الأحد، 30 أكتوبر، 2016

التغريب مشروع كبير بدأ قبل التويجري والقصيبي


مبدع هو الشيخ إبراهيم السكران دائماً في مطولاته التي تشبه المعلقات بروعتها وجمالها ودقة وصفها وحلاوة عباراتها. وكتاباته هي البلسم الشافي وفي الوقت نفسه ينكأ جروحاً لم تندمل وما كان لها أن تندمل وفي الأمة مرجفون وطابور خامس وربما سادس وسابع. قدم الشيخ إبراهيم تحليلاً جميلاً لحملة التغريب الشرسة التي جعل بطلاها التويجري والقصيبي موضحاً الأساليب التي انتهجاها في توجيه البلاد نحو التغريب والعلمنة. وكان صادقاً مصيباً فكما يقال وما يوم حليمة بسر.
ولكن ربما غاب عن الشيخ إبراهيم أن التغريب أقدم من الرجلين بكثير بل ربما سبق ولادتهما أو جاء بعد ذلك بقليل. وسأبدأ بالمراحل الأولى من عهد الملك عبد العزيز رحمه الله حيث استعان بمستشارين في كافة المجالات من البلاد العربية المجاورة ممن سبقنا في مشوار التغريب أو ما يزعم أنه التحديث والنهضة. وكان بعض هؤلاء المستشارين ممن درس في أوروبا وأمريكا، ولا ننسى أن الغربيين لم يكونوا بعيدين عن جلالته فهاهي وثائق أرامكو تؤكد الزيارات المتكررة لشخصيات أمريكية للملك لاقتراح برامج تعليمية مختلفة. وكان بعض هذه الشخصيات إما قسسا أو رجال تعليم أمريكان وإنجليز.
وبدأت الخطوات الأولى في التحاق عدد من أبناء المملكة بالمدارس الأجنبية في الدول المجاورة ومنها كلية فيكتوريا بالإسكندرية بمصر والتي كان هدفها كما يقول موقع ويكيبيديا "رفع مستوى التعليم الإمبريالي وتحريره من تأثيرات المدرسة المختلفة مثل المدارس العامة والمدارس الدينية وغيرها من أنظمة التعليم، وكذلك التحرر من تأثير المدارس اليسوعية الموجودة في كل مكان والتي كانت تزعج وزارة الخارجية البريطانية. وكان من بين المنتسبين للكلية البارزين بعض الشخصيات الدولية من الأقلية اليهودية في مصر. وقد درس في هذه المدرسة من أبناء المملكة المشهورين الذين أشارت لهم الموسوعة: عدنان خاشقجي (كان والده طبيب الملك عبد العزيز) وكمال أدهم وغسان شاكر. وقد لاحظت أنه درس في الكلية من أبناء المملكة من كافة المناطق من نجد الإخوان محمد الفوزان (من كبار موظفي الخطوط السعودية) وأخوه خالد (وزارة الإعلام –جدة) ودرس فيها من أبناء المغلوث من المنطقة الشرقية ومن أبناء مكة ومن المدينة المنورة. ولهؤلاء رابطة قوية فمازالوا يجتمعون على الرغم من أن بعضهم تجاوز الستين من العمر (بعض توفي) كما ذكر لي الشيخ أحمد الحمدان.
وبالإضافة إلى فيكتوريا فهناك الكلية الدولية في بيروت التي انطلقت من إزمير ثم انتقلت إلى بيروت وقد درس فيها العديد من الشخصيات البارزة في المملكة العربية السعودية وبعضهم قد وصل إلى منصب الوزارة مثل الوزير الحالي على النعيمي. وقد كانت الصلة قوية بين أرامكو وهذه الكلية أو المدرسة الثانوية. وثمة ملاحظة ربما تكون ثانوية أن بعض من التحق بهذه الكلية لا بد أن يكون لذلك تأثير في أولاده وبناته من الناحية الدراسية أو حتى الزواج والعلاقات الاجتماعية.
ومع الدراسة الثانوية في هذه المدارس فقد انطلقت البعثات في وقت لم يزد عدد خريجي الثانوية العامة على ألف خريج كما كان الحال عام1388هـ (1968م) وكانت هذه البعثات إلى مصر وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد أسهمت أرامكو في دعم هذه البعثات وتمويلها حتى إنه في عام 1387وما قبلها كانت البعثات تقدم للناجحين في الثانوية العامة ممن لم تتجاوز نسبة نجاحهم السبعين في المائة (صحيح كانت الدرجات عزيزة في تلك الأيام) ومع ذلك فقد سافر كما يقولون (من هبّ ودب)
والبعثات وما أدراك ما البعثات مصدر تغريب خطير، فاذكر أن مدرسة اللغة في لوس أنجلوس (ولا بد أن الأمر كذلك في المدن الأخرى) كلفت منصّراً أن يستقبلني في المطار ويرتب أمور السكن ومعاملاتي مع البنك (أول مرة في حياتي أدخل بنكاً) بل إن أحد هؤلاء المنصّرين عرض علي السكنى في بيته (مكثت عنده شهرين فقط وخرجت من عنده بعد خلاف على قضية فلسطين وأكد لي أنه لا يعترف برسولنا صلى الله عليه وسلم ولا يعترف بالإسلام)  أما ما يحدث في أثناء الدراسة والحياة في أمريكا من التغريب ، فقد بلغ أحد الطلاب المبتعثين في تلك الأيام أن أخته خطبت فكان يقول لزملائه الأمريكان إن والده قد باع أخته، وكان معظم الطلاب أو الغالبية العظمى تخدعهم مظاهر الحياة في أمريكا أو أوروبا كما فعلت برفعت رفاعة الطهطاوي قبل مائتي سنة حيث امتدح الرقص وخروج النساء. وكأن الطهطاوي لم يقرأ أسامة بن منقذ في كتابه (الاعتبار) الذي تحدث فيه عن انعدام الغيرة لدي رجال الغرب على نسائهم. وقد سرت هذه المصيبة إلى بعض العرب ومنهم السعوديين الذين تزوجوا بالأمريكيات، فكانت زوجة أحدهم تجلس أمام زملائه وهي مرتدية البنطلون القصير جداً فلا يحس بأي حرج. وكان هذا الفاقد لغيرته قد أصابته لوثة الطعن في القرآن ووصفه بأنه مثل  الشعر الجاهلي والعياذ بالله.
وكان التغريب في البعثات في مجال التربية بخاصة حيث إن التربية كما يقولون هي شخصية الأمة. وجعلت دراسة التربية (يحتاج الأمر إلى شيء من التحقيق) من أسهل أنواع الدراسة فردد الطلاب المبتعثون طرفة أنك إن تخصصت في التربية فالشهادة مضمونة (Education: Congratulation) وقد كثرت البعثات في هذا المجال حتى إنه ثمة إحصائيات تقول إن عدد حملة الدكتوراه في التربية يفوقون كل التخصصات الأخرى. كما عقدت المؤتمرات المدعومة من مؤسسة فورد وكارنيجي وروكفلر في مجال التربية ودعي لها كبار المسؤولين من وزارات المعارف والتربية والتعليم العرب لعجم قنواتهم وتدجينهم وتكريس من يستطيعون منهم.
وجاءنا التغريب من طريقين آخرين أحدهما جيش المعلمين والمعلمات من الدول المجاورة فقد كان المعلمون والمعلمات مثقلين بحمل التغريب فنقلوه إلينا مع الدروس وفيما بين الدروس وفيما بعد الدروس. أذكر أستاذاً سورياً كان يدرسنا الترجمة واللغة الإنجليزية يعطينا دروساً إضافية يمضي بعض الوقت فيها ليحدثنا عن القومية (لم نكن نفقه كثيراً مما يقول) وأما الطريق الآخر فقد كانت المناهج التي استوردناها دون تدقيق أو تمحيص؛ فدرسنا الربا على أنه حلال زلال كما في كتاب الرياضيات للأول إعدادي عام 1382هـ حيث كانت بعض التمارين حول حساب الربح البسيط والربح المركب. أما في علم النفس وعلم الاجتماع فأستاذنا فرويد ودوركايم ومعهما داروين كان لهما الريادة في العلوم الاجتماعية وعلم النفس. وفي اللغة الإنجليزية كان على الطلاب دراسة كتاب (الإنسان ضد الطبيعة)Man Against Nature ومنها قصة بناء سد الكاريبي. وفي كتب اللغة الإنجليزية: السيدة فلانة قابعة في البيت ولا تعمل فهي تعيسة، وفلانة تعمل خارج البيت فهي سعيدة. وقصة المناهج والكتب يعرفها من عرف القس دنلوب الذي تولى منصب وزارة المعارف في مصر وأفسد التعليم أيما إفساد، فكرومر قال للمنصرين :" أنتم تزعجون المصريين وتثيرونهم ضدكم، ولكن سأخدمكم بقسيس يكون وزيراً للمعارف"، فكان دنلوب .
وجاءنا التغريب من الإذاعة وخطب جمال عبد الناصر التي كان الناس يتهافتون لسماعها لقدرته الكاريزمية على دغدغة مشاعر الجماهير المحبطة، فكان يخطب بالساعات حتى استطاع أن يهيمن على عقول كثير من الناس. وعلى الرغم من أن الله قيض الملك فيصل رحمه الله لمحاربة تيارات القومية والعلمانية والتغريب بجنود من أمثال أحمد محمد باشميل وغيره فإن التغريب استمر. ومع عبد الناصر الذي كان خدر الجماهير كانت تأتينا المجلات المصرية مختوم على غلافها (وصلت بالطائرة) وكانت تباع على بعد أمتار من المسجد النبوي الشريف في شارع العينية. ومن هذه المجلات "حوّاء"  و"الأسرة " الكويتية. وكانت المجلات اللبنانية تصل بالسر إلى عدد لا بأس منه غير التي تستطيع أن تهرب من الرقابة ومن هذه المجلات :الشبكة والموعد. وكان الإعلام يقوم بطمس بعض الأسطر أو الصور ويمزق بعض الصفحات ولكن ما كان يصلنا كان فيه من التغريب ما فيه. ولعل من أوسع أبواب التغريب كانت مجلة العربي الرصينة شكلاً وإخراجاً وبخاصة استطلاعات سليم زبال وأوسكار متري بالإضافة إلى الكلمات الافتتاحية لأحمد زكي ثم أحمد بهاء الدين ثم محمد الرميحي. فقد كانت هذه المجلة تهدف من اليوم الأول إلى إخراج المرأة وإلى الاختلاط وغير ذلك.وكان التغريب يصل عن طريق الكتب منها ما يمر بسهولة من الرقباء المساكين ومنها ما يمنع، وقد ابتدعت بعض المجلات التي تعرض الأفلام المصورة أن تخفف جرعة الصور من المجلات المصدّرة للسعودية أما الكلام عن العلاقات الغرامية الحرام فلا مانع منه.
ثم جاءنا التغريب في عهد التلفزيون الأبيض والأسود أو الأسود والأسود، وربما يذكر البعض برنامج سامي عودة (فيما أذكر) من كل بحر قطرة، وغيره من البرامج ، ألم يكن فيها تغريب. وفي تلك المرحلة كانت الأفلام تأتي من هوليود فتعرض في بيوت سرية، وما هي بالسرية حتى إن رئيس الجامعة الأمريكية بايارد يقول كان الشباب السعودي أو العربي يحاول تقليد أبطال هوليود على الرغم من أن الأمريكي اعترف بسوء تلك الأفلام.
وقبل عصر الفضائيات ظهرت الصحف العربية المهاجرة، فكانت كارثة أية كارثة فإحداها تسلمها رئيس تحرير محترف عرف كيف يأتينا بالتغريب ونحن لا نشعر، بل كان له في تلك الصحيفة صفحة دينية رائعة، ومع ذلك فإن التغريب يسري كالماء الذي يصفونه بأنه وإن كان راكداً فإنه يسير عميقا. والصحافة المهاجرة شجعت صحافتنا المحلية على الاستمرار في مجال التغريب. ولأنقلكم إلى التسعينيات من القرن الماضي حيث كان لكل صحيفة قسماً خاصاً بالمرأة وكان الغالب على تلك الصفحات السعي لنشر التغريب وإخراج المرأة والاختلاط. وأذكر من تحقيقات إحدى هذه الصحف عن الزواج المبكر ومخاطره، وما أشبه الليلة بالبارحة.
وأختم هذه المقالة بالإشارة إلى أربعة كتب رائعة لعلي إن شاء الله أقتبس لكم بعضاً مما جاء فيها وهي:
1-                  الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية لأبي الحسن الندوي وبخاصة في طبعاته  الأولى والثانية.
2-                  كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب: مشاعر وأحاسيس ودراسات وملاحظات. لأبي الحسن الندوي، كانت طبعته الثانية في دار الاعتصام بالقاهرة عام 1399هـ/1979م
3-                  الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين
4-                  حصوننا مهددة من داخلها لمحمد محمد حسين وبخاصة الطبعة الأولى التي تناول فيها الحديث عن أرامكو، ولكن هذا الجزء حذف في الطبعات التالية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق