الأربعاء، 5 أكتوبر، 2016

الصحافة المغربية ربيع الأول 1432هـ (فبراير 2011م)


صلتي بالصحف قديمة بدأت قراءتها وأنا في الثانية عشرة من عمري حتى إني كنت أجمع صحف المدينة المنورة للعم مهدي عسيري طوال فصل الصيف عندما يسافر إلى أبها، وكم قرأت فيها من قضايا وكم راجعت المكتبة لأعرف أن الصحيفة لم تأت من جدة أو إنها كانت ممنوعة، ومع قراءتي للصحف كنت أطلع على بعض المجلات وأشاهد الختم الذي يقول (وصلت بالطائرة) أو الأعداد التي يتم إزالة عنوانها لأنه لا يمكن إرجاعها فتباع بنصف الثمن أو زيادة. كما كان يزعجني الأسطر المطموسة بالحبر الأسود كما كانت الصور تطمس وهي ما يمكن للمراهقين أن يتطلعوا إلى مشاهدتها.
وهكذا أجدني في كل بلد أحرص على قراءة الصحف ولا أفرق بينها ولكني بعد تصفحها جميعاً تقريباً أختار منها واحدة أو اثنتان أو ثلاثة، وقد يجذبني عناوين الصفحة الأولى في الصحيفة فأشتريها وإن كنت لا أحب تلك الصحيفة أو لدي موقف من توجهها.
وفي هذا الشهر لفت انتباهي أن عناوين الموضوعات الرئيسية تتناول موضوعات ليست مهمة  بل تكاد تكون موضوعات فرعية أو حتى تافهة؟ ولكن ربما للمدرسة المغربية في الصحافة وجهة نظر أخرى غير ما تعودت عليه في الصحافة المشرقية.  ومن الأمثلة على ذلك أن يكون من أبرز المشكلات في بلد يبلغ حوالي ثلاثين مليوناً وفيها من الطاقات البشرية الشيء الكثير مشكلة البطالة لدى ذوي الشهادات العليا. ويكون من بين المشكلات التراشق بالتهم بين المسؤولين والصحفيين، وتبادل الشتائم. كما أن من الأخبار البارزة أخبار السرقات هنا وهناك. وكأن الحديث عن الاختلاسات والسرقات والمحسوبيات ليتقاتل الشعب فيما بينه والسكوت عن السرقات الأكبر . وأتعجب كيف يسكت الشعب حين يكون رئيسه من أثرى أثرياء العالم وكأن ثروة بلاده إنما هي ثروة خاصة له؟ أليس هذا ما قصدته الآية الكريمة  في سورة الزخرف (لماذا في سورة الزخرف) (ونَادَى فِرْعَون في قومه قال يا قومِ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي) ونهب أموال الأمم ما كان يفعله مجلس السنت أو النواب في الدولة الرومانية التي غزت العالم أن الواحد من  أعضاء المجلس كان يملك من الأراضي ما بين الجبل إلى الجبل أو من الجبل إلى النهر أو من مكان كذا إلى مكان كذا أي ما يساوي آلاف الكيلومترات ويزعمون أنهم يملكون الأرض ومن عليها. وصحيح أن خليفة مسلم خاطب غيمة قائلاً: أمطري أنّى شئت فإن خراجك سيأتيني"، وأعتقد أنه كان يقصد أن خراجها سيكون من نصيب بيت مال المسلمين فإنه لم يكن في ذلك الوقت حسابات سرية أو سندت خزينة أمريكية أو عقارات في لندن أو هونج كونج أو باريس أو نيويورك، وإن كان الخلفاء والملوك على مر التاريخ ملكوا أكثر مما يستحقون إلاّ من رحم ربي.  ولم يكن حكام الأمة الإسلامية يفرضون الإتاوات والضرائب ويتقاضون رسوماً ويفرضون غرامات تعجز عبقريات الدنيا أن تلاحقها يبيتون على الطوى ويبيت الحكام في تخمة. ولله در الشاعر حين قال
وحسبك عاراً أن تبيت ببطنة  وحول أكباد تحن  إلى القد
وإليكم بعض هذه المقالات:
-مقالة (وحنّا كيفاش زعما) وكاتب المقال هو رشيد نيني وعنوان زاويته (شوف تشوف) وقد نشر المقال في العدد (1368، في 15/2/2011م. ومعنى العنوان لمن لا يفهم اللهجة المغربية (وماذا عنّا نحن؟) فهو يستعرض ما حدث في مصر وتونس ويضيف (وجود رؤساء عرب آخرين في لائحة) وهو لم يقل من هم هؤلاء الرؤساء، ولكنه يقول وما ذا عنّا في المغرب، فإن المظالم التي أخرجت المصريين والتونسيين يوجد مثلها عندنا، وكانت عبارته الآتية مجملاً لما ينبغي أن تنتبه له الدولة في المغرب حيث يقول: "الشعب المغربي بجميع أطيافه يجمع على ضرورة اعتبار ما حدث في تونس ومصر وما سيحدث في بقية دول العالم العربي درسا يجب أن يستفيد منه المغرب لكي يقوم بالإصلاحات الضرورية العاجلة في بيته الداخلي المتبعثرة لمعنى أنّ مغرباً آخر يجب أن تتشكل معالمه.
        ويشير الكاتب في مقالته إلى لصوص المال العام والمفسدون في المؤسسات العمومية وأصحاب الامتيازات وحراس اقتصاد الريع وحماة المجرمين في المحاكم، وذكر الحديث (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)
        وأضاف الكاتب أن في المغرب مجلس أعلى للمحاسبات والمفتشية  العامة للمالية، وقد أصدرت هذه الهيئة تقارير بمئات الصفحات وليس هناك محاسبة لأحد.. ويضيف:" لدينا ديوان للمظالم لا يدفع مظلمة ولا يرد حقاً، كل منجزاته هي أن رئيسه الذي شارف على الثمانين يوظف مقربيه إلى جانبه ويهدر أموال الدولة في تشييد مقرات جهوية فاخرة لديوان مظالمه في المدن ويقضي كل أشهر السنة متنقلاً بين العواصم العالمية على حساب دافعي الضرائب.."
        وتحدث الكاتب عن المحاكم وفسادها وبعض معاناته الشخصية مع تلك المحاكم.
        وفيما كنت أتحدث مع زوجي خديجة عن هذه الموضوعات ذكرتُ لها أنه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح الله على المسلمين بلاد فارس فوقعت كنوز ملوك الفرس في يد المسلمين فأرسلها القائد المسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مع بعض الجنود – لم تذكر كتب التاريخ أسماء هؤلاء الجنود- فأوصلوها إلى المدينة المنورة لم ينقص منها فص واحد أو جوهرة، فنظر عمر بن  الخطاب رضي الله عنه وقال: "إن قوماً أدوا هذا لأمناء" وهنا قال علي بن أبي طالب- وانظر إلى حب علي رضي الله عنه لعمر- " يا أمير المؤمنين عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا"
       وإن عمر بن الخطاب هو أول من وضع مبدأ محاسبة الولاة فقد قاسَم أبا هريرة رضي الله عنه أمواله بعد أن أعفاه من الولاية، وفعل الأمر نفسه مع عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو ما يزال حاكماً لمصر من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

        وقد لمّح رشيد نيني إلى قضية خطيرة حين ذكر أن رئيس ديوان المظالم شارف على الثمانين وتمنيت أن فصل قليلاً في هذه المسألة وهي معايير اختيار المسولين في البلاد أو بقائهم. والفكرة المؤكدة في العالم العربي أن من يصل إلى المناصب هم أصحاب الولاء وليس الكفاءة. بل إن أحدهم يقول إنهم يختارون عن اللص الذي يسرق ويسمح لأسياده أن يسرقوا معه، فتكون الهبرة ملايين أو حتى مليارات يعطي يحصل السيد على معظمها بينما يحصل هو على جزء منها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق