الجمعة، 18 نوفمبر 2016

الإسلام عصمة من الزلل

             بسم الله الرحمن الرحيم

                                            
     
      اهتمت الصحافة العربية والمحلية بخبر وفاة الكاتب الفلسطيني أميل حبيبي ، وتسابقت الأقلام لمدحه إن حقاً أو باطلاً وإن كان لدى العامة مثل يقول (إذا مات الميت تصبح رجوله طويلة)ولكني توقفت عند مقالة نشرتها جريدة " الرياض" في 29 ذي الحجة 1416 بقلم جهاد فاضل بعنوان ( جناية راكاح على أميل حبيبي) وراكاح هو الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي انضم إليه أميل منذ بداية شبابه وقضى فيه معظم عمره " حتى استيقظ ذات صباح ليجد أن نجم هذه الحركة قد أفل عالمياً وليجد أن (راكاح) الصغرى ولا (راكاح) الكبرى التي سقطت في الخارج قد قدمت له الدواء أو الحل) وهو ما كانت الشيوعية تزعمه بأنه تقدم الحلول لكل المشكلات البشرية، أو تعدهم بالجنة على الأرض.
        لكن ما جناية الحزب الشيوعي على أميل حبيبي؟ يقول جهاد فاضل إن أميل وصل إلى قناعة عجيبة مفادها بأن قومية جديدة قد تشكلت في اسرائيل خلال الخمسين سنة الماضية هي القومية الاسرائيلية "وأن هذه القومية باتت حقيقة نهائية ، ولذلك فالحديث عن عروبة فلسطين وتحرير فلسطين بات لغواً".
       ويحلل جهاد فاضل أسباب هذا الضلال الفكري لدى أميل حبيبي بأن أميل دخل الحزب الشيوعي وهو نصراني متمرد على النصرانية وعلى الأديان جميعاً لأنه تعلم في الحزب الشيوعي أن (الدين أفيون الشعوب). ولمّا سقطت الشيوعية لم يجد له عاصماً من هذه الخرافات التي ملأت رأسه " فلا النظرية المرشدة أرشدته إلى الحقيقة لا اجتهاداته اللاحقة لها كانت في محلها."
        ولقد أعجبني اجتهاد جهاد فاضل- ونحن نقرأ لهم وإن كانوا لايقرأون لنا- بأن الذي كان من الممكن أن يعصم حبيبي أنه لو كان منفتحاً على الإسلام وتراثه وثقافته وحضارته فالاسلام كما قال جهاد فاضل: “ وسيلة نجاة وصمّام أمان ، وهو ما كان يفتقده أميل حبيبي الذي كان يعتبر الدين أي دين أفيوناً للشعوب." ويواصل جهاد فاضل تحليله لهذه الشخصية بقوله " ظل أميل حبيبي باستمرار بعيداً عن العروبة والإسلام ، وعندما سمح له تحرره من (راكاح) في سنواته الأخيرة أن يعيد النظر في طروحاته وأن يقترب من هاتين القيمتين وهما أعلى القيم عند العربي اقترب أكثر من الاسرائيلية والعبرية. وأضيف أن أميل حبيبي نال جائزة في الأدب من دولة اليهود تسلمها من رئيس الوزراء الاسرائيلي رغم معارضة كثير من أحبابه في العالم العربي.
         هذه شهادة مهمة من كاتب قومي لا يزعم أنه من (الإسلاميين ) أو حتى ( الإسلامويين) نهديها إلى كل من يحاول أن يغمط دور الإسلام في تاريخ الشعوب العربية وغير العربية التي انضوت يوماً ما تحت لواء الاسلام.ولكن لا يكفي أن تكون الثقافة العربية الاسلامية أو الاسلام أو الحضارة الاسلامية مجرد صمام أمان من الوقوع في شَرَك القومية الاسرائيلية العبرية ، او عصمة للتمسك بالقومية العربية أو عروبة فلسطين . وحبذا لو سمح جهاد فاضل وغيره من الكتاب القوميين لأنفسهم أن يعيدوا النظر في الطروحات العربية فما زلت أتذكر تعليق الشيخ أبي الحسن الندوي على شعار( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) بتساؤله ما هذه الرسالة ، وكيف يكون العرب أمة واحدة ، والإسلام قد وحّد بين المسلمين جميعاً فأصبح المسلمون أخوة وأمة واحدة كما جاء في قوله تعالى { وأنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}
    نعم تميّز العرب في بداية الدعوة بأنهم هم  الذين حملوا هذه الرسالة الخالدة إلى أمم الأرض جميعاً تحمل الخير والحق والعدل ، وليحققوا ما وعدوا به من السعادة في الدنيا بعد ان عانت البشرية من حكم الأكاسرة والقياصرة أو من تقسيم الشعوب إلى سادة وعبيد أو أمم تقسم فيها الشعوب إلى فئة من رأس الإله وأخرى من ذراعة وثالثة من رجله وطوائف منبوذة. وما أجمل منظر ذلك  العربي المسلم الذي لم يتلق العلم عن أرسطو أو جون أو جورج ولكنه درس في مدرسة الإسلام فلما دخل على كسرى وأراد أن يجلس معه على عرشه فأراد الحرس أن يبعدوه فقال لهم تلك الكلمة التي لا يستطيع الفلاسفة أن يصلوا إليها : "كنا نظنكم أولي أحلام ونهى تتساوون فيما بينكم فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضا،  إن قوماً هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال"  ولم تكن الدولة الاسلامية تؤمن بسباق التسلح ولا تتفنن في صناعة أدوات الدمار .
     وعروبة فلسطين التي تناولها جهاد فاضل إنما هي فرع وإلاّ فالأصل أن فلسطين إسلامية منذ سكن فيها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وكل الأنبياء الذين ظهروا فيها إنما هم ملسمون كما جاء في قوله تعالى{ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} (آل عمران 67). وتجددت إسلامية فلسطين حين تسلّم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح بيت المقدس.
     لقد ذكر جهاد فاضل  أن معرفة محمود درويش وسميح القاسم بالإسلام كانت عصمة لهما من الانسياق وراء القومية الاسرائيلية أو الخرافات التي اعتنقها أميل حبيبي. ولكنهما توقفا عند النزعة القومية الضيقة ذات التوجه العلماني ، وهما يصرّان على إن الاسلام تراث فكري حضاري ثقافي وليس مبادىء حية يجب أن تعيش الأمة العربية الاسلامية وفقاً لمقتضاها في الشؤون السياسية  والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
    مرة أخرى شكراً للأستاذ جهاد فاضل على هذه المقالة التي أوضحت الانحرافات الفكرية لدى أميل حبيبي الذي تفننت كثير من الصحف على إبرازه كنموذج للمفكر الذي استطاع التعايش مع الاحتلال، ولكنها لم تذكر انحرافاته بالشجاعة التي ذكرها فاضل كما إن إشارته إلى الاسلام كعاصم من الزلل لابد من الاشادة بها شريطة أن يواصل الدراسة والتفكير في هذه القضية فالعرب والمسلمون لن يكون لهم عزة ولا مكانة في العالم إلاّ بالإسلام .                    


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق