السبت، 29 أكتوبر 2016

ماذا لو كان لنا تقويم محايد للجامعات؟



دعيت قبل مدة من قبل المجلس الثقافي البريطاني في الرياض لحضور محاضرة عن تقويم الجامعات السعودية بالتعاون مع جهات بريطانية، وكان مما ذكره المحاضر أن وزارة التعليم العالي قد أنشأت هيئة أو إدارة لتقويم الجامعات وأن رئيسها الأعلى (انظروا غرامنا بالألقاب الرنّانة) هو وزير التعليم العالي (ولم ينس المحاضر أن يقول معالي ..) فسألته في نهاية المحاضرة كيف يكون وزير التعليم العالي هو رئيس الهيئة، فيكون هو المقوِّم والمقوَّم؟ إن تقويم الجامعات في كل دول العالم تقوم به جهات غير حكومية ومستقلة وخاصة. إن هذا بداية الفشل.
        وفي هذه الرحلة (برنامج الزائر الدولي للقادة حول التعليم العام والتعليم الديني) التقينا بشخصيات أمريكية تحدثت عن تقويم التعليم العالي واعتماد الجامعات في أمريكا، وكان اللقاء الأول في جامعة لويفيل بولاية كنتكي والثاني في مدينة بوسطن حيث التقينا بثلاث سيدات في مكتب خاص لتقويم الجامعات الأمريكية.
          وهذه الهيئة مستقلة وغير حكومية وغير ربحية وتحصل على التمويل من التبرعات ومما تدفعه الجامعات من رسوم للحصول على الاعتماد، ولا تظنوا أنهم إن دفعوا الرسوم كان التقويم في صالحهم،لا فإن هذه الجهة ترسل عدداً من الأشخاص من رؤساء جامعات وعمداء وأساتذة لهم باع في التعليم العالي وبعد الحصول على تدريب معين في عملية التعليم يقومون بالاطلاع على أوضاع تلك الجامعات ثم يقومون بزيارة ميدانية مدتها أربعة أيام لا يتقاضون فيها فلساً أحمر ولا أصفر غير تكاليف السفر والإقامة فيقابلون الأساتذة والطلاب والمسؤولين في تلك الجامعة ويطلعون على مجريات الأمور ويكتبون تقريرهم بعد نهاية الرحلة.
         والمطلوب من الجامعات أن تقوم بكتابة تقرير من مائة صفحة عن أوضاعها كل خمس سنوات، أما اللجنة يكون عملها كل عشر سنوات ولكنهم قد يحتاجون أحياناً للمتابعة أو السفر خلال العشر سنوات إذا جد جديد في تلك السنوات العشر أو بعد أن يطلعوا على تقرير الجامعة الذي تقوم نفسها فيه وهو تقرير الجودة كما يسمى.
          وأمريكا قد قسمت إلى عدة مقاطعات تتولى تقويم الجامعات في تلك المقاطعة كما تقوم بعض هذه المكاتب الإقليمية تقويم الجامعات الأمريكية في الخارج للحصول على الاعتماد الأكاديمي. وهناك ورش عمل مستمرة للاطلاع والتدريب على آخر المستجدات في عملية التقويم
      وفي أحد اللقاءات قلت لهم هل سمعتم أن الأستاذ يكون موجوداً أثناء تقويم الطلاب لهم، فتقول الأستاذة للطلاب لا شك أنكم ستكتبون عني كلاماً جيداً، ألست أستاذة جيدة، وربما أغرتهم بالعلامات أو غير ذلك، فقالوا إن مثل هذا الأمر لا يحدث في جامعاتنا، وهذه خيانة للأمانة من قبل الأستاذ.
          وهناك تفاصيل كثيرة في مسألة الاعتماد الأكاديمي سأذكرها إن شاء الله في تقرير أكتبه بعد أن يستقر بي المقام في الرياض أو المغرب أو بريطانيا إن شاء الله.
وأعود إلى جامعاتنا فهل يمكن أن تنشا في المملكة مؤسسة غير ربحية ومستقلة تقوم بتقويم جامعاتنا تطلع على كل صغيرة وكبيرة في الجامعات من تعاميم مدراء الجامعات إلى المناهج (الملفقة) لأنه لا يوجد لدينا كتاب جامعي للمواد المختلفة وتطلع على ما يقدمه الأساتذة من معرفة أو على اختبارات الطلاب أو غير ذلك، هل يمكن أن تطلع تلك اللجنة على ما يحصل عليه مدير الجامعة وكبار أعوانه من ميزانية الجامعة تخسف بالبحث العلمي لأن سفرات مدير الجامعة تستهلك ثلاثة أرباع ميزانية البحث العلمي؟
         وقريباً من هذه المؤسسة استمعت إلى تقرير في الإذاعة الأمريكية العامة Npr أن الكونجرس الأمريكي (مجلس ممثلي الشعب الأمريكي) لديه لجنة لمراقبة الجامعات الحكومية التي تنفق عليها الولايات والحكومة الفيدرالية فتبحث في نفقات الجامعات ورواتب الأساتذة والرسوم التي يدفعها الطلاب وتقدم نقدها للجامعات وأعتقد أن على الجامعات أن تأخذ به.


                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                   التعليم العالمي: ندوات ومؤتمرات              
استضاف الأستاذ حمد القاضي في برنامجه التلفزيوني الدكتور عبد العزيز السبيل من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكان مما تحدث عنه الدكتور السبيل الندوات والمؤتمرات وأشار إلى الصعوبات الحالية التي تواجه أستاذ الجامعي السعودي في حضور المؤتمرات حيث إنه ثمة إجراءات تستغرق بعض الوقت مما يفوت على الأستاذ الجامعي حضور بعض هذه الندوات والمؤتمرات .
وكان الدكتور عبد العزيز السبيل قد كتب عدة حلقات في ملحق الأربعاء بصحيفة ” المدينة المنورة “ عن ضرورة قيام القطاع الخاص بدعم التعليم العالي وبخاصة في مجال البحث العلمي من إجراء البحوث والدراسات وحضور الندوات والمؤتمرات أو طباعة الكتب أو القيام برحلات علمية.
وما زال هذا الموضوع يشغلني حتى أخذت أبحث فيمن كتب عنه فإذ بمجلة عالم الفكر الكويتية قد خصت التعليم العالي في الوطن العربي بالحديث في أحد محوري العدد الذي صدر في  (يوليو/سبتمبر- أكتوبر /ديسمبر 1995م) وكتب الدكتور عدنان مصطفى تمهيداً لهذا المحور قال فيه عن أهمية التعليم العالي:" إذا كان العلم قلب الإنسانية فالجامعة تشكل نبض هذا القلب، ويبقى هذا النبض قائماً ما دمت المثل الأكاديمية والعربية الإسلامية منها خاصة تنظم حياة الحرم الجامعي وتزكي توقه لأفاق متطورة مطردة الانفتاح والاتساع نحو اعتماد متبادل بين البحث والتطوير العملي من جهة وتطبيق المعرفة الأصيلة حول مسائل بقاء ونماء المجتمع والطبيعة من حوله من جهة أخرى.")ص11) ولعل من أجمل ما كتب الدكتور عدنان قوله على أن المطلوب من الجامعات بعض الأمور منها:" استنهاض همة أعضاء هيئة التدريس ومن يعاونهم في البحث والتطوير لتفعيل دورهم في برامج التدريب والتعليم وذلك بشكل مواكب لمتابعتهم جهودهم البحثية والتطويرية، وليس ثمة ريب في أن تعليم المواضيع العلمية من قبل أساتذة لا يجرون أبحاثاً في المجالات التي يعلموا بها لا يقود إلى تكوني إجيال شابة دربة ذات خيال وفضول علميين متقدمين..." (ص12)
وقد لفت انتباهي عنوان البحث الأول في هذا المحور وهو ( مسألة الجامعات العربية: منظور القبور الحية) والشاهد في هذا العنوان قوله :" وإن حبا الله بعض أعضاء هيئة التدريس في حرم جامعي عربي ما بتمسك عازم بروحه البحثية العلمية، تبوء مجاهدته في تطوير معرفته بخيبات أمل عند رفوف مكتبات خالية من الدوريات المتتابعة، ولدى مخابر بدائية التجهيز، وتتعاظم مع عراقيل إدارية تحول بينه وبين المشاركة في الملتقيات العلمية داخل الوطن العربي أو خارجه، ومع انقضاء الزمن في هذا المقام، تتلاشى المقدرة البحثية" (ص22-23)
أما عن غياب الدوريات العلمية فحدث ولا حرج وحضور المؤتمرات يخضع في الجامعات العربية لمعايير كثيرة وإجراءات تصل أحياناً إلى أن يحتاج الإذن لإلقاء محاضرة إلى خمسة عشر خطاباً بين المسؤولين في الجامعة و الجهة الداعية. وتصل أحياناً الموافقة على حضور ندوة أو دورة علمية لا تتكلف فيها الجامعة شيئاً من الناحية المالية قبل أيام من انعقاد الدورة أو المؤتمر فلا يمكن للأستاذ حينئذ أن يعد بحثاً أو أن يستعد للحضور.
وقد كتب الأستاذ الدكتور محمد الطيب الساسي قبل أيام في جريدة " المدينة المنورة" عن الجامعات الألمانية وكليات العلوم الإنسانية وبخاصة مجال الدراسات الاستشراقية وما ينفق على هذه الكليات وأنها هي الأساس في الجامعات الغربية رغم أن المردود المادي المرجو من هذه الكليات لا يوازي الإنفاق عليها ولكن تلك الدول تعرف ما للفكر والفلسفة من أهمية في حياة الأمم والشعوب. فالعلماء هم الذين يقودون مسيرة الأمم.
وللأستاذ الدكتور محمد خضر عريف أكثر من مقالة تناولت البحث العلمي في مجال الدراسات الأدبية والإنسانية وقدم بعض الأدلة والبراهين على اهتمام الجامعات الغربية برصد مبالغ ضخمة للبحث في العلوم الإنسانية. والمقالات كثيرة حول الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي.
فما الحل إذن حتى يحتل التعليم العالي مكانته التي يستحقها في العالم العربي الإسلامي؟ لا شك أن مقالة واحدة أو مؤتمراً أو عدة مؤتمرات يمكن أن تحل هذه الإشكالية ولكنها خطوات في طريق الحل.
بعد أيام من كتابة الأسطر السابقة عن التعليم العالي والبحث العلمي وجدت أن الدكتور عبد الوهاب القحطاني قد كتب مقالة في جريدة الاقتصادية(21يونيو2000م) ذات عنوان معبّر هو  (الاستثمار المفقود في البحث والتطوير) ينتقد ضعف اهتمام القطاع الخاص بالبحث العلمي وقلة ما ينفقه هذا القطاع في هذا المجال. وقدم الكاتب الكريم بعض الأرقام والإحصائيات عن الإنفاق على البحث العلمي في العديد من الدول فجاءت الدول العربية والإسلامية من أقل الدول إنفاقاً في هذا المجال.
وكان مما قاله الدكتور عبد الوهاب :" والتفكير الصحيح للشركات السعودية يجب أن يشمل الاستثمار في البحث والتطوير لكونه أساسياً لمساعدتها في اختراق منتجات الأسواق الأجنبية التي تشتد فيها المنافسة..." ولئن كان هذا الحديث عن الإنفاق في البحوث العلمية الخاصة بالصناعة فإن من الحقائق المعروفة أن أكبر الشركات الصناعية في الغرب تدعم البحوث في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن الطريف أن شركة فوكس واجن للسيارات أسهمت في تمويل وضع معجم ألماني عربي.
وكتب الأستاذ فهد عامر الأحمدي في زاويته بهذه الجريدة يوم 13 ربيع الأول 1421 حول المنح الجامعية التي قدمها بيل جيتس (مؤسس شركة مايكروسوفت) وقال في نهاية مقالته " وفي المقابل قارن ذلك بما يحصل لدينا: الدولة وحدها تتحمل أعباء التعليم وجامعتنا ضاقت بالمتقدمين وشبابنا أغلقت في وجوههم أبواب العمل والدراسة ..كل هذا يحصل ولم نسمع بثري فكّر ببناء جامعة أو كلية متواضعة (حتى بغرض الربح)" وختم مقالته بقوله:" متى نسمع ببيل جيتس عربي الملامح؟ ومتى يستثمرون بغرض الربح؟" وما زلت أذكر من لوحة الإعلانات في جامعة برنستون عام 1408هـ   (1988م) إعلانات عن منح مقدمة من بعض شركات الاتصالات للدراسات العليا.
وما دامت وزارة الشؤون الإسلامية تواصل اهتمامها بتفعيل الوقف ولعلمي بأن كثيراً من الأوقاف تخص طلبة العلم، فليس طالب العلم المحتاج هو الذي لا يجد اللقمة واللقمتين ولكنه الذي لا يستطيع شراء جهاز حاسوب أو الاشتراك في الإنترنت أو حضور المؤتمرات والندوات، أو الاشتراك في الدوريات العلمية أو شراء الكتب. أليس من أبواب الصدقة على صاحب المهنة أن يعطى ثمن  أدواته؟
يقول الدكتور السبيل في مقالته في ملحق الأربعاء( 13جمادى الأولى 1417) :" يمثل البحث العلمي العمود الفقري لأي مؤسسة أكاديمية وترتبط بذلك بشكل مباشر المحاضرات والندوات والمؤتمرات، وتلك نشاطات تقوم بتنظيمها المؤسسة من جانب، وتحث منسوبيها على المشاركة في هذه الأنشطة حين تقوم مؤسسات أخرى بتنظيمها في الداخل والخارج" ثم تناول الدكتور السبيل بعض المشكلات التي تواجه حضور المؤتمرات والندوات العلمية وذكر منها أن الدعم المالي قد يتاح "لأشخاص دون آخرين في المؤسسة الواحدة. أما كيف فذلك أمر لا يفسره إلاّ الراسخون في العلم."
ومن المشكلات أيضاً أن بند المؤتمرات والندوات يكاد يكون خالياً من أول العام فلا يمكن للأستاذ أن يحصل على الانتداب المقرر له وفقاً للنظام إلاّ بعد عدة أعوام في بعض الجامعات. ويتساءل المرء كيف انتهى البند والسنة المالية لم تبدأ بعد؟ والذي يحضر مؤتمراً عالمياً يمثل كليته وجامعته والتعليم العالي والمملكة العربية السعودية فهو قد أدى عملاً كبيراً وقد حصل على ثقة المسؤولين في هذه الهيئات وغيرها وإن هذه الثقة وهذا العمل حتى يستمران فلا بد من بعض الإنفاق حتى يتمكن الأستاذ من حضور ندوات ومؤتمرات أخرى.وقد عرفت أستاذاً –وهناك غيره كثير-  وصل مرتبة الأستاذية ولم يحضر مؤتمراً واحداً قط في حياته العلمية خارج المملكة لأنه غير مستعد للإنفاق من جيبه الخاص في هذا السبيل. وهذا يذكرني بباحث من دولة صغيرة جداً جاء إلى مؤتمر وقد أعطي التذكرة ومبلغاً معيناً للإنفاق طيلة أيام المؤتمر.
ومن المشكلات أن يدعى الأستاذ الجامعي ليكون أستاذاّ زائراً في إحدى أرقى الجامعات في العالم أو في مركز بحوث مرموق فلا يجد حتى رداً بالرفض أو بالقبول وإن كان بالرفض فما المبرر لجامعة أن ترفض لأستاذ أن يعمل في جامعة راقية ليفيد ويفيد.
فهل نعطي البحث العلمي والمؤتمرات والندوات حقها من الاهتمام؟




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق