الأربعاء، 2 نوفمبر، 2016

الحلقة الثانية من ذكريات ذاكرة مخرومة


قلت سلّمت الرسالة إلى العميد في شهر محرم وربما في العشرين منه، فاجتمع القسم وقرر أن يكون المناقشون هم الدكتور محمد حسنين ربيع والمشرف الدكتور محمد خليفة حسن أحمد وأستاذ آخر ولكن عندما ذهبت الأوراق إلى العميد قرر أن يكون المناقش الثالث هو الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني وربما كان هذا الاختيار بناء على اتفاق بين العميد محمد بن سالم شديّد العوفي والبيانوني على أن يتصدى البيانوني للطالب في أثناء المناقشة فيسلّمه للمباحث  أو لأي جهة حكومية بجملة أسئلة وملاحظات. وشاء الله أن يُطلب من اليانوني أن يغادر المدينة المنورة في نهاية ذلك العام وكأنّ من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.
كان شهر الله المحرّم في أواخر العالم الدراسي ولذلك كان علي أن أنتظر بداية السنة سلّمت الرسالة في 20 محرم 1414 وكانت المناقشة في يوم 4رمضان 1414 أي بعد ثمانية شهور من التسليم. والسؤال لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟ هل كان العميد يريد أن يقرأ الرسالة، أو كان يريد إحالتها إلى مناقش ماكر يصطاد في الماء العكر  أو أراد أن تقرأها جهات خارج الجامعة أو ماذا؟ لا أدري ولكن كل ذلك محتمل.
 وكان يوماً مشهوداً حضره جمهور كبير من المحبين والحاسدين والحاقدين ، وقد كانت رسالة الدكتوراة الأولى في قسم الاستشراق بكلية الدعوة وكان أحد المناقشين الدكتور محمد حسنين ربيع نائب مدير جامعة القاهرة واختار القسم مناقشاً داخليا فقام العميد بتغييره ووضع بدلاًمنه محمد أبو الفتح البيانوني أستاذ الفقه في الكلية
بدأت المناقشة بالمناقش الخارجي الذي ناداني وأعطاني صفحة بالإنجليزية من أحد كتب برنارد لويس  وقال اقرأ من أي مكان وترجم ، وبعد ان قمت بالقراءة والترجمة قال أحببت أن أتأكد أنك تقرأ الإنجليزية وأنك قمت بالترجمة فلا يصح لباحث في الاستشراق أن يعتمد على غيره في الترجمة والفهم، فبرنارد لويس كتب أكثر من نصف قرن باللغة الإنجليزية فكيف يمكن أن تدرس أعماله دون أن تفهمها في لغتها الأصلية.
أما أبو الفتح البيانوني فقد انتقدني في مسائل أراد أن يتقرب بها إلى السلطات فقد أكدت بكثير من الأدلة أن الشورى واجبة فاعترض قائلاً أستطيع أن أقدم له سبعة عشر دليلاً أن الشورى مستحبة، أما الأمر الثاني فقال أنت  أخذت برأي القائلين بالخروج على السلطان وضربت المثال بالحسين بن علي رضي الله عنهما، وسبب ذلك أنك اعتمدت على الكتابات الحديثة في السياسة الشرعية، وهو ليس صادقاً فقد رجعت للقديم والحديث. وكان جوابي الصمت والصمت أسلم حين يريد المناقشة أن يبيعك بثمن بخس وربما كان الأمر أنني تعلمت من جامعتي الجُبْنَ والخوف وحب السلامة.
ومرت المناقشة بسلام تلاها عشاء أو سحور عبارة عن خروف ولكن التقدير الذي أصرت عليه اللجنة والتي لم أعرف تفصيلات تصويتها وإن كان قد بلغني أن المشرف كانت درجاته هي الأقل ومن المعتاد أن يعطي المشرف تلميذه أعلى الدرجات ولكن تبين من الواقع أنه كان موعوداً بعمل لدى العميد السابق محمد سالم بن شديّد العوفي الذي انتقل للعمل أميناً عاماً لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشرف، وكان المشرف يعمل عنده فاستجاب لضغوطه أو إن الجامعة أرادت معاقبتي لأنني لم أكن مطيعاً مدجناً مستأنساً وذلك لأن رسائل كثيرة نوقشت بعدي ولم تكن في القيمة موضوعاً وإنجازاً وحصلت على مرتبة الشرف الأولى.
انتظرت أن يقر القسم النتيجة بعد المناقشة وترسل إلى الجامعة ولمّا استفسرت قالوا لي لم تسمّع الأجزاء المطلوبة منك أن تحفظها ، فقلت لهم يا خبثاء سلّمتكم الرسالة في محرم ونحن في رمضان ألم يكن ممكناً أن تخبروني لأستعد للتسميع، وبعد مماطلات ومماحكات والأهم تيسير من رب العباد انتهت هذه القضية بسلام فقمت بتسميع جزأين أو ثلاث من آخر المصحف والجزء الأول من البقرة وقد ساعدني الدكتور عبد الموجود في تخطي هذه اللعقبة ولكن أستاذ آخر أنني لم أكن حافظاً فقدت بعد يومين وقمت بالتسميع المطلوب.
ونلت الدكتواره في 15 محرم 1415 هـ أي بعد سنة كاملة من تسليم البحث، أما الحصول على وظيفة أستاذ مساعد فلم أحصل عليها إلّا في جمادى الأخرة 1415هـ فلو كنت من ذوي الحظوات والوساطات والمحسوبيات لما تأخرت كل هذا التأخير ، فأحد الزملاء كان قد انضم إلى جوقة وكيل الجامعة فجاء لمناقشته وقال لم أقرأ أكثر من عشرين صفحة ولكنها رائعة وتستحق مرتبة الشرف الأولى ولم يُسأل عن حفظ القرآن وحصل على الوظيفة في أسرع وقت.
حصلت على الدكتوراه وكان حظي وافراً من النشر والحمد لله وكانت هذه المؤلفات بين ترجمة وتحقيق وتأليف وهي :
1-             جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية (رسالة الماجستير )
2-             عبد الحميد بن باديس العالم الربّاني والزعيم السياسي
3-             أصول التنصير في الخليج العربي (ترجمة من الإنجليزية)
4-             الغرب في مواجهة الإسلام
5-             من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر
6-             نبش الهذيان من تاريخ جورجي زيدان (تحقيق)
7-             المغرب العربي بين الاستعمار والاستشراق  بالإضافة إلى عدد غير محدود من المقالات والبحوث التي لم تحسب في الترقية بعد الحصول على درجة أستاذ مساعد.

وقد سأل المناقش الدكتور محمد حسنين ربيع :لماذا لم يذكر المشرف هذه المؤلفات في التعريف بك؟ قلت له يصرُّ المشرف على يكون الطالب متواضعاً، فقال هذه إنجازات علمية لا علاقة لها بالتواضع. فهل كان المشرف منطلقاً من قناعاته الشخصية أو هي مؤامرة حقيرة لأنهم لا يستطيعون أن يمنعوني من إنجاز رسالتي ومناقشتها في حين طلابهم المدللون نائمون...ما أتعس الحقد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق