الاثنين، 10 أكتوبر، 2016

عميد ليدن وعمدتها الدكتور قاسم السامرائي



        أبحث عن مشرف لرسالتي حول الاستشراق الفرنسي، وكان قد نشر كتاباً بعنوان (الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية) تناول فيه بصفة خاصة الاستشراق الهولندي، فبحثت عن عنوانه فعرفت أنه في هولندا فراسلته وأبدى استعداده للإشراف، ولكن ذلك الموضوع لم يكن مقبولاً للعميد (ليس لرئيس القسم أو لمجلس القسم، فالعميد عندنا في تلك الأيام كصاحب رتبة العميد في الجيش يُطاع والسلام) ثم تم تغيير الموضوع فراسلته أستشيره في الموضوع الجديد وما النصائح التي يمكن أن يعطيني إياها. فكتب غاضباً، كيف تريد أن تبحث عن مستشرق مازال بين الأحياء، أين لك بالوثائق عنه أو كتاباته وأنت قابع في المدينة، أنتم تحاولون موضوعات أكبر من قدراتكم وإمكاناتكم. فقلت له مهلاً مهلاً يا أستاذي الفاضل، فإنني قد جمعت مادة علمية غزيرة ساعدني في جمعها أخي عبد الكريم الذي كان يدرس في جامعة ليستر ثم إنني أنوي السفر لمقابلة لويس والاطلاع على كل كتاباته في الجامعة التي يدرس فيها الآن وهي برنستون. لم يرد علي الدكتور قاسم بشيء، وكنت حينها أمتلك جهاز تصوير المستندات وأحتفظ بصورة من كل رسالة أرسلها (كنت أكتب بخط اليد)
سافرت إلى أمريكا ومن هناك أرسلت له رسالة أستفسر عن سبب إهمال رسالتي الأولى وأرفقت نسخة منها، فأبدى إعجابه وقال أما رسالتك فلم يكن فيها ما يستحق الرد فلم أرد عليها. وظننت أن هذه قسوة وصلف من أستاذ كبير مع تلميذ مبتدئ. وشاء الله أنني بعد عودتي من أمريكا تتفاقم الأمور من جديد في المعهد العالي فأكتب له عن تطورات الأمور، فيرسل رسالة إلى مدير الجامعة الدكتور عبد الله التركي يشفع لي فيها بأن يعطوني الفرصة للابتعاث إلى هولندا مبدياً استعداده للمساعدة وفي تلك الرسالة يخبر المدير أن معرفته بي كانت من خلال قراءته لبعض مؤلفاتي عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعبد الحميد بن باديس والمغرب العربي بين الاستشراق والاستعمار. ولكن الجامعة لا تسمح لمحاضر أن يدخل في معركة مع عميد حتى لو كان العميد مخطئاً، فإن هيبة السلطة أهم من الحق في نظرهم (هذا ما قاله لي بن عرفة أحد ركني لجنة التحقيق)
واستمرت صلتي بالدكتور قاسم حين قمت بترجمة المقال الثاني في نقد المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية وأردت نشره فأحببت أن أعرف عنوان الدكتور عبد اللطيف الطيباوي، فأخبرني أنه قد انتهى من ترجمة المقالين ودمجهما في كتاب سيصدر عن جامعة الإمام. وأرسل لي صفحة من ترجمته وقال بصراحة: "قارن بين ترجمتي وترجمتك". كان محقاً هو حصل على الدكتوراه من بريطانيا قبل أربعين سنة، ولغته بلا شك أقوى وأرقى من لغتي. فترجمته أفضل، لكني أحتفظ بأن ترجمتي لم تكن سيئة.(لأنني ترجمت كتباً ومقالات وقبلت للنشر المحكم، وكان آخرها كتاب صراع الغرب مع الإسلام لآصف حسين الذي تم تحكيمه عن طريق المجلس العلمي بجامعة الملك سعود)، وما زالت الترجمة لدي فلعلي أنشرها نشراً محدوداً إلكترونياً لأن الكتب التي تطبعها الجامعات عندنا تموت لأنها لا تسوق تسويقاً جيداً وتهدى لمن لا يقرأها بل ربما يبيعها –لو باعها لكان أفضل- إلى مكتبات الكتب المستعملة
وكان للدكتور السامرائي صلة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في مجال المخطوطات فدعي ذات مرة إلى الرياض بعد أن كان قد عمل في الجامعة فترة. فسافرت إلى الرياض للقائه. ولمثله تشد رحال طالب العلم. وكم كانت لنا جلسات أنيقة مفيدة في فندق السعودية في الناصرية في الرياض. ثم شاء الله أن أنقل تعسفياً إلى الرياض مدة سنة في عام 1410هـ وجاء إلى الرياض فترة من الوقت فازدادت معرفتي به وتقوت تلك الصلة.
واستمرت المراسلات بيني وبينه أستشيره في أموري العلمية وحتى الحياتية حيث كنت أعيش نكداً من نوعين نوع أستطيع أن أتحدث عنه، ونوع لا يليق أن أتحدث عنه. فالنكد الذي كان يخفف عني السامرائي فيه هو النكد العلمي العملي.
ثم جاءت مناسبة المؤتمر العالمي الأول حول العالم الإسلامي في القرن الواحد والعشرين، فأرسل إلي يخبرني عن المؤتمر بطريقة طريفة وهي إرسال نشرة المؤتمر دون أن يكتب شيئاً عدا كلمة (الولد) على المظروف. فقلت هذا الولد سيحضر المؤتمر ويكون له صولات وجولات. ولم أعرف أن عبارة (الولد) ليست سيئة ولا تقليلاً من شان الشخص وإنما العكس تماماً.
وصلت ليدن فقرأ البحث وبدأنا نعيد صياغة العبارات لتكون لغتها أجمل وأبهى وأصح. وبذل جزاه الله معي جهداً كبيراً. ولم يحضر هو المؤتمر ولكن كان يعرف ما يدور في المؤتمر فالسامرائي يعمل في قسم الأديان كما عمل في أقسام أخرى في جامعة ليدن لأكثر من أربعين سنة، ويعرفه الصغير والكبير. حتى إذا استشرته أن أثير بعض الأمور في الجلسة الختامية، قال لا تفعل فقد وصلت رسالتك
واستمرت صلتي بالسامرائي ففي زيارتي له في عام 1996م (1426هـ) كان كريماً معي وهو طبع أصيل في الدكتور قاسم يعطيك من نفسه بلا حدود ولكنه في الوقت نفسه صريح صادق لا يجامل ولا يداهن. يقول رأيه لا يخشى في الله لومة لائم. وإن أخطأت معه فإنه يواجهك بصراحة ونزاهة غير أنه صاحب قلب كبير لا يحمل حقداً ولا ضغينة ولا حقداً ولا حسداً
أما من الناحية العلمية فلا أرى أنني أهل لأن أكتب كلمة عن صاحب عشرات المؤلفات والكتب والتحقيقات. فهو خبير بالمخطوطات والخطوط وأنواع الورق وأنواع الأحبار، وبالمخطوطات عمومها ما تم فهرسته وما لم يتم. تستعين به المكتبات للفهرسة والتحقيق والحكم على المخطوطات. ومعرفته بالاستشراق ليست كغيره فهو الذي عاش بين ظهرانيهم قرابة نصف قرن يعرف فكرهم أولاً ويعرف أخلاقهم وطباعهم ثانياً. فلما شكوت له من لقاء كوننجزفيلد معي قال لا تحزن فما زال الهولنديون إلى اليوم يطالبون الألمان بثمن درجات جداتهم. قلت وكيف؟ قال احتلت ألمانيا هولندا فترة من الزمن فقام الجنود الألمان بالاستيلاء على درجات بعض العجائز الهولنديات لاستخدامها، فترى الشباب أو الأطفال الهولنديون اليوم يطالبون الألمان بثمن تلك الدراجات فكيف عرف الأطفال تلك القصة لولا أنهم يتناقلونها فيما بينهم من جيل إلى جيل. قال وأنت أخطأت ذات مرة في أنك لم ترسل رسالة الدكتوراه حين طلبها منك كوننجزفيلد ليوجه إليك دعوة للتفرغ في جامعة ليدن حتى وإن أرسلتها متأخرة فقد غضب منك لتأخرك. قلت لم أكن أظن أن إرسال الرسالة شرط في الحصول على الدعوة، قال هو كان يعتقد ذلك وكان عليك أن تلبي.
وفي ليدن مجموعة من الشباب المصري تعرفت إليهم عام 2002 حين حضرت مؤتمر التعددية الدينية وهم عمرو رياض ومحمود الصيفي ومحمد غالي وهم قريبون من الدكتور قاسم يرعاهم كأبنائه ويمحضهم النصح والرأي

ولا أذيع سراً إن قلت إن بعض أهداف الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية أن تخرج طلاباً يتجرؤون على الإسلام وثوابته، فكان من برنامج تلك الدراسات في وقت من الأوقات الذهاب في رحلة عمرة أو حج، ثم ألغي البرنامج ووجود الدكتور قاسم كأنه صمام أمان لإصلاح ما يمكن أن يفسده التفكير الاستشراقي أو التخريب. فأسأل الله أن يمد في عمر الدكتور قاسم ويمن عليه بالصحة والعافية والتوفيق، وأن يعين الإخوة الكرام الذين قدموا لي كل عون وترحيب في كل مرة زرت فيها ليدن. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق