية. كما عمل في وقت لاحق مترجما للوثائق الرسمية. أما أنطوان خشاب المولود في طرابلس عام 1874، فقد أنهى دراسته في قسم اللغات الشرقية بجامعة بطرسبورغ ثم بقي فيها بعد فضل الله صروف مدرسا للعربية بين أعوام 1904 -1919. وترك بعض الأعمال، مثل مجموعة نصوص ورسائل عربية معاصرة  (صدرت عام 1908) وكذلك كتاب عن القواعد العربية  (طبع عام 1910) إضافة إلى بعض المقالات مثل  (الحالة الاقتصادية لإيران المعاصرة وتجارتها مع العالم الحارجي) في مجلة  ((عالم الإسلام)) العدد الأول عام 1912).
          لقد كان أثر هؤلاء وغيرهم كبيرا في صيرورة وتطور الأسس اللغوية والمعرفية للاستعراب الروسي. وهو ما يجد تعبيره أيضا في سعة وعمق الكثير من الدراسات الروسية للثقافة العربية والاهتمام الواسع بها، إضافة إلى تقسيم رجال الاستشراق والاستعراب الروسيين لدور العرب المتخصصين ومساهماتهم في تعميق الأسس العلمية للعلم الاستشراقي الروسي.
الشيخ الطنطاوي  (1810-1861)
         ولد الشيخ محمد بن عياض بن سعد الطنطاوي في نجريد من الصعيد المصري. ودخل الأزهر في وقت مبكر، حيث تتلمذ على حسن العطار  (ت-1834) شيخ الأزهر آنذاك وأحد محرري أول جريدة عربية أنشأها محمد علي باشا، وكذلك على الفقيه إبراهيم البهجوري وغيرهما.
          كان الشيخ الطنطاوي من الرعيل الأول لممثلي عصر النهضة المصرية بعد حملة نابليون، ولكنه بقي ممثلا للتيار الإسلامي الثقافي، وبالتالي للاستمراية الثقافية العربية - الإسلامية، التي لم تستلبها وتنهر قلوبها ثقافة الغرب الأوربي. فقد ترعرع الشيخ الطنطاوي ودرس مع إبراهيم الدسوقي  (1811-1883)، الذي تعلم على يديه كبار المستشرقين أمثال كريمر وليل غيرهما. ومن بين معاصريه وأصدقائه أثناء الدراسة تجدر الإشارة أيضا إلى كل من محمد العدوي ورفاعة الطهطاوي.
          إلا أن الشيخ الطنطاوي اضطر لترك الدراسة في الأزهر بسبب مرض والده. ولكنه سرعان ما عاد إلى الأزهر ليدرس النحو والعروض والتفسير والمنطق. ثم عمل مصححا في الجرائد ومدرسا في الوقت نفسه للعربية في إحدى المدارس الإنجليزية. وفي عام 1832 التقى بالمستشرق الفرنسي. فرينيل  (1795-1855) الذي كان لصداقته معه دور كبير في حياة الطنطاوي اللحقة. إلا أن صداقتهما انقطعت بعد خمس سنوات، بعد انتقال ن. فرينيل للعمل قنصلا في جدة ثم الموصل فبغداد. فقد اكتشف فرينيل في الشيخ الطنطاوي أكثر من معلم قدير للعربية ووجد فيه موهبة علمية كبيرة أهلته فيما بعد لأن يكون محط الأنظار ويزور مستشرقين ومستعربين أوربيين أمثال ستيلي لين وهنري بيرون وغوستاف وايل والدبلوماسي الروسي موخين ورودولف فرين  (ابن المستشرق الروسي الكبير فرين مؤسس التحف الآسيوي في بطرسبورغ). فبعد خروج المستشرق الفرنسي ديمانش من قسم اللغة العربية في وزارة الخارجية الروسية طلب الوزير الروسي نيسيلروده من القنصل الروسي في القاهرة ألكسندر ميديم أن يعثر على مدرس عربي بدليل ومن خلال،.فرينيل توثل ميديم إلى الطنطاوي الذي انتقل عام 1840 إلى بطرسبورغ بعد موافقة السلطات المصرية، وباشر العمل يوم 2/7/1840 مدرسا للعربية في القسم التعليمي للغات الشرقية في وزارة الخارجية. وسرعان ما لمع اسمه كشخصية عملية، فضلا عن مظهره وسلوكه المشير بالنسبة إلى الواقع الروسي في القرن الماضي، فتحول إلى إحدى  ((عجائب)) بطرسبورغ. وفي عام 1844 رجع إلى مصر ثم عاد من جديد إلى العاصمة الامبراطورية ليبقى فيها حتى وفاته عام 1861.
          لقد كان عمل الشيخ الطنطاوي واهتمامه الأساسي منصبا على ميدان اللغة العربية، فكشف لمستمعيه عن تقليده عددا من الأوسمة والميداليات، منها تقدير شرف عام 1850 من القيصر الروسي. وفي عام 1852 حصل على ميدالية من الملك الألماني فيرتينبرغ لقاء قصيدة ألقاها يمدحه فيها، وعلى هدية شخصية  (خاتم مرصع بالجوهر) من القيصر الروسي نيكولاي مقابل المساهمة في إنشاء ديكور  ((الغرفة التركية)  (الشرقية) في قصره الملكي، وكذلك على أوسمة ستانيسلاف وآنا ولقب المستشار الدولي  (رتبة عقيد). ولم تنحصر مآثره العلمية في مجال تدريس العربية وآدابها، بل وتضمنت ما قدمه لكبار المستشرقين والمستعربين الروس أمثال فرين ودورن وغيرهما من مساعدات دائمة لتخريج أعداد من مشاهير المستشرقين أمثال غوستاف فالين  (1811-1852) وأوغسطين جيلفين  (1822-1856) الفنليديين. وبهذا المني يمكن اعتباره أيضا واضع أسس الاستعراب الفنلندي. وبعد عام 1855 أصابه مرض عضال أفقده تدريجا القدرة على الحركة  (شلل الساقين ثم اليدين). وتوفي بعد إحالته على التقاعد بسنوات قليلة في بطرسبورغ.
          ترك الشيخ الطنطاوي كثيرا من الأعمال والمؤلفات التي لم ينشر أغلبها، مثل  (أغنية المريد في علم التوحيد)  (شعرا)، إضافة إلى كتاب  ((القرسة)) عن أسماء الخيول العربية الأصيلة  وأصحابها من المشاهير. وكذلك  ((كتاب النوادر والحكايات)) ومذكراته بعنوان:  (تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا)، وبحث عن الأعياد والمواسيم في مصر، وجملة من الحواشي والشروح، مصل  (حاشية على رسالة البهجوري في التوحيد) و  (شرح منظومة الشيخ سلموني في العقائد) و  (ختم على متن الجوهرة في عقائد اللقاني) إضافة إلى ديوان يضم أشعاره.
          وقام أيضا بترجمة  (كلستان) سعدي إلى الروسية، وترجمة إلى العربية كتاب أوستريالف  (مختصر تاريخ روسيا)، ووضع قاموسا عربيا -فرنسيا عن اللهجة المصرية  (مجهول المصير).

          لقد ترك الشيخ الطنطاوي أثرا كبيرا في صميم الاستشراق والاستعراب  الروسيين. وقيم موقعه ومآثره كل من بارتولد وكراتشكوفسكي تقييما عليا. أما في واقعيته وتاريخيته الثقافية فقد استطاع أن يبرهن في مثاله الشخصي على كسر شوكة التعالي الأوربي في ميدان اعلم الاجتماعي آنذاك، وارتقى إلى منصب أول بروفيسور ورئيس لقسم اللغة العربية وآدابها في روسيا إبان القرن التاسع عشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق