الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

تغيير المهنة في منتصف العمر


كيف إذا قيل لك بعد أن أمضيت في مهنة من المهن مدة عشر سنوات أو اكثر وحققت فيها نجاحا يشهد به سجلك الوظيفي ويعترف به القريب والبعيد : إنك مدعو إلى تغيير مهنتك؟ كيف تتقبل مثل هذا الأمر؟ هل مثل هذه الفكرة خطرت لك ببال، أم تعدها من بنات الخيال؟
قبل عشرين سنة تقريبا كنتُ طالبا مبتعثا للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية تخصص الإدارة الصناعية، وما كنت حينها أعرف ما الإدارة الصناعية؟ ولكني علمت أن تغيير التخصص ليس بالأمر الصعب، ولعل من محاسن نظام الدراسة هناك أن الطالب يدرس في السنتين الأوليين مواد عامة من جميع التخصصات يطلقون عليها (متطلبات جامعة) وهناك مواد اختيارية أخرى حسب الكلية تعطي الطالب فرصة إضافية لاختيار التخصص المناسب.
المهم أنني  اخترت أن أدرس مادة علم النفس كمادة اختيارية رغم تخرجي في الثانوية في الفرع العلمي ولم أقرأ قبلها كتاب علم نفس واحد، ولكن التغيير الذي يطرأ على حياة الطالب عندما ينتقل من إحدى الدول النامية إلى العالم الجديد قد يجعل منه شخصا آخر، ولتأكيد اهتمامي بهذه المادة اشتركتُ بمجلة شهرية هي ((علم النفس اليوم)) (Psycology Today) وكنت أقرأ بعض الموضوعات حتى قرأت في يوم من الأيام مقالا أو دراسة بعنوان ((تغيير المهنة في منتصف العمر)) فتعجبت من الأمر حينئذ ولكني أم أعر الأمر اهتماما كبيرا فلا زلت في المرحلة الجامعية ولم أتوصل بعد إلى اختيار مهنة معينة فمالي إذن وتغيير المهنة؟!
    عدت من أمريكا بعد أن أمضيت خمس سنوات درست خلالها كل شيء ولاشيء! درست الكيمياء والفيزياء والرياضيات وعلم النفس والجغرافيا والأدب الإنجليزي. ولكني توصلت في نهاية المدة أن لافائدة من الاستمرار ونظرا لغياب الأستاذ الموجه والناصح الأمين فقد وقعت فريسة لصراع فكري بين طلب الشهادة أو طلب العلم، ودخلت سلك العمل الإداري بلاشهادة ولكن تجربة البحث عن وظيفة أقنعتني عمليا بضرورة الحصول على شهادة.
أعطيت وظيفتي كل طاقتي وفكري فقد كان الجو العام مشجعا على ذلك، فالعمل في الخطوط الجوية وبالذات في مجال النقل الجوي مجال واسع لتعلم قضايا كثيرة في القانون الدولي وفي الدبلوماسية وفي الرحلات والاتصال بشركات الطيران المختلفة. فالوظيفة نفسها جامعة.
لم يشغلني عملي الجديد عن طلب العلم والشهادة. ففي خلال أربع سنوات حصلت على الدرجة الجامعية في الآداب – قسم التاريخ-، وحرصت  على الانتقال للعمل معيدا في الجامعة لكني لم أحصل على الوظيفة لأسباب كثيرة ، فواصلت الدراسة منتسبا حتى حصلت على درجة الماجستير في المجال نفسه.
     وهنا فكرت جديا في الانتقال إلى العمل في الجامعة في وظيفة محاضر لأستطيع  مواصلة دراستي نحو الدكتوراه، وكان هذا الانتقال تغييرا في المهنة فعلا، وأول أوجه التغيير أنني  لم أعد مطالبا بالحضور يوميا من السابعة والنصف صباحا حتى الثالثة والنصف بعد الظهر ، ولكن أصبحت ساعات العمل تشمل النهار كله . ولا زلت أذكر أن أول محاضرة كُلِّفت بإلقائها كانت في التاريخ الإسلامي للمستوى الجامعي الثالث وكانت حول الخلافة الإسلامية، فرجعت إلى أكثر من خمسة مراجع لأفهم  الموضوع، وزيادة في الاهتمام اشتريت آلة تسجيل لأراجع نفسي بعد المحاضرة.
    ولكن هيبة الأمر أنستني آلة التسجيل وأنستني  كثيرا من المعلومات التي حفظتها بل أصبح موضوع المحاضرة في المرتبة الثانية بعد الحرص على أن أكون طبيعيا أثناء إلقاء المحاضرة، وأن أتكلم بلغة سليمة وأن أوزع نظراتي بين الطلاب، وغير ذلك مما يحتاجه المحاضر ليترك انطباعا جيدا لدى الطلاب، ومع مرور الأيام بدأت أعتاد الوظيفة الجديدة وإن كانت هيبة الوقوف أمام الطلاب لاتزول تماما وبخاصة إذا أراد المدرس أن يكون مجيدا في عمله.
وبدأت أنسجم في عملي الجديد كأنهني لم أُخلق إلّا لهذا العمل (التدريس والكتابة والتأليف) فما كدت  أستقر في عملي الجديد حتى شرعت في إعداد رسالته للماجستير للطباعة. ثم شرعت في تأليف آخر وكنت بعد صدور كتابي الأول أخشى أن يكون كما يقولون  -بيضة الديك- ولكن لم تمض أشهر حتى أعلنت صدور كتابه الثاني فالثالث والرابع.. وهكذا ففي خلال بضع سنوات أصدرت سبعة كتب، وحاضرت في النادي الأدبي في المدينة المنورة  وأجبت دعوات لندوات دولية عقدت في الخارج.
     ومن العوامل التي تؤدي إلى تغيير المهنة في منتصف العمر أن الميول الحقيقية والمواهب تحتاج زمنا لكي تظهر واضحة جلية، أو قد يجد المرء في وظيفته الحالية مصادمة لميوله ورغباته. أما مايؤخر تغيير المهنة لدى الكثيرين منا فهو الخوف من المستقبل ونقص الشجاعة في مواجهة المهنة الجديدة.
   وبعد هذه التجربة التي عرضتها هنا أقول: إن تغيير المهنة في منتصف ليس أمرا سيئا أو أمرا يجب أن نخشى وقوعه، بل إن هذا التغيير قد فتحا كبيرا يجد الانسان من خلاله نفسه ويطور مواهبه وقدراته، وقد يكون مجالا لأبواب من الرزق ماكانت لتفتح لولا هذا التغيير .
    وخلاصة القول أن المسلم مطالب بإتقان عمله وقد يصعب أحيانا أن يتقن الانسان عملا لايحبه. والمسلم مطالب أيضا أن يبتغي وجه الله عز وجل في  كل مايعمل ويدع حتى في مجال الوظيفة أو المهنة التي يختارها.
رمضان 1412هـ المجلة العربية ص107

العدد 176مارس ابريل 1992

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق