الجمعة، 18 نوفمبر 2016

أيها المنبهرون كفاكم انبهاراً

                         بسم الله الرحمن الرحيم

                
عندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم عن غزوة تبوك سماها غزواً للروم وكان يورّي في غزواته سوى تبوك فقد كانت في الصيف في شدة القيظ وفي ظروف اقتصادية صعبة فلم يورّ بغيرها. وجاءت غزوة مؤتة بعدها بقليل وكانت أيضاً في أراض تابعة للدولة الرومانية رغم أنها ليست حقيقة من أرض الروم. ولكن كان الأمر المهم أن يحطم في نفوس المسلمين هيبة تلك الدولة. ونحن في العصر الحاضر نحتاج إلى أن نتغلب على الانبهار والخوف والرهبة من الغرب. ولنبدأ ذلك بدراسة هذا الغرب ومعرفته من الداخل معرفة دقيقة مبنية على الدراسات العلمية والإحصائية.
وحتى تبدأ لدينا الكليات والأقسام العلمية والمعاهد لدراسة الغرب فإن علينا أن نبحث عن المعلومة عن الغرب من مصادرها. وتعد التقارير الحكومية والإحصائيات الرسمية التي تنقلها الصحافة الغربية مصدراً مهماً من مصادر المعلومات عن الغرب. وقبل أن أتناول هذه المعلومات أقدم بين يدي ذلك بأن في الغرب الكثير الذي يمكن أن نفيد منه فهم قد قطعوا شوطاً طويلاً في بناء مدنهم وحياتهم المادية واستطاعوا أن يبتكروا من الوسائل والأدوات ما نحتاجه وينبغي علينا أن ندرس كيف توصلوا إلى بناء حضارتهم ومدنيتهم وأن نفيد منهم .
وفي الأشهر الماضية نشرت الصحف أخباراً ومقالات حول الغرب أقدم فيما يأتي موجزاً لها مع التعليق عليها.
جرائم الأحداث في ألمانيا والغرب عموماً: نشرت الشرق الأوسط(15صفر 1419هـ) تقريراً أعده ماجد الخطيب عن جرائم الأحداث في ألمانيا وأنها ازدادت زيادة ملحوظة ولا يهمني الأرقام بقدر ما يهمني التساؤل لماذا تفشت الجريمة بين الأحداث والصبيان؟ لقد قدم الأستاذ فهيم مجموعة من العوامل التي أدت إلى ظهور السفّاحين الصغار( المدينة المنورة 12محرم 1419هـ) ومنها نظرة الغربيين إلى الحياة والكون وغلبة الحياة المادية التي يمكن أن تجعل الأمريكي يتجشم الصعاب من أجل دولار إضافي واحد.( وقد أبدع عبد الله باجبير قبل مدة في مقالة له عن المادية بين أطفال الغربيين) (الشرق الأوسط 4ربيع الآخر 1419)، ومخالفتهم الفطرة في العلاقة بين الرجل والمرأة ، وتكريس النظرة الفردية ، والعنف الموروث الذي بدأ باكتساح السكان الأصليين للمنطقة ( أصبح عدد الهنود الحمر أقل مما كانوا عليه قبل أكثر من مائتي سنة) وكذلك العنف ضد الأمريكيين الأفارقة.
وحتى يواجه الغربيون عنف أطفالهم ابتكروا نظام منع التجول للشباب في أوقات معينة من الليل. وهو أمر عجيب أن يلجأ الغربيون إلى ذلك وهم الذين يزعمون أنهم أساتذة الدنيا في مجال التربية فمعظم النظريات التربوية التي يدرسها التربويون في أنحاء العالم هم مصدرها. ولكني أقول إن التربية الحقيقية هي تلك التي جعلت الطفل من أبناء المسلمين من يقف على رؤوس أصابعه ليظهر أطول حتى يسمح له بدخول المعركة، وهي التي أوجدت حفاظاً لكتاب الله وللحديث الشريف وطلاب علم وقادة وزعماء ولمّا يتجاوزا العشرين.
فهل نتوقف عن استيراد النظريات التربوية الغربية ولعله قد حان الوقت لدراسة أثر النظريات التربوية الغربية في المجتمعات الإسلامية فإن الدكتور محمد محمد حسين قد أبدع في تناول هذا الموضوع في عدد من كتبه منها ( الإسلام والحضارة الغربية ) وكتابه ( حصوننا مهددة من داخلها) .وقد أكد على اهتمام الغربيين بنشر نظرياتهم في كل العالم.وقد مرّ عليها الآن زمن طويل.
 تخفيض السن التي يسمح فيها بالشذوذ: برلمان أقدم ديموقراطية (فيما يزعمون) اجتمع لمدة ثلاث ساعات أو أكثر ( وربما ناقش الموضوع قبل ذلك) ليناقش تخفيض السن المسموح بها لممارسة الشذوذ الجنسي. من المعروف أن في تلك البلاد وزيرين مثليّين (شاذّين) وبعض النواب لديهم أبناء مصابون بهذا الداء. أين العقول التي وصلت إلى درجة السماح بالشذوذ حتى أذنت للشاذين والشاذات أن يعقدوا قرانهم ويصبحوا أزواجاً ويحق لهم أن يتبنوا أطفالاً وأن ..وأنولله در أبي بكر الصديق رضي الله عنه حينما في خطبة توليه الخلافة(وما شاعت الفاحشة في قوم إلاّ عمهم الله ببلاء)  فهل نتحلى نحن بهذه الفضائل ونكون أساتذة العالم فيها ؟
تناولت في الأسطر السابقة نموذجين من التقارير الحكومية أو القرارات الحكومية الغربية التي ينبغي أن تكون المادة الأساس للدراسات الغربية أو الأوروبية في أقسام علمية أو معاهد متخصصة.ويؤيد هذا الاتجاه ما كتبه الدكتور حسن عزوزي في مقالته المعنونة (من الاستشراق إلى الاستغراب) (المسلمون 16ربيع الآخر1419)جاء فيه قوله :" إن الهدف من هذه الدعوة  هو تأسيس جهاز ثقافي متكامل يهدف إلى دراسة الفكر الديني الغربي [وأضيف أوضاع الغرب اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافيا] وبيان مدى عواره وانحرافه عن أصوله الأولى." وفي هذه المقالة أتناول نماذج أخرى:
1- أطفال أمريكا والجوع: عرفنا أن الجوع هو من نصيب الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكيا الجنوبية ولكن الدراسات التي تنشرها مؤسسات علمية أمريكية تؤكد وجود الفقر في أمريكيا نفسها. فقد أعلنت (مؤسسة الدفاع عن الأطفال) الأمريكية "أن عشرين بالمائة (14ونصف مليون طفل) من أطفال الولايات المتحدة يعيشون في فقر مدقع مع أن الاقتصاد الأمريكي يشهد حالة ازدهار لم يسبق لها مثيل منذ أكثر من عشرين سنة."
وتضيف الشرق الأوسط( 14محرم 1998)أن الفقر لم يعد قاصراً على الولايات الجنوبية بل أصاب ولايات الغرب الأمريكي كذلك. وقد درس علماء الاجتماع آثار الفقر في انتشار الجريمة بين الأطفال. وبينما انخفضت نسبة الفقر بين الأطفال من أصل أفريقي (ما تزال عالية) ارتفعت النسبة بين الأطفال البيض.
ويمكن أن نضيف أن الغربيين (أو الأمريكيين هنا) يبحثون مشكلاتهم ويضعون لها الحلول، ولعلهم يشرعون في تنفيذ هذه الحلول ولكن ما مدى نجاحهم هو الذي يحتاج إلى دراسة ومتابعة منّا لنتعرف على أوضاع المجتمعات الغربية ومدى الاستفادة من تجاربهم.
2- الفساد الأخلاقي والمهرجات السينمائية.
نشرت جريدة الاتحاد الإماراتية (29ذو الحجة 1418) خبراً عن مهرجان كان السينمائي الحادي والخمسين وجعلت عنوانه ( مهرجان الخسّة والعنف والخلاعة..السينمائي) الذي افتتح في 13مايو 1998 وتنافس فيه اثنان وعشرون فيلما مزدحمة بالخسة والخلاعة والرذيلة. وذكر خبر الجريدة نماذج من الأفلام المتنافسة ومعظمها أمريكي من هوليوود وإن كان بعضها من دول أخرى مثل تايوان وبريطانيا وإيرلندا وغيرها.
وقد منحت فرنسا قبل سنوات -كما نشرت صحيفة ( الصباحية)-جائزة الوقاحة لكاتبين من المغرب وقد قام القنصل الفرنسي بتقليد الكاتبين الجوائز. والوقاحة التي فاز بها الكاتبان تتمثل في الكتابة المشيعة للفاحشة والرذيلة. ومن العجيب أن طالب الكاتبان بلدهما أن تكرمهما أسوة بالإكرام الفرنسي وأنّى لهما.
إن حضارتنا العربية الإسلامية هي حضارة العفة والفضيلة فهل ندرس أسباب انحراف الأمم الأخرى وندعوها إلى ما عندنا.
3- تايتانك فيلم عظيم فنياً وفاسد عقدياً وأخلاقياً:
لقد نجح الإعلام الغربي بسيطرته القوية أن يجعل الجميع يتحدثون عن هذا الفيلم وقد كانت البداية الحديث عن ضخامة هذا الإنتاج من الناحية الفنية ومن الناحية المالية فقد أنفق عليه أكثر من مائتي مليون دولار. ولكنه حصد جوائز كثيرة وكان ناجحاً تجارياً في الغرب وعند المنبهرين بالغرب. ولكن النظرة العميقة لهذا الفيلم تشير إلى أن الفيلم إنما يعكس القيم والمفاهيم الغربية ومن أولها التميز الطبقي حيث كانت السفينة توضح التفاوت الكبير بين الأثرياء والفقراء. أما القيمة الثانية الفاسدة فهو إظهار العلاقة المحرمة بين بطلة الفيلم وبطل الفيلم على أنها علاقة عاطفية عادية أو حتى جميلة تشجيعاً لأي امرأة  أو رجل أن يتمردا على القيم والأخلاق.
وليس نقد الفيلم نقداً لأمريكا كما تصور كاتب منبهر بالغرب  (عكاظ3و4/5/1998) فقد أشاد عبد المحسن يوسف بالفيلم قائلاً:" إن كره السياسة الأمريكية لا يبرر مطلقاً رفض فيلم شاهق ذي تقنية عالية ومضامين عميقة وشفافية إنسانية رائعة مثل فيلم "تيتانك"" ولعل الرد قد جاء في مقالة الدكتور محمد خضر عريف(المدينة المنورة 10جمادى الآخرة1419) بأن الفيلم في جانب منه دعوة إلى التحرر من كل القيود الدينية والاجتماعية وعلى رأسها الزواج. وأضيف إن الفيلم أيضاً محاربة للإيمان بالله القوي القادر فقد زعموا أن هذه السفينة لن تغرق أبداً متناسين  قوة الكبير المتعال الذي قدّر عليها أن تغرق في أول رحلة. فهل يفيق المنبهرون؟




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق