الأحد، 30 أكتوبر 2016

من ملامح التغريب


كتب أخي الدكتور علي النملة حول مصطلح (التغريب) مشيرا الى انه مصطلح يحتاج الى مزيد من التوضيح والتحديد، وأرادت صحيفة عكاظ التي ظهر فيها مقال الدكتور النملة ان تسهم في توضيح المصطلح فسألت عددا من الكتاب وكان هذا المقال الذي لم ينشر هناك.
ليس التغريب سوى مظهر من مظاهر الغزو الفكري وقد أصدر الدكتور محمد عمارة قبل عدة سنوات كتابا بعنوان (الغزو الفكري وهم ام حقيقة) جاء في مقدمته ان الذين يقولون ان الغزو الفكري وهم هم أولئك الذين يزعمون أن الكون قد أصبح قرية كبيرة ووطنا واحدا، ونظرا للتقدم الهائل الذي حدث في مجال الاتصال مما يطلق عليه (ثورة الاتصال) جعل هؤلاء يزعمون ان العالم وطن واحد لحضارة واحدة هي (حضارة العصر) او (الحضارة العالمية) او الحضارة (الانسانية).
وقد جعل الدكتور عمارة كتابه ردا على هذه المزاعم بأن أوضح أن من سمات الحضارة الغربية العنصرية حيث يقول: (فالإنسان صاحب (الحقوق) في عرف الحضارة الغربية هو فقط الانسان الغربي الابيض).
ومن سمات الحضارة الغربية ايضا الاكراه على الدين او قهر الاخرين على ترك معتقداتهم السابقة فهذا تاريخ الغرب يشهد بذلك ومن الامثلة على هذا ما قام به شرلمان من فرض النصرانية على السكسون وذبح مئات الالوف من الاوروبيين لإكراههم على النصرانية حتى قال عمارة: "فهذه خصوصية غربية اعتمدت سبيل القهر والإكراه ه لتوحيد المعتقد والمذهب الديني".
        ومن هنا يجب ان يكون الحديث عن التغريب فمادام ان الغرب عنصري كما يشهد تاريخه الطويل، فالتغريب إنما هو محاولة صبغ الامم الاخرى بصبغة الغرب الغالب مع اليقين لدى الغرب ان الامم الاخرى لن تصل الى مستوى (الرجل الابيض) والتغريب موجه الى جميع مجالات الحياة من اجتماع وسياسة واقتصاد وثقافة وغيره.
 القديم حينما انطلقت الجيوش اليونانية لتحتل البلاد القريبة والبعيدة كان من اهم اعمال الاحتلال هو صبغ المستعمرات بالصبغة اليونانية بفرض اللغة اليونانية والثقافة اليونانية بما يسمى (التفريق).
وفي العصر الحديث انطلقت جيوش اوروبا تحتل البلاد وبأسلوب أكثر تطور وفعالية. فالجيش الفرنسي مثلا عندما احتل الجزائر وجد بلدا ينتشر فيه العلم بنسبة اعلى من نسبة التعليم في فرنسا ومع ذلك فقد زعمت فرنسا ان مشروعها كان بقصد تحضير هذه الشعوب. ولكن حالما استتبت الامور لفرنسا شرعت في محاربة التعليم الاسلامي فاستولت على الاوقاف واغلقت المدارس وهدمت كثيرا من المساجد ولم تسمح بالتعليم على نطاق واسع انما اختارت نسبة ضئيلة من الشعوب المحتلة لإدخالها في المدارس الفرنسية واطلقت فرنسا على هؤلاء (النخبة) او ( الصفوة) ومكنتهم من منابر التوجيه والسلطة والحكم ، حتى زعم مستشرق مشهور ان الحكام الغربيين اذا كانوا قد احدثوا ثقبا صغيرا في الحاجز بين الهوية الاسلامية والهوية الغربية الا ان المسؤولية الكبرى تقع على كاهل الحكام المتغربين ولكن المستشرق لا يحدثنا عن الذي أدى بهؤلاء الحكام الى هذه الحال ومن الذي مكن لهم.
وكان من أبرز منافذ التغريب الذي يمكن وصفه بانه فقدان الهوية العربية الاسلامية لصالح الغرب البعثات الدراسية وقد كان اولى البعثات الدراسية الى فرنسا وبخاصة بعد الثورة الفرنسية التي انتصرت فيها اللادينية وحطمت كثيرا من نفوذ الدين في النفوس. ولم يكن الابتعاث للتحصيل العلمي فقط فقد خطط الغرب ليكون وسيلة لمسخ شخصيات من استطاعوا من المبتعثين. وقد اثبتت الوثائق حرص الفرنسيين على ابهار المبتعثين والسيطرة على عقولهم واشباعها بما زعموا انه عظمة فرنسا. وحتى لما كانت البعثات للدراسات العلمية والعسكرية حرص الفرنسيون على ان يقرأ المبتعثون الادب الفرنسي ويتشبعوا بالفكر الغربي.
وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على بداية الابتعاث فانه لم يتوقف بل انه ازادا تدفقا في فترات من هذا القرن حتى أصبح الطلاب المسلمون يعدون بمئات الالوف في اوروبا وامريكا يخضع عدد كبير منهم للتغريب القسري حيث يذهبون الى الغرب وهم كالعجينة فيشكلهم اساتذتهم كما يشاؤون.
ولم يتوقف التغريب عند هذا الحد فقد دخل التغريب مجالات عديدة كالتربية والتعليم والحياة الاجتماعية وبخاصة الصلات الاجتماعية والبناء الاجتماعي ومسألة المرأة وهي من أخطر آثار التغريب ومن المجالات التي سيطر فيها التغريب النظم السياسية والحكم حتى ان مستشرقا سخر من برلمانات بعض الدول العربية حيث قال انها صدرت الى العالم العربي معلبة ولكن ليس معها ارشادات الاستعمال فكانت برلمانات ورقية. لقد نجح التغريب في تقسيم الامة الواحدة الى عشرات الاحزاب المتناحرة. لقد اخذنا كثيرا من المظاهر ولم نتعلم الجوهر ولعل هذا هو هدف التغريب كالغراب ال ذي اراد تقليد مشية الحمامة فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحمامة.
المقال (140) صحيفة "المدينة المنورة" العدد11424 في 2 صفر الخير 1415هـ الموافق

11 يوليو 1994م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق