الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

صورة العربي والمسلم في العلم الغربي د. يوسف نور عوض* (كاتب مقيم في لندن)

  (المدينة المنورة عدد:  (12914) 6/جمادى الأولى /1419هـ  (28/آغسطس/1998م))


          عندما كتب الفكر الفلسطيني الأمريكي  ((إدوارد سعيد)) كتابه  ((الاستشراق)) كان هناك قليلون يدركون قيمة الكتاب، ولكن مع توالي الزمن بدأ الناس يدركون أن توجه  ((إدوارد سعيد)) إلى العقيدة التي صنعت الاستعمار بصورة مباشرة تعتبر خطوة متقدمة في فهم العقل الغربي واليوم فإن كل من يحاول معرفة دوافع الغربيين يستند إلى ما كتبه  ((إدوارد سعيد)).
          أكتب هذه المقالة في أعقاب الغارات الأخيرة التي شنتها الولايات بالمتحدة على بعض المواقع في البلاد الإسلامية، ولا أركز فقط على العقيدة وأصحاب هذه المواقع، وإنما أركز فقط على العقيدة التي تجعل مثل هذه الاعتداءات ممكنة في عالم سياسته المعلنة هي السلم ونبذ الاعتداءات والإرهاب.
          ويستدعى ذلك أن نتوقف عند صورة العربي والمسلم في الذهن الغربي والتي تجعل مثل هذه الاعتداءات احتمالا ممكنا.
          يحاول الغربيون بصورة عامة نفي التعصب الديني عن أنفسهم ويعلنون أنهم مجتمعات  ((علمانية)) تقوم على فكرة الديمقراطية، والحقيقة هي غير ذلك، لأن الدين أساس لكل تصرفات الغربيين، ولو أحصينا عدد الكنائس في بلد كبريطانيا لأصابنا الذهول وبناء الكنائس في العالم الغربي يكلف أضعاف ما تكلفه الأبنية العادية ولا يوجد أحد في العالم الغربي يعتقد أن هناك أرضية مشتركة تجمع بينه وبين المسلمين. وفي الوقت الذي تتجه فيه معظم المجتمعات الغربية لتدعيم الثقافة المسيحية اليهودية فإنهم يعتبرون أن الإسلام هو الخطر الذي يجب القضاء عليه ونجحت الدوائر الصهيونية في تكوين ثقافة جديدة فحواها أن الإسلام صنو للإرهاب، وأن المسلم إرهابي بالسليقة.!
          ولا تختلف صورة العربي عن صورة المسلم في العلم الغربي، إلا أن الغرب أضاف إليها أن العربي يتكلم بما لا يؤمن به، وهو قابل لتلقي الضربات التي لا يبذل مجهودا في مقاومتها ويعتقد الغربيون الآن أن كثيرا من العرب والمسلمين يصدقون الصورة التي يرسمها الإعلام الغربي لنفسه، كما يصدقون الصورة التي يرسمها لهم.
          فهم يعتبرون العالم الغربي مهد الحرية والديمقراطية والانطلاق ويعتبرون بلادهم موطن التخلف ومعاداة حقوق الإنسان.
          ولا شك أن الصورة التي ترسم للعالم الغربي صورة زائفة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ذلك أن العالم الغربي يفتقر حقا للديمقراطية التي يدعمها، ولا يعني ذلك أنه يفتقر إلى المؤسسات ولكن يفتقر إلى الوسائل التي تجعل كل فرد في المجتمع قادرا على الموصول إلى تلك المؤسسات ويعرف الناس أن هناك نوابا في مجلس العموم البريطاني يحتلون مقاعدهم منذ أربعين عاما ولا يستطيع أحد أن يزحزحهم من مكانهم، كما يعرفون أن كثيرا من القوانين في العالم الغربي تسن لتكريس العنصرية، فمثلا أنت تجد معظم الدوائر والشركات تطبيق قانون الفرص المتساوية وذل يجعل الناس يكتبون في طلبات التقديم أصولهم العرقية، ويقول القانون أن ذلك من أجل أن وزع  الوظائف بصورة متساوية ولكن الحقيقة تقول أنهم يستخدمون هذا الأسلوب من أجل استبعاد بعض العناصر في مرحلة التقديم.
          وكشفت صحيفة  ((الاويزيرفر)) قبل أيام أن تقريا قدم للرئيس الأمريكي يقول أن مصنع الشفاء في السودان لا يحتوي على الفور أصدر أوامره بضرب المصنع فيه مواد كيماوية ضارة.
          ويبدو في ضوء هذا الواقع أن الفجوة بين العقل العربي  المسلم والعقل الغربي فجوة كبيرة وأن صورة العربي والمسلم متدنية في مخيال الغربي وصورة العربي أحسن حالا في مخيال العربي والمسلم.
          ولا يتقد أحد أن هناك أسلوبا يساعد على التقريب بين الصورتين لأن الحقيقة هي أن العالم الغربي لا يسعى إلى تقريب الفجوة بينه وبين العلم الإسلامي وهو حينما ينشر الأكاذيب ويذيعها عن العالم الإسلامي لا يفعل ذلك عن جهل. وإنما يفعلها عن سبق إصرار وترصيد، وتبقى الحقيقة مائلة وهي أن الذي يغير صورة العربي والمسلم في العالم الغربي ليس تقديم مزيد من التنازلات، وإنما الثبات على الحق وقبول التحدي، ذلك أن العالم الغربي لا يرغب في تغيير فهمه عن العالم الإسلامي ولا يقبل أسلوب الحوار النظري ولكنه سيغير موقفه عندما يرى إصرار المسلمين على رفض منطق الغرب بل والإصرار على أنهم يمثلون قيمة حقيقة في عالم اليوم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق