الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

من شجون الحديث الغزوالفكري حقيقة واقعة (بقلم: د. مصطفى عبد الواحد)

  (المدينة المنورة العدد:9013 14/رجب/1412هـ. صفحة الرأي)  


          الصراع بين البشر ظاهرة موغلة في القدم... بدأت منذ تعارضت المصالح وتغايرت الأهداف. منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل حسدا له أن تقبل الله قربانه. واتسع نطاقها شيئا فشيئا في شكل حروب قاهرة وفرض مجتمع إرادته على مجتمع آخر.
          فالحروب بين قبائل العرب في الجاهلية لون من الصراع على السيادة والمجد.. والحروب بين الدول الكبرى قديما وحديثا..  شكل متطور عن الصراع القبلي الساذج.
          ولكن الحروب الفكرية لون يختلف عن الحروب العسكرية. إنها محاولة لغلبة فكر على آخر..  وفرض اتجاه ثقافي من مجتمع على مجتمع آخر. فهي نوع من أنواع القهر والسيطرة، لكن سلاحها ليس السيف والسنان ولا المدفع والصروخ. بل سلاحها الكلمة المنمقة والأسلوب الخادع والمنطق الزائف.
          وإنما نصف سلاح الغزو الفكري بالخداع والزيف، لأن الفكرة التي يحملها تكون دائما فكرة شريرة آثمة، ولو أنها كانت حقا هداية ونورا، لما سميت بهذا الاسم، بل تكون رحمة بالبشرية وواجبا يؤدي إليها، فلا نسمي الدعوة إلى الأخذ بالعلوم النافعة التقدم العلمي غزوا فكريا.
          بل أن هذا الغزو هو الاختراق الفكري لدفاع أمة ذات عقيدة صحيحة... والتسلل إلى شبابها وناشئتها كصرفهم عن دينهم الصحيحة التي قامت عليها ثقافتهم القومية.
          سيقول قائل: كأنك بهذا التعريف تخص أمة بعينها هي الأمة الإسلامية في مواجهة الغزو الفكري القادم إليها من الشرق الماركسي والغرب المادي الصليبي؟
          وأقول:  ((نعم.. هذا هو المقصود، بدلا من الدخول في متاهات التعميم وأنماط الثقافات والحضارات، فالحقيقة أننا أمة مستهدفة من أعداء دينها، منذ نشأتها الأولى، وهذا ما سجله الكتاب الكريم فلنستمع إليه... ومن أصدق من الله حديثا؟)).
          فهذه آية كريمة في سورة البقرة تجمل أهداف أعداء الإسلام في كل عصر، الذين يتمنون أن ينقلب المؤمنون على أعقابهم، وألا يهتدي أحد إلى الحق، حتى لا يفقدوا قوامتهم على الإنسانية ولا يتخلوا عن مواضعهم في الحياة، وفي ذلك إجمال الأهداف الغزو الفكري السياسية والاقتصادية، وذلك قوله سبحانه:
          {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره أن الله على كل شيء قدير سورة البقرة}  (109).
          ها هي الحرب الفكرية بين الإسلام وأعدائه قد بدأت من أول عهده، لكن الإسلام لم يكن البادئ بإعلائها، بل كان في موقف الدفاع عن الحق وحماية الحقيقة، وكان الحسد هو الباعث الذي حفز أولئك الأعداء إلى الهجوم على الإسلام ومحاولة صد الناس عنه، مع علمهم بأن هذا الدين الذي يحاربونه وتلك العقيدة التي يتجنون عليها حق لا سبيل للباطل إليه، وهذا ما يهول تلك الجريمة ويدل على ما وراء ها من فساد في العقل والنفس، فأن الذي يصد عن سبيل الله، على غير علم بحقيقته أهون جرما من الذي يحاول صد الناس عنه وهو يوقن بأن هذا السبيل هو الطريق الوحيد للأمان  والنجاة، وهذا ما نعاه القرآن على طائفة من أهل الكتاب كانوا يكتمون الحق وهم يعلمون. ويخافون من إعلان الحق والإقرار به ضياع مصالحهم المادية وفوات حظوظهم الفانية. قال الله سبحانه.
          {الذين آتيناهم الكتاب ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}.
          وفي سبيل إرضاء نزعات العصبية والجمود على الموروث من المعتقدات الخاطئة رضى الله عنه هؤلاء لأنفسهم بالضلال والغواية ولم يقنعوا بذلك، بل سعوا جاهدين إلى بذر بذور الشك والزيغ في هذه الأمة الإسلامية التي أنعم الله عليها بالهداية.. ولكن القرآن كان يقف لهم بالمرصاد.
          فمن ذلك قوله تعالى: {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون... يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون}  (سورة آل عمران/69-71).
          وهذه هي المأساة التي تواجه الإنسانية في حاضرها، وهي أن ظلام الكفر يريد أن ينسخ نور الأمان , وأن شياطين الفتنة يضعون عصبيات القرون وأحقاد التاريخ في موضع أعلى من العقل والفكر دون نظر إلى مستقبل الإنسانية أو اشفاق عليها من الدمار.. المهم أن نتذكر أن القرآن الكريم قد سجل بداية تلك الحرب الخبيثة التي تتخذ أشكالا مختلفة، وتصطنع أساليب متنوعة في كل عصر ن ولكنها تستهدف دائما صرف المسلمين عن دينهم.
          وفتنتهم عن مبادئهم وصيغهم بصيغة تختلف عما إرادة الله لهم من وسطية وتميز وشهادة على الأمم جميعا.
          وكان تحذير القرآن من تلك الحرب الخبيثة على إيجازه كافيا في تنبيه الأمة الإسلامية إلى أخطارها وإثارة الوعي وبعث قوة المقاومة حتى لا يفلح أعداء الإسلام فيما يريدونه من طمس معالم الحقيقة وطرد البشرية جميعا من ساحة الحق إلى متاهات الباطل.
          ويكفي أن نقرأ في ذلك المعنى قوله تبارك وتعالى في سورة آل عمران:{يأيها الذبن آمنوا أن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد أيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم.  (سورة آل عمران /100-101)
          ولم يكن باستطاعة أولئك الشياطين يومئذ أن ينجحوا في تحويل المسلمين من الأيمان إلى الكفر، بينما كان الوحي يتنزل، والرسول بينهم يهديهم ويدعوهم للتي هي أقوم، ولكن العبرة في تلك الآية أن هؤلاء لا يتوانون في تلك المحاولة ولا ييأسون من هذه الحرب التي تقوم إليها العصبية ويحمل عليها أتباع الهوى والتقليد للأسلاف، وإذا كان الأسلاف منهم قد حاولوا فتنة المؤمنين عن دينهم والرسول صلى الله عليه وسلم بينهم لهم الغرور: أن قد آن الأوان ليجهزوا على الكيان الإسلامي ويأتوا على بنيانه من القواعد، وإن هزيمة المسلمين في ميدان الحرب العسكرية سوف تكون سببا في هزيمتهم في مجال العقيدة والفكر والحضارة.
          فمن مقولاتهم التي حكاها القرآن:{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} وهي قولة خبيثة تتضمن الطعن في العقيقة الإسلامية وتدعى أن أتباعها غير ناجين يوم القيامة.
          يأتي الرد القرآني موجزا هادئا مناسبا للثقة بالحق وعدم المبالاة بافتراءات الباطل:{قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}  (البقرة / 111)
          ولكن.. متى كان للمفترين الجاحدين برهان ؟ ومتى كانت لهم حجة خالصة.. وكل ما مهروا فيه أن يلقوا القول بلا دليل، وإن ينشدوا في الناس غفلة عن الحق أو قصورا عن التكفير، وأن يغالطوا في المنطق ويزيفوا وجه الحقيقة.
          والمغزى الذي نفهمه من ذكر القرآن الكريم لهذه الشبهات التي روجها أعداء الإسلام قديما، وعنايته بتفنيدها وإبطالها، أنه تحذير لهذه الأمة المسلمة من أن تغفل عن تلك الحرب الأثيمة وهذا الهجوم المبطل، الذي لا يعول على حجة ولا يبحث عن دليل، بل هي أوهام اخترعتها خيالات مريضة ن ثم أطبقت عليها عقول معطلة عن النظر والبحث، منقادة إلى الجهالة والعصبية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق