الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

رحلة إلى الهند (الهند هندك لو ما شي عندك)


        اليوم الخميس الساعة الثانية عشر ليلا وسبع دقاشف الثلاثين من محرم 1429م(7 فبراير 2008)
         لماذا الهند؟ جاءني الدكتور حمود سلامة (لم يكن حصل على الدكتوراة) أحد طلابي في مرحلة الدكتوراة يقول: "دعيتُ لمؤتمر في الهند لأنني عضو في جمعية لرعاية الصم، وسأبعث إليك بتفاصيل الدعوة." وجاءتني التفاصيل وقرأتها فإذ به مهرجان إسلامي دعوي كبير ..فكرت في البداية في المشاركة لكني قلت وماذا سأفيد من هذا التجمع الضخم ، وصرفت النظر عن المشاركة...وجاء الباحث الهندي محمد أشرف إلى مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية وكنت أعمل فيه فذكرت له المهرجان فقال لماذا لا تحضر ،قلت لم تُوجّه إليّ الدعوة فما كان منه إلّا أن اتصل بالجهة المنظمة للمهرجان وأرسل إليهم رسالة بالجوال ونسخة منها لي ، وبعد أيام كان مدير مركز الدعوة يزور الرياض فاتصل بي طالباً موعداً للقاء، والتقينا وإذ به يحمل الدعوة.
        اطلع أمين المركز العام على الدعوة وقدمت له نسخة فعرض الأمر على رئيس مجلس الإدارة فوافق على سفري وتم ترتيب السفر إلى كوتشن ومنها إلى كلكت ومن ثَمَّ وينارد حيث المهرجان والمؤتمر.
        ما إن أقلعت الطائرة حتى أخلدت إلى النوم ..هاجمني النو، استدعيت النوم ..استسلمت للنوم ، وخرجت من حالة النوم والطائرة تقترب من الدمّام ، خرجت من الطائرة وسرت أبح عن لوحة أو علامة ترشدني إلى الصالة الدولية فصعدت السلالم وعرفت قاعة المغادرة فتوجهت إليها وقدمت جواز السفر وها أنا أمام البوابة رقم 26 لرحلة السعودية رقم 667 إلى كوشن، أو كوتشن ويرمز لها بالأحرفCOK ولا أدري لماذا اختارت خطوطنا هذه المحطة في آخر شبه القارة الهندية في لاجنوب الغربي (ربما لكثرة المسلمين هناك ولأنها منطقة سياحية.       
        كنت أسير في المطار فإذ بإعلان عن تأخر الرحلة من الدمام إلى جدة والسبب تأخر وصول الطائرة من جدة وسبق أن تساءلت لماذا تأخرت في الوصول هل حدث لها شيء في الطريق أو إنها أقلعت متأخرة من جدة فلا يريدون أن يصرحوا بذلك.
        المهم البوابة 26 و27 متجاورتان تنزل من جهة 27بسلم كهرباني أو درج متحرك وتنزل من جهة 26 بدرج عادي وليس ثمة فاصل بين الثنتين. فسرت مشياً في اتجاه البوابة 26
        الساعة الآن الثالثة وسبع وعشرون دقية ولم يظهر أحد من موظفي الخطوط السعودية ، والظريف أنك قبل أن تصل البوابة يسألك عام فلبيني معه مرطبات وماء (ببسي وغيره) فيسأل مسافر مع السعودية أو الهندية فإن كنتَ مع السعودية أعطاك مما عنده وإن كنت مع الهندية أشار عليك أن تذهب بعيداً إلى البوابة الأخرى. فلما وصلته أعطاني ماءً وسألته هل يعني هذا تأخير الرحلة فلم يرد ثم عرفت أن الرحلة تأخر إقلاعها حسب قول أحد العمّال نصف ساعة.
        وصلت الهند ظهراً ثم ركبنا الطائرة من كوشن إلى كلكت وليست كلكتا في ولاية البنغال التي أسس فيها الإنجليز الجمعية الملكية الأسيوية ومعهد الدراسات الإسلامية وانتقلنا من المطار إلأى منتجع جميل في أحضان الطبيعة حيث أشجار جوز الهند فارعة الطول وعلى الرغم من طول أشجار الهنود فهم عموماً ليسوا طوالاً ولكن قد يصبحون مع تحسن أحوالهم المعيشية.
        وبعد الغداء أخذنا قسطاً من الراحة حتى السابعةوالنصف وجاءنا مجاهد ابن الدكتور حسين ليصطحبنا في جولة في المدينة وكانت المتاجر مغلقة بسبب إضراب المتاجر ضد فكرة دخول المتاجر أو الشركات المتعددة الجنسيات التي تنوي فتح فروع لها في بلدهم مما يهدد تجارتهم. هل سينجحون في وقف تلك الشركات أو إن طغيانها سيلحق بهم الهزيمة كما فعلت شركة ببسي كولا في تعبئة مياه محلية عاديةووضع اسمهم عليها ليعود ريعها لهم أو جزء منه وقد فعلت ذلك نستلة في المملكة وببسي وحتى كوكاكولا ولو كان عندم شركة رابعة لفعلوا.

        النوم في الغابة:
        اختار لنا منظمو المؤتمر الشيخ القبطان حمود الشميمري وأنا السكن في الغابة وليست صفة الغبة مجازيا كما نسمي قليلاً من الشيرات في المدينة المنورة الغابة (ولعلها كانت غابة حقيقة فافترسها البشر بأطماعهم) وكنها غابة حقيقية فيها جداول مياه وبرك وخرير مياه وشلالات وأشجار باسقة وقطعان من الحيوانات البرية. والمنزل الذي نزلنا فيه أو الفندق عبارة عن كوخ خشبي حتى أزرار الكهرباء اختاروها مما كان يستعمل قبل خمسين سنة تقريباً، وهناك حبل بين الغرف وبين الإدراة أو الاستقبال وليس جرساً أو هاتفاً.
        لقد عرفت مصباح نمرة 4 الذي يستخدم الكيروسين والفتيلة واستخدمنا الفانوس والإتريك الذي يستخدم ما هو أرقى من الفتيلة وما يسمى الشمبر والشمبر عبارة عن كيس صغير مصنوع من ألياف معينة وناعمة يشعل بالكبريت بعد إمداده بالكيروسين فيعطي ضوءاً ساطعاً ربما يصل إلى قوة 60  شمعة ونظراً لحجم الغرف كان مائة شمعة وهو أقرب إلى أنوار النيون.
        نجيش ...مايا الشباب الذي يعمل في المنجع الغابوي ، ما النسية للغابة هل نقول غابي أو غاباتي ولكن العربية تجع الجمع للمفرد .
        كان برنامج الأمس حفلاً ..بعد الافطار انتقلنا بالسيارة إلى وينارد وهي البلدة التي يقام فيها المؤتمر والمهرجان وهي على قمة جبل يشبه صعودنا الهَدَى في الطائف مع الاختلاف بين جبال صخرية صماء إلى جبال ناطقة بالخضرة والجمال.
        وفي الطريق مررنا بغابات المطاط والكاكاو وجوز الهند والقهوة والشاي ، لا غرو أن تحرص بريطانيا على استعمار هذه البلاد، لكن ما هذه العقلية أن تأتي دولة على بعد آلاف الكيلومترات لتحتل أرضاً وتسيطر على خيراتها وثرواتها بل حتى تسيطر على أهلها وعقولهم ، إنّه الخبث الإنجليزوا جاؤوا ووجدوا البلاد يحكمها حكّام مسلمون على الرغم من أنهم أقلية لكنهم كانوا الأكثر تعليماً والأكثررحمة وتسامحاً فشجعت الهنادك والسيخ وفتحت أمامهم مجالات الدراسة والتعليم وبالتالي المناصب حتى أوصلتهم إلى الحكم، وأثارت قضية هل يبقى المسلمون في الهند أو تعطى لهم منطقة ليعيشوا وحدهم فانقسم المسلمون بين مؤيد للانفصال وقسم يصر على البقاء في الهند ، وشاء الله وتكونت دولة إسلامية اسمها باكستان وتفصل بينهما مقاطعة اسمها كشمير ، قام الباكستانيون باقتصاع جزء منها وأخذ الهنود معظمها ..وسكان كشمير مسلمون لكن الهنود مصرون أن تبقى تحت سيطرتهم على الرغم من قرارات الأمم المنتحرة لإعطائهم الخيار بين أن يكونوا جزءً من الهند او الانفصال ولكن الهند ضربت بهذه القرارات عرض الحائط واستمر الاحتلال.
        وفيما أنا في الهند قمت بجولة في شارع مدينة من المدن اسمها كالبانا وهناك عدد من المدن متلاصقة لا تشعر أنك خرجت من من مدينة حتى تدخل مدينة أخرى، الجو حار نوعاً ما أو إن الرطوبة مرتفعة فيصبح الجو سيئاً بينما الغيوم تعلو الجبال القريبة وفي الغابات القريبة رذاذ قليل جداً
        وقفت في محة الحافلات في مقهى صغير فما ذا رأيت في الشارع؟ العديد من بسطات الخضار لديهم الزهرة والباذنجان والطماطم وورقيات تشبه البقدونس أو الكزبرة تباع بالوزن أما الخيار والقثاء فتترك حتى تصبح كبيرة جداً يقطعونها دوائر ولكن أتعجب كيف يتذوقونها فالخيار لا يصلح إلّا غضَا (لا زلت أتذكر الدعاية الشامية أصابع الببو يا خيار) ولكن وللناس فيما يعشقون مذاهب. والفلفل الحار بأحجام مختلفة وعندهم الفاصوليا العريضة والشمندر أو البنجرر وعندهم بطيخ وعنب ورمان وموزر موز موز من الأخضر الغامق حتى الأسود وعندهم الموز المقلي أو المشوي وعندهم الباباي والتفاح ، وفي الشارع رأيت محلات لتصليح الأحذية ورأيت العديد منها والهند لديها صناعة جلود كبيرة ولكن إما إنهم يمشوا على الأقدام كثيراً فتهترئ أحذيتهم أو لا يرمونها إلّا بعد زمن,
        رأيت فتاتان خارجتان من المدرسة تجلسان في المقاعد الأخيرة من الحافلة ووقف شابان على باب الحافلة يتحدثان معهما والشابان يرتديان زيّاً مدرسيا ويحملان حقيبتين وفي الخير أقنع الشابان الفتاتين بالنزول من الحافلة.
        وليس في هذا الشارع متسولون ولا مناظر مزعجة ولكن الشارع مزدحم نوعاً ما، وأكرافه تراب أي أن الزفت لم يصل إلى الرصيف ، وهناك مجار في الشارع بعضها مكشوف وفي أماكن رائحتها مزع
       مرتديات الساري كثيرات وهناك محجبات ولكنهن قليل وبعض الحجاب متساهل يه فجزء من الشعر مكشوف  (ليس كحجاب في بعض البلاد بنطال ضيق مما يُسمّى السترتش، أو بعض الذراع مكشوفة) ، الشارع عموماً محترم فلم تصلهم بعد مصائب العالم الحديث كما أن هذه القرية ليس فيها الشركات المتعددة الجنسيات.
        ورأيت في هذا الشارع سيارات ذات العجلات الثلاث وهي تعمل في مكان التاكسي وليس لها أبواب في الغالب وسقفها من القماش أو القلع وتخيلت السائق في نهاية النهار يستطيع أن يطوي اليارة ويضعها في حقيبة لصغرها، كما رأيت محلات إصلاح الأحذية أو هي بسطات في الشارك وهناك صيدليات ومحلات أشبه بمحلات العطارة ولكنها العظارة المقوررة (عاش جدّي حامد رحمه الله في الهند أكثر من سنة لتعلم العطارة) وفي هذا الشارع محلات للذهب وكنت اظنها قليلة ولكن بعد القيام بشبه إحصاء غير كامل وجدتها ليست قليلة على حجم مدينة مثل كالبانا أما المدينة التي أقيم يها المؤتمر فهي بام مرام.
        السفر في عالم فسيح عجيب كل ما قلت إنني عرفت أصناف الناس يظهر أنك لا تزال تحتاج إلى مزيد ومزيد من المعرفة، وفي هذه الرحلة تعرفت إلى شخصية طريفة وهو طيار حربي تحول إلى طيار مدني وتدرج في قيادة الطائرات المدنية حتى وصل إلى البوينج 777 ثم تقاعد ليتفرغ للدعوة ودرس الشريعة منتسباً وكذلك درس إدارة الأعمال منتسباً وله اهتمام بدعوة الجاليات وله فيها نجاحات ونجاحات، عرفف أموراً من الشريعة ولكنه لم يعرف روح الشريعة، تحدّث الإنجليزية واعوج لسانه بما يظن أنّه الإنجليزية ويضع في الجملة فاعلين: الضمير والاسم الظاهر وتلك من عيوب الكثير من الذين يتكلمون الإنجليزية في بلادنا.
        لم يتدرب في المجال الأكاديمي ولم يعش بين العلماء حقيقة ، مارس إلقاء الخطب والدروس والمواعظ على غير المسلمين أو المسلمين حديثاً فظن أنه الخطيب المصقع وهو يفتقد أساسيات الخطابة. ثارت بينه وبين المنظمين للمؤتمر مشكلة كبرى بالأمس حول الوقت المسموح له بالحديث ، وكان لدى المنظمين العديد من الخطباء منهم وزراء في الولاية ونوات في برلمان الولاية وفي برلمان الهن وغيرهم وأراد أن يتحدث مدة ساعة فقاطعوه لينهي حديثة بسرعة فثار وغضب أو غضب وثار حتى فقد صوابه فهدّد وأزبد وأرعد.
        المهرجان ضخم جداً وفيه سوق وتجمهر ولكن حول الإسلام ومن أجل الإسلام وهو خلاصة عدة أشهر من التعبئة والدروس والمحاضرات ويبدو لي أنه ليس مكاناً للتعليم بقدر ما هو اجتماعي لإظهار مكانة المسلمين وقوتهم ونفوذهم وعلاقاتهم.
        وهذه الجمعية وصلتها بعض المشكلات التي ظهرت في بلادنا من تمزق فتصبح الفرقة الواحدة فرقاً فكانت الحركة الإسلامية تحت لواء واحد فانشقت فرقة تشبه الجوام عندنا أو السلفيين السطويين وهم مرضى مرضى قلوبهم مريضة يبحثون عن الشهرة والسمعة على حساب الدين.
        المهرجان أقيم في حقل رز بعد الحصاد وهو كبير جداً يتسع لمائة ألف أو يزيدون وتنقلهم مئات الحافلات من شتى القرى والمدن القريبة وهذا النقل إمّا مدفوع الجرة أو هو بتبرع من أصحاب الحافلات أو الشركات التي تملك الحافلات.
        وقد قابلت أخاً عراقياً يعمل في الإمارات فأخبرني إنه يعمل على بحث عن المسلمين الهنود ، وقال انتظرهم ففي السنوات القادمة سيكون لمسلمي الهند شأن وأي شأن، ومعنى ذلك أن المسلمين هنا سيفيدون من أجواء الديموقراطية والحرية ومن نهضة الهند الحقيقية فبعد أن امتلكت الهند غذاءها امتلكت قرارها السياسي، وهي قد وضعت أقدامها على طريق النهوض المادي والمسلمون جزء من هذا المجتمع فسوف يفيدون من الفرص المتاحة لهم يتعلم أبناؤهم ويترقون ويملكون المال والنفوذ فالمستقبل يخبئ بشريات كثيرة بإذن الله.

       


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق