الأحد، 6 نوفمبر 2016

الحرية لا الخبز أول حقوق الإنسان فهمي هويدي

(الشرق الأوسط عدد (5669))6 يونيه 1994م)



          إذا كان   ((الخبز أول حقوق الإنسان)) فماذا تقول عن أول حقوق الحيوان؟
          خطر على بالي السؤال حين وقعت عيناي علا مقال الأستاذ خالد القشطيني الذي نشرته  (الشرق الأوسط)) تحت العنوان الأول، في عدد 315/ الماضي، وقد ناقش المقال قضية غاية في الأهمية حول العلاقة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان من جانب، والتنمية الاقتصادية من جانب آخر، وهي القضية التي أثارت جدلا ولغطا شديدين بين العديد من الكتاب السياسيين والاقتصاديين، أولا بعد الإنجازات الاقتصادية الكبيرة التي حققتها الصين  (التي حققت أعلى معدل للتنمية في العالم) ومعها الدول التي توصف بأنها   ((نمور لآسوية)) وأكثرها دول غير ديمقراطية تشهد انتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان، وثانيا بمناسبة التنازع الذي حدث بين الولايات المتحدة والصين، بسبب اشتراط الأولى على الصين أن تنجز تقدما في مجال حقوق الإنسان قبل أن توقع  معها اتفاقا تجاريا يعطيها حقوق الدولة الأكثر رعاية ذلك رغم أن الإدارة الأمريكية قررت توقيع الاتفاق دون التمسك بذلك الشرط معتبرة أن مصالحها تقتضي ذلك وأن انفتاحها على الصين اقتصاديا يمكنها من تحقيق الحضور في داخلها، ومن ثم يساعدها بصورة أكبر على مواصلة الدفاع عن حقوق الإنسان، على الأقل هذا ما قاله الرئيس الأمريكي كلينتون في مقاله الذي نشرته   ((الشرق الأوسط)9 مع صحيفة   ((لوس انجليس تايمز)) في 16/.
          طيلة الأشهر الماضية والحوار مستمر حول لزوم الديمقراطية للتنمية، وتجربة الصين و  ((النمور)) كانت وما زالت الدليل الأكير الذي يستند إليه بعض الكتاب في قولهم بأن فك الارتباط بين الاثنين ممكن، وعند البعض هو مفصل لأن اعتماد النظام البرلماني في الدول النامية كثيرا م أدى إلى التمزق والتشرذم، مما أضاع عدم الاستقرار في عدد من الدول، الأمر الذي كرس فيها الفوضى والتخلف، وهذا ما حدا بالأستاذ القشطيني إلى القول بأنه يجد نفسه في كثير من الأحيان يتخذ  (موقفا مناهضا للديمقراطية، لأنني اعتقد أن التنمية أهم من البرلمان ولقمة الخبز أهم من الحرية، وصيانة أرواح الناس أهم من الأحزاب)) !من هذه الزاوية أيضا، فإن آخرين قالوا أن اقتصاد كوريا الجنوبية. وهي أحد النمور. شرع في رحلة التراجع منذ بدء التحول الديمقراطي في البلاد عام 1987.
          بعض المنسوبين إلى الفكر الليبالي الديمقراطي لم يجدوا غضاضة في فك الارتباط بين الديمقراطية والتنمية، حتى وجدنا واحدا من رموزهم، هو فرانسيس فوكوياما صاحب فكرة  (0نياية التاريخ)) أو الانتصار النهائي للديمقراطية، قد تبني ذلك الموقف في ورقة قدمها إلى مؤتمر دولي في إبريل  (نيسان) 92 موضوعها: الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، وفيها دعا إلى البحث عن العلاقة بين الديمقراطية والتنمية خارج نطاق علم الاقتصاد، وانتقد ضمنا مقولة العلاقة الارتباطية بين الديمقراطية والتقدم الاقتصادي على أساس أن   ((الكثير من معدلات النمو الاقتصادي القياسية في المائة والخمسين سنة الأخيرة لم يتحقق في دول ديمقراطية، بل في دول الاستبدادية فيها درجة أو أخرى من الرأسمالية. ينطبق ذلك على اليابان وألمانيا الرايخ الثاني ثم أسبانيا فرانكو كوريا بعد سنة 1953، وتايوان وسنغافورة وتايلاند والبرازيل، ولم يكتف فوكوياما بتقديم تلك الأمثلة كدليل تجريبي، وإنما قدم أطروحة نظرية مفادها أن   ((حكومة مطلقة ذات كفاءة، تجعل النمو الاقتصادي هدفا الأول تكون قادة على تحقيق هذا الهدف بأسهل مما تستطيع حكومة ديمقراطية)9، وجوهر هذه الأطروحة ليس جديدا على كل حال، وربما بدأ تائيدا نسبيا لفكرة   ((المستبد العادل)) التي زوج لها البغض في الخطاب العربي والإسلامي لكن اللافت للنظر أن فوكوياما يقبل بها رغم انحيه المعروف، والمبالغ فيه أحيانا، للديمقراطية، قد سعى إلى حل ذل التناقض عبر التأكيد على فكرة أن التحول إلى الديمقراطية يرتبط بعملية سياسية لها حركتها الذاتية المستقلة عن مستوى التنمية الاقتصادية)).
    لا يقف الأمر عند ذلك الحد، وإنما قرأنا لمن ذهب إلى أبعد، مبشرا بأننا في العالم الثالث مخيرون بين نوعين من الأنظمة السياسية إنما ديكتاتورية ناعمة أو ديكتاتورية صارمة، واستشهد الكاتب في ذلك برأي رئيس الجمهورية أو رجوائية الراحل خوليو سانجيونتي الذي ما برح يقسم أنظمة العالم الثالث إلى فئتين، ديكتابلاندا  (وهي الديكتاتورية الناعمة)وديكتادورا،  (وهي الغليظة أو الصارمة)، ورغم التفوق بين النظامين في سمة الاستبداد، إلا أن سانجونتي كان يحب التركيز على الاختلافات بينهما، مدعيا أنه   ((طوال التاريخ كان الإنسان يصعد ويتقدم بسبب هذه الاختلافات الدقيقة)).
          انحاز الكاتب بطبيعة الحال إلى الديكتاتورية الناعمة باعتبارها أقل قسوة وألين في التعامل، بجانب تمتعها   ((بفضيلتي)) الحزم والانضباط فهي لا تقتل المعارضين ولكنها تتولى تهميشهم، وقد تسمح لهم بتشكيل أحزاب تباشر بعض الضجيج والصباح، لكنها لا تلتفت إليهم وتطل منفردة بالسلطة وماضية في طريقها.
          على صعيد آخر فإن تلك الديكتاتورية الناعمة تنفق كل أموال الخزينة على تعزيز أجهزة الأمن وتقوية عضلات القوات المسلحة فقط  (كما تفعل الصارمة)، وإنما هي تضيف إلى ذلك بعض العناية، بالتنمية والنهوض بالمجتمع لإشاعة الاستقرار في المجتمع، ومن ثم تمكينها من الاستمرار في السلطة دون إزعاج أو متاعب!
          تثير القلق هذه الصورة من زوايا عديدة في مقدمتها:
          * أنها تعكس تراجعت عن التمسك بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتخضع هذه المبادئ أو القيم للاجتهاد والنسبية، الأمر الذي يعبر عن الاستعداد للتهاون والتفريط فيها في مقابل تحقيق الإنجاز على صعيد التنمية الاقتصادية، وإذا لاحظنا أن هناك دعوة للتراجع عن الديمقراطية بحجة أنها تفتح الباب للقوى الأصولية بالوصول إلى السلطة الأمر الذي بعد تهديدا للديمقراطية في زعم البعض، ثم لاحظنا هذه الدعوة التي تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان مقبل الحفوة بالتنمية، وبحجة أن الخبز هو أول حقوق الإنسان، إذا لاحظنا هذه الإشارة وتلك، فسنجد بأننا نساق إلى طور تسويغ الاستبداد واحتكار السلطة، عن قصد أو غير قصد.
          * إنها تتبنى أفكارا تتراوح بين التغليط والتخليط فليس صحيحا أن خبز أول حقوق الإنسان، وإنما الحرية والكرامة هما أول تلك الحقوق، وحين قال العرب: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، فقد كانوا يعبرون عن إدراك عميق لتلك القيمة، ولا أعرف لماذا نوضع بإزاء ذلك الخيار المغلوط الذي يحتم علينا أن ننحاز أما إلى الحرية أو إلى الخبز، ولماذا لا نقول أننا نضحي بالحرية من أجل الخبز  (بالمنسبة فإن الطغاة كانوا دائما يلحون للناس بحلم إشباع البطون، قائلين بأن انجازه ينبغي أن يقوم على أي شيء آخر).
          إننا نستطيع من خلال الحرية أن نحقق الرفاهية الاقتصادية أو نوفر للناس أملا في ذلك لكننا لا نعرف نموذجا تحققت فيه الحرية من خلال الإنجازات الاقتصادية، ولا أحسب أن مجرد تحيق التنمية يمنحنا أملا في إقامة الحرية.
          في الوقت ذاته فإننا نؤيد ما قاله أحد الباحثين من أن الدول التي شهدت نموا اقتصاديا في ظلل أنظمة استبدادية، هي استثناء من القاعدة لا يجوز تعميمه أو القياس عليه، فقد كان صائبا تماما التي ساعدت على ذلك، خصوصا في مرحلة الحرب الباردة التي شجعت الدول الغربية والولايات المتحدة في المقدمة على تقديم عون أكبر إلى تلك الدول لكي تكسبها في صفها إبان الصراع مع الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الشرقي، وفي دول أخرى نجد أن الثقافة الكوفوشية الخاصة وفرت لدول أخرى إمكانية التعايش بين الاستبداد السياسي والأداء الاقتصادي الناجح وفي دول ثالثة نجد أنها تصادف أن عاشت في ظل   ((الديكتابلاندا)) أو الديكتاتورية الناعمة، وهذه الخصوصيات لا تنهض أساسا كافيا لتعميم القول بأن الصلة مقطوعا بين الديمقراطية والتنمية.
            ((على صعيد ثالث فإن المصطلحات المستخدمة في ذلك الخطاب تحتاج إلى ضبط وتحديد حتى لا توقعنا في الغلط فمفهوم التنمية يقيسه البعض بمعيار إشباع الحاجات أو الوفرة، وهذا هو المفهوم الغربي والمادي له، الذي يعتبر رسالة الإنسان تتمثل أساسا في الاستمتاع بالحياة، وإذا كان الأمر مجرد إشباع للرغبات والحاجات، فإن ذلك مما قد تستطيع الديكتاتورية تحققه، أما إذا اعتبرانا الإنسان مخلوقا مكلفا.
          كما تعلمنا في خطاب، وأدركنا أن حاجاته تلك هي مادية وروحية، ومن ثم فإن التنمية من وجهة نظرنا لها أبعادها الاجتماعية والروحية، ولا تقف عند مجرد إشباع وملء البطون، عندئذ سنلاحظ أن التنمية الحقيقية كما نفهمها لا يمكن أن تتحقق إلا في ظلال الحرية.
          ونحن لا ندري محلا للتخوف من تطبيق الديمقراطية في دول العالم الثالث إلا في حالة واحدة هي أن نصر على أن ننقل الديمقراطية بصيغتها وشكلها المعروفين  في الغرب، ولكن لكن هذا الخوف سوف يتبدد يقينا إذا تعملنا مع الديمقراطية باعتبارها قيمة ومضمونا يقوم على حق الناس في المشاركة والمساعدة، بأية صورة تتفق مع أوضاعهم الاجتماعية، عندئذ سيتبدد الخوف ولا يبقى هناك مجال للتوجس من الديمقراطية واعتبارها شبحا يهدد الاستقرار والحدة.
            ((أخيرا فإن من شأن هذا الكلام الذي يروج له عن فك هذا الارتباط بين الديمقراطية والتنمية، أو تفضيل الدكتاتورية الناعمة على نظيرها الصارمة، من شأن ذلك أن يبشرنا بان الديمقراطية ستظل هي حظ العالم الأول وقدره، بينما الدكتاتورية هي مصيرنا الذي لا ناص مله، وحينئذ لن يكفي أن تكون أجيال عديدة من شعوب أمتنا سمعت بالديمقراطية ولم تتذوق لها طعما، وإنما ذلك يعني أن الأجيال القادمة ستحرم بدورها من ذلك الحلم.
          لأجل ذلك فإننا نصر على رد مقولة الأستاذ القشطيني بكل ما نملك من حجة وقوة، ونتمسك بأن الحرية حرية الفكر وليس الخبز هي أول حقوق الإنسان، وليعذرنا إذا تساءلنا أن نتبع سنته في المداعبة، وهي أن جاءت ثقيلة بعض الشيء، فربما لأن الأمر جلل والأمر أثقل!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق