الأحد، 20 نوفمبر، 2016

ذروة زيارة تونس لقاء الشيخ عبد الفتاح مورو


          علم المستشار الدكتور علي جريشة صاحب كتاب (المشروعية الإسلامية العليا) وكتاب (شريعة الله حاكمة ليس بالحدود وحدها فقط) وكتاب (عندما يحكم الغباء) وكان مقيماً بالمدينة المنورة يدرس في جامعاتها أنني ذاهب إلى تونس بل قرأ البحث الذي كنت سأقدمه هناك وأخبرني أنه مناسب على الرغم من إعداده على عجل، فأعطاني مجموعة من مؤلفاته وطلب منّي أن أزور الشيخ عبد الفتاح مورو في منزله ومكتبه في 17 شارع الكومسيون في العاصمة التونسية. وبالفعل سألت عن العنوان حتى وصلت إليه فوجدت المكتب  مزدحماً بالناس ووجدت أن في المكتب موظفة محتجبة وشباب وشابات ولم أجد فرصة للتعرف على نشاط المكتب لأني لم أنتظر طويلاً حتى أطل الشيخ عبد الفتاح مورو بثوب أبيض وعمامة على رأسه. فقدمت إليه الكتب المهداة من الدكتور علي جريشة كما أهديته نسخة من كتابي (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) وقلت له إني شاهدت محاضرة له في لندن في شريط فيديو وأتمنى أن أقرأ نص تلك المحاضرة.
          ثم كان حديث قصير بيني وبين الشيخ مورو قال لي فيه كيف لعب بورقيبة بالشيوخ وكيف كان الشيوخ مساكين يتمتعون بالطيبة التي تفوق الحد، وأضاف إن هذا الزمن يحتاج إلى دهاء ومكر.
          كما شكا لي من كثرة حالات الطلاق، وكأني فهمت منه أنه أصبح مشغولاً بهذه القضايا في مكتب المحاماة دون أن يكون مسموحاً له أن يمارس العمل السياسي.
          والآن بعد أن استعادت تونس حريتها وعاد الشيخ عبد الفتاح مورو إلى واجهة الأحداث مع أخبار رغبته في تأسيس حزب سياسي جديد وسوى ذلك فأتمنى أن تتاح لي الفرصة للقاء آخر.
أما الأحداث الأخرى في هذه الزيارة فإنها كانت فرصة لشراء الكثير من الكتب وكانت قيمة الدينار التونسي أربعة ريالات وما كان لدي من نقد بالإضافة إلى نهمي للكتب كما قال أحدهم (منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال) حتى إن ما حملته من كتب جعل حقيبتي تزيد على الوزن المسموح به وكنت قد تركت العمل بالخطوط السعودية فأصبح التعامل معي مختلفاً ولكني حملت الكتب دون أن أدفع رسوماً إضافية.
وكان من الكتب التي أحضرتها (الرسول صلى الله عليه وسلم مبتسماً) وقد طلبه مني ابني غيث فكتب له إهداءً على الكتاب:"وأردت أن تعرف الرسول صلى الله عليه وسلم باسماً فجئتك بما يدلك على ذلك من تونس، ولو كان أبعد لجئتك به ما مكنّي ربّين أدعو الله أن تسبح في عالم هذا الكتاب ليكون طريقك إلى ابتسام قدوتك فيه أعظم الخلق وأشرفهم سيدي وسيد ولد آدم عليه أفضل الصلاة والسلام" والدك مازن.
وكان المحذور الثاني هو الدخول إلى المملكة بكل هذه الكتب وفي تلك المرحلة كانت الرقابة الإعلامية شديدة ولكن دار حوار بيني وبين موظف الجمارك أننا نحن أبناء بلد واحد و لا ينبغي أن نأتي بما يضر بها وأكدت له أنني لن أحضر ورقة واحدة تضر بالمصلحة ولكني أستاذ جامعي وباحث في مرحلة الدكتوراه وفي قسم الاستشراق ولا بد من الاطلاع على بعض الكتابات التي كتبها أعداء الأمة من غربيين وغيرهم. وقلت في مكان آخر:" حقيبتان مليئتان بالكتب فيمران من الجمارك مر السحاب إنما هو لطف من ربك إنه هو اللطيف الخبير. وحدث شيء طريف في هذه الرحلة فإن بعض التوانسة كانوا يحملون الزيت في حقائبهم فسال بعضه على حقيبتي ولكنه لم يصل إلى الكتب والحمد لله.
طرائف من الرحلة
        كنت في هذه الرحلة في ضيافة الأستاذ (الدكتور) المنصف عبد الجليل الأستاذ بمدرسة المعلمين العليا في مدينة سوسة فأعجبني أنه استطاع أن ينظم مؤتمر في أقل من سنة، فعندما التقينا في الجزائر وعلم عن موضوع بحثي للدكتوراه فأخبرني أن هذا الموضوع أوحى له بعقد مؤتمر عن المناهج، فتعجبت أن أستاذا يفكر بعقد مؤتمر ويستطيع ذلك خلال أقل من عام، فهل كان عليه أن يستأذن وزير التعليم العالي أو رئيس الوزراء أو أعلى منه؟ وكان نعم المضيف ولكني أردت أن أداعبه فقلت له: أخطأت إذ ناديتك منصفاً ، وتلقى هذا الكلام بروح طيبة وكانت أيامي في تونس ممتعة حتى أصبحت كأنني واحداً منهم.
القطار في تونس:
          استيقظت باكراً جداً فأتممت  ترتيب حقائبي وحزمها وأفطرت فخرجت أبحث عن سيارة لتقلني إلى محطة القطار التي وصلتها والقطار يتهيأ لمغادرة سوسة إلى العاصمة تونس على الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً، فأعطاني الموظف تذكرة بالدرجة الثانية فسألته عن الدرجة الأولى فقال يمكنك الانتقال في أثناء الرحلة، ففكرت في الأمر فلم أجد من داع لذلك وبخاصة أن الرحلة لا تزيد على ساعتين وأن الدرجة الثانية لا بأس بها كما أن معي حقائب يصعب التنقل بها. وقد مررت بعدد من القرى في أثناء الطريق هي
-        القلعة الكبرى
-        النفيصة
-        بوفيشه
-        بئر بورقبة
-        حمام الأنف.
شخصيات في المؤتمر
        كان من المقرر أن تشارك الدكتورة وداد القاضي، ولكنها لم تصل لتأخر وصول التذكرة إليها بينما كانت تذكرتي على حسابي لأنهم يعدون أهل السعودية كلهم أغنياء فلا تذاكر لنا، كما أنني طالب دكتوراه وهي أستاذة كبيرة. ولكني بناءً على نصيحة والدي رحمه الله كان لا بد من السفر حتى لو تدينت المبلغ، ولكن الحياة في المدينة المنورة بركة وأي بركة فتكاليف الحياة أرخص من غيرها لأنها كما جاء في الحديث دعا لها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم (اللهم اجعل للمدينة ضعفي ما لمكة من البركة، اللهم بارك في مدها وصاعها..)، كما كان مقرراً أن يحضر من سوريا الطيب التزيني ولكنه لم يحضر وربما هذا الاسم وبعض الأشخاص الآخرين يدل على توجه المؤتمر، وكان هناك من رأى أن المؤتمر يأخذ اتجاهاً غير سليم، ولكني كنت في بداية حياتي العلمية فلم ألتفت كثيراً لهذا الأمر. ولكني عرفت فيما بعد أن بعض الداعين للمؤتمر انخرطوا في خدمة العلمانية والتغريب وأصبحوا مقربين من السُلطة، فباعوا دينهم بدنيا غيرهم. وهو أمر غير مستعبد في أجواء الاضطهاد والاستبداد حيث يفقد الناس خصائصهم الكريمة ويصبحون عبيداً لمن في السُلطة.
          وكان ممن قابلت في هذا المؤتمر المستشرق الألماني الذي كانوا يحتفون به وهي عقدة الأجنبي الموجودة بنسب متفاوتة في عالمنا العربي والإسلامي.  وهذا المستشرق هو هانز هالم المتخصص في الدولة الفاطمية وفي الشيعة ومتخصص في الحفريات حتى أطلعونا على بعض الحفريات التي كانت تتم قريباً من سوسة.
          وقد شجعتني أجواء تونس الحالمة الرومانسية أن أحاول أن أخربش الشعر فقلت أصف أحدهم
        فتى بتونس تُعجبني وداعته   وإن تكدر ليث الغاب يقتحم
الشعر والرحلة
السفر يستثير شياطين الشعر لا أقوله بل أردده أو أنقله من مختلف المصادر وفيما يأتي بعض هذه الأبيات
أُهانُ وُأقُصَى ثم تنصحونني وأي امرئ يعطي نصيحته قسراً
رأيت الأكُفَ الُمُصْلتين عليكم مِلاءً وكفِّي من عطاياكم صِفراً
وإني مع الساعي إليكم بسيفه إذا أحدث الأيام في عظمكم كَسْراً
متى تسألوني ما عليَّ وتَمْنَعُوا ال                    ذي لي لا أسْطَعْ على ذلكم صبراً
وقال شاعر آخر
إذا كان في صدر ابن عمك إحنةٌ فلا تستثرها سوف يبدو دفينها
وقال شاعر
ومن يخش أسباب المنايا ينلنه
                                                وإن يرق أسباب السماء بسلم



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق